الحديث الثالث والأربعون : فضل الشركات وبركتها.
عن أبي هريرة _رضي الله عنه_
قال :
قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ، مَا
لم يَخُن أحدهما صاحبه. فإن خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
تخريج الحديث :
أخرجه أبو داود في سننه (3/
256) (رقم : 3383)، والدارقطني في سننه (3/ 442) (رقم : 2933)، وأبو طاهر المخَلِّص البغدادي (المتوفى: 393هـ) في "الْمُخَلِّصِيَّاتِ" (2/ 290) (رقم : 1566)، والحاكم في المستدرك
على الصحيحين (2/ 60) (رقم : 2322)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 130) (رقم : 11424)،
السنن الصغير للبيهقي (2/ 307) (رقم : 2104) معرفة السنن والآثار (8/ 289) (رقم : 11937)، أبو بكر الكعبي المعروف بـ"قاضي المارِسْتان" في "المشيخة
الكبرى" (2/ 759) (رقم : 242)
وقال الألباني _رحمه الله
في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (5/ 288) (رقم : 1468) :
"حديث: «يقول الله
تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه , فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من
بينهما»، رواه أبو داود (398)
* ضعيف.
أخرجه أبو داود (3383) وكذا
الدارقطنى (303) والحاكم (2/52) والبيهقى (6/78 ـ 79) من طريق محمد بن الزبرقان
أبى همام عن أبى حيان التيمى عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: فذكر بلفظ: " فإذا خانه " والباقى مثله سواء.
وقال الحاكم: " صحيح
الإسناد ".
ووافقه الذهبى!
وأقره المنذرى فى "
الترغيب " (3/31) ! وأقول: بل هو ضعيف الإسناد.
وفيه علتان:
الأولى: الجهالة , فإن أبا حيان التيمى اسمه يحيى بن سعيد بن حيان , وأبو
سعيد , قد أورده الذهبى فى " الميزان " , وقال: " لا يكاد يعرف ,
وللحديث علة " يشير إلى العلة الأخرى الآتية.
وأما الحافظ فقال فى "
التقريب ":___" وثقه العجلى "!
قلت: وهو من المعروفين
بالتساهل فى التوثيق , ولذلك , لم يتبن الحافظ توثيقه , وإلا لجزم به فقال: "
ثقة " كما هى عادته , فيمن يراه ثقة , فأشار إلى أن هذا ليس كذلك عنده , بأن
حكى توثيق العجلى له.
فتنبه.
والعلة الأخرى: الاختلاف فى وصله , فرواه ابن الزبرقان هكذا موصولا بذكر أبى هريرة
فيه , وهو صدوق يهم كما قال الحافظ.
وخالفه جرير فقال: عن أبى
حيان التيمى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يد الله على الشريكين
ما لم يخن أحدهما الآخر (وفى نسخة: صاحبه " فإذا خان أحدهما صاحبه , رفعها
عنهما ".
أخرجه الدارقطنى من طريق
محمد بن سليمان الملقب بلوين , ثم قال: " لم يسنده أحد إلا أبو همام وحده
".
قلت: وفيه ضعف كما سبق ,
ولعل مخالفة جرير وهو ابن عبد الحميد الضبى خير منه , فقد قال الحافظ فيه: "
ثقة صحيح الكتاب , قيل: كان فى آخر عمره يهم من حفظه ".
قلت: وجملة القول: أن
الحديث ضعيف الإسناد , للاختلاف فى وصله وإرساله وجهالة راويه , فإن سلم من الأولى
, فلا يسلم من الأخرى.
وفى " التلخيص "
(3/49) : " وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان , والد أبى حيان , وقد
ذكره ابن حبان فى " الثقات " , وذكر أنه روى عنه أيضا الحارث بن يزيد ,
لكن أعله الدارقطنى بالإرسال , فلم يذكر فيه أبا هريرة , وقال: إنه الصواب , ولم
يسنده غير أبى همام بن الزبرقان , وفى الباب عن حكيم بن حزام.
رواه أبو القاسم الأصبهانى
فى (الترغيب والترهيب) ".
============================
الحديث
الرابع والأربعون :
ما ينفع
العبد بعد وفاته.
عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال :
قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
«إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ
انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ
يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
|
بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 102_104) : دار الدنيا جعلها الله دار عمل، يتزود منها العباد من الخير، أو
الشر، للدار الأخرى، وهي دار الجزاء. وسيندم المفرطون إذا انتقلوا من هذه الدار،
ولم يتزودوا لآخرتهم ما يسعدهم، وحينئذ لا يمكن الاستدراك. ولا يتمكن العبد أن
يزيد حسناته مثقال ذرة، ولا يمحو من سيئاته كذلك. وانقطع عمل العبد عنه إلا هذه
الأعمال الثلاثة التي هي من آثار عمله. الأول: الصدقة الجارية، أي: المستمر نفعها. وذلك كالوقف للعقارات التي
ينتفع بمغلها، أو الأواني التي ينتفع باستعمالها، أو الحيوانات التي ينتفع
بركوبها ومنافعها، أو الكتب والمصاحف التي ينتفع باستعمالها والانتفاع بها، أو
المساجد والمدارس والبيوت وغيرها التي ينتفع بها. فكلها أجرها جار على العبد ما دام ينتفع بشيء منها. وهذا من أعظم
فضائل الوقف. وخصوصا الأوقاف التي فيها الإعانة على الأمور الدينية، كالعلم
والجهاد، والتفرغ للعبادة، ونحو ذلك. ولهذا اشترط العلماء في الوقف: أن يكون مصرفه على وجهة بر وقربة.____ الثاني: العلم الذي ينتفع به من بعده، كالعلم الذي علمه الطلبة المستعدين للعلم،
والعلم الذي نشره بين الناس، والكتب التي صنفها في أصناف العلوم النافعة. وهكذا كل ما تسلسل الانتفاع بتعليمه مباشرة، أو كتابة، فإن أجره
جار عليه. فكم من علماء هداة ماتوا من مئات من السنين، وكتبهم مستعملة،
وتلاميذهم قد تسلسل خيرهم. وذلك فضل الله. الثالث: الولد الصالح (ولد صلب، أو ولد ابن، أو بنت، ذكرٌ أو أنثى)، ينتفع والده بصلاحه ودعائه. فهو في كل وقت يدعو لوالديه بالمغفرة
والرحمة، ورفع الدرجات، وحصول المثوبات. وهذه المذكورة في هذا الحديث هي مضمون: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي
الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] فما قدموا: هو ما باشروه من الأعمال الحسنة أو السيئة. وآثارهم: ما ترتب على أعمالهم، مما عمله غيرهم، أو انتفع به غيرهم. وجميع ما يصل إلى العبد من آثار عمله ثلاثة: الأول: أمور عمل بها الغير بسببه وبدعايته وتوجيهه. الثاني: أمور انتفع بها الغير أي نفع كان، على حسب ذلك النفع باقتدائه به
في الخير. الثالث: أمور عملها الغير وأهداها إليه، أو صدقة تصدق بها عنه أو دعا له،
سواء أكان من أولاده الحسيين أو من أولاده الروحيين الذين تخرجوا بتعليمه،
وهدايته وإرشاده، أو من أقاربه وأصحابه المحبين، أو من عموم____المسلمين، بحسب
مقاماته في الدين، وبحسب ما أوصل إلى العباد من الخير، أو تسبب به، وبحسب ما جعل
الله له في قلوب العباد من الود الذي لا بد أن تترتب عليه آثاره الكثيرة التي
منها: دعاؤهم، واستغفارهم له. وكلها تدخل في هذا الحديث الشريف. وقد يجتمع للعبد في شيء واحد عدة منافع، كالولد الصالح العالم الذي
سعى أبوه في تعليمه، وكالكتب التي يقفها أو يهبها لمن ينتفع بها. ويستدل بهذا الحديث على الترغيب في التزوج الذي من ثمراته حصول
الأولاد الصالحين، وغيرها من المصالح، كصلاح الزوجة وتعليمها ما تنتفع به، وتنفع
غيرها. والله أعلم." اهـ |
من فوائد الحديث :
تطريز رياض الصالحين (ص: 557)
لفيصل بن عبد العزيز الحريملي :
"فيه : دليل على أن عمل ابن آدم ينقطع
بعد الموت، لقوله تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم (39)
] .
قال ابن كثير: ومن هذه الآية
الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداؤها، إلى الموتى
لأنه ليس من عملهم، ولا كسبهم.
وأما حديث : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من
ثلاث» ، فهي في الحقيقة من سعيه وكده وعمله. انتهى ملخصًا." اهـ[1]
المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 303) للزيداني :
"إذا مات الإنسان لا يكتب له بعد موته
أجر وثواب؛ لأن الأجر جزاء العمل الصالح، والعملُ ينقطعُ بموتِ الرَّجل إلا إذا
فعل فعلًا في الحياة يدوم خيره، وإذا كان كذلك يلحقه أجره." اهـ[2]
المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 304)
الولد كشجرةِ مثمرة، فكما أن من غرس شجرة مثمرة
يحصل له ثواب بأكل تلك الثمرة، سواء يدعو آكلها للغارس أو لا يدعو، فكذلك الأب
كالغارس، والولد الصالح كالشجرة المثمرة، فهذا مثل قوله: «من سنَّ سُنَّة حسنة فله
أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»". اهـ
المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 304) :
"فإن كان الولد سيئًا لا يلحق من سيئاته
إلى الأب إثم؛ لأن نيَّةَ الأب في طلب الولد الخير لا الشر؛ لأن نيته في طلب الولد
أن يحصل له ولد صالح يعبد الله ويحصل منه الخير إلى الناس، وإنما يصل من شر الولد
إلى الأب نصيبٌ أن يعلِّمَ الأبُ الولدَ شرًا كالسرقة وشرب الخمر وغيرهما من
المعاصي." اهـ
بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة (ص:
102)
"دار الدنيا جعلها الله دار عمل، يتزود
منها العباد من الخير، أو الشر، للدار الأخرى، وهي دار الجزاء. وسيندم المفرطون
إذا انتقلوا من هذه الدار، ولم يتزودوا لآخرتهم ما يسعدهم، وحينئذ لا يمكن
الاستدراك. ولا يتمكن العبد أن يزيد حسناته مثقال ذرة، ولا يمحو من سيئاته كذلك."
اهـ[3]
شرح رياض الصالحين (4/ 567) للعثيمين :
"يتأكد علينا أن نحرص غاية الحرص على
صلاح أولادنا لأن صلاحهم صلاح لهم وخير حيث يدعون لنا بعد الموت." اهـ
شرح رياض الصالحين (4/ 567_568) :
"وأفضل هذه الثلاثة : العلم، الذي يُنتفع به،
وأضرب لكم مثلاً، بل أمثالا كثيرةً : أبو هريرة _رضي
الله عنه_ من أفقه الصحابة بعد الرسول _صلى الله عليه وسلم_، يَسْقُط أحيانا على
الأرض من شدة الجوع،
ومع ذلك أكثر المسلمين الآن لا يقرءون إلا رواياتِه،
فهو الذي نقل لنا هذه الأحاديثَ، وهي صدقة جارية، إذًا ما قورنت بأي صدقات أخرى في
عهده.
الإمام أحمد شيخ الإسلام ابن تيمية يُدَرِّسُنَا،
وهو في قبره، لأن كتبه بين أيدينا،
أكبرُ خليفة، أكبرُ تاجر في عهد ابن تيمية _رحمه
الله_، هل وصل خيرهم إلينا اليومَ أبدا؟! إذا العلم أنفع____الثلاثةِ،
فـ(الصدقة الجارية) قد تتعثر، و(الولد الصالح) قد
يموت،
لكن العلم النافع الذي ينتفع به المسلمون باقٍ إلى
ما شاء الله،
فاحرص أخي على العلم فهو لا يعدله شيء كما قال
الإمام أحمد لمن صحت نيته فاحرص على العلم الشرعي وعلى مساعداته كالنحو وما أشبه
ذلك حتى ينفعك الله وينفع بك والله الموفق" اهـ[4]
شرح رياض الصالحين (5/ 439_440) للعثيمين :
"وفي هذا : دليل على أن الدعاء لأبيه
وأمه وجدِّه وجدتِّه أفضلُ من الصدقة عنهم، وأفضل من الصلاة لهم، وأفضل من الصيام
لهم، لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لا يمكن أن يدل أمته إلا على خير ما يعلمه
لهم، (ما من نبي بعثه الله إلا دل أمته على خير ما يعلمه لهم)[5]،
فلو علم الرسول _صلى الله عليه وسلم_ أن كونك تتصدق
عن أبيك وأمك أفضلُ من الدعاء لقال في الصدقة ما قال في الدعاء،
فلما عدل عن الصدقات والصيام والصلاة وقراءة القرآن،
_والمقام مقام تحدث عن الأعمال_، لما عدل عن هذه الأعمال إلى الدعاء، علمنا يقينا _لا
إشكال فيه_ : أن الدعاء أفضل من ذلك،
فلو سألنا سائل : أيهما أفضل أتصدق لأبي أو ادعو له
قلنا الدعاء أفضل لأن رسول الله____هكذا أرشدنا، فقال : «أو ولد صالح يدعو له»،
والعجيب أن العوام وأشباه العوام يظنون أن الإنسان
إذا تصدق عن أبيه، أو صام يوما لأبيه، أو قرأ حزبا من القرآن لأبيه أو ما أشبه ذلك،
يرون أنه أفضل من الدعاء.
ومصدر هذا، هو الجهل، وإلا فمن تدبر النصوص علم أن
الدعاء أفضل، ولهذا لم يرشد النبي صلى الله عليه وسلم في أي حديث بحرف واحد إلى
العمل الصالح يجعله الإنسان لوالده أبدا.
قال الإمام مالك أنه حصلت قضايا أعيان يسأله
الصحابة هل يتصدقوا عن أبيه وهو ميت وعن أمه وهي ميتة فيقول : نعم لا بأس لكنه لم
يحث الأمة على ذلك ولم يرشدهم إلى هذا لكن سئل في قضايا أعيان سعد بن عبادة رضي
الله عنه سأله هل يتصدق بحائطه يعني ببستانه عن أمه بعد موتها قال الرسول: "نعم."
وجاءه رجل قال: يا رسول الله إن أمي أفتلتت نفسها
يعني ماتت بغتة أفأتصدق عنها قال: "نعم"،
لكن ما أراد أن يشرع تشريعا عاما للأمة." اهـ
شرح رياض الصالحين (6/ 657) للعثيمين :
"فالمساجد أحب البقاع إلى الله لأنها
محل ذكره وعبادته وقراءة شرعه وغير ذلك من مصالح الدنيا والدين ولهذا كان بذل
المال فيها من أفضل أنواع البذل، والبذل فيها من الصدقة الجارية وهي أفضل من أن
يجعل الإنسان ماله في أضحية أو عشاء أو ما أشبه ذلك،
فإذا جعل ماله في بناء المساجد وعمارتها كان ذلك
أفضل لأن المساجد صدقة جارية باقية عامة كل المسلمين ينتفعون بها المصلون
والدارسون والمتعلمون والمعلمون والذين آواهم البرد أو الحر إلى المساجد إلى غير
ذلك." اهـ
إكمال المعلم بفوائد مسلم (5/ 373) للقاضي عياض
اليحصبي :
"وفيه : دليلٌ على جواز الوقف والحبس،
ورَدٌّ على من منعه مِن الكوفيين؛ لأن الصدقة الجارية بعد الموت إنما تكون
بالوقوف.[6]
وفى هذا : دليل على أنه لا يجزئ عمل الأبدان من
صلاة وصيام ولا نيابة فى غير المال الذى نص عليه ونفى غيره.
معالم السنن (4/ 89)
قال الشيخ: فيه دليل على أن الصوم والصلاة وما دخل
في معناهما من عمل الأبدان لا تجري فيها النيابة.[7]
وقد يستدل به من يذهب إلى أن من حج عن ميت فإن الحج
في الحقيقة يكون للحاج دون المحجوج عنه وإنما يلحقه الدعاء ويكون له الأجر في
المال الذي أعطى ان كان حج عنه بمال.
عون المعبود وحاشية ابن القيم (8/ 62)
قَالَ الْمُنَاوِيُّ : "وَفَائِدَةُ
تَقْيِيدِهِ بِالْوَلَدِ مَعَ أَنَّ دُعَاءَ غَيْرِهِ يَنْفَعُهُ : تَحْرِيضُ
الْوَلَدِ عَلَى الدُّعَاءِ." اهـ[8]
المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 304) للزيداني :
"قوله: "يدعو له" إنما قال
هذا لتحريض الولد على الدُّعاء لأبيه، لا لأنه لو لم يدعُ الولد لا يلحق والده منه
ثواب، بل يحصل له، فكما أن الأب يحصل له ثواب من الولد فكذلك الأم يحصل لها ثواب
من ولدها بل ثوابها أكثر؛ لأن حقَّها على الولد أكثر." اهـ
شرح النووي على مسلم (11/ 85) :
"وَ [فيه][9]
بَيَانُ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ وَالْحَثُّ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ
وَالتَّرْغِيبُ فِي تَوْرِيثِهِ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّصْنِيفِ وَالْإِيضَاحِ
وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ مِنَ الْعُلُومِ الْأَنْفَعَ فَالْأَنْفَعَ،
وَفِيهِ : أَنَّ الدُّعَاءَ يَصِلُ ثَوَابُهُ إِلَى
الْمَيِّتِ،
وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ، وَهُمَا مُجْمَعٌ
عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ قَضَاءُ الدَّيْنِ كَمَا سَبَقَ،
وَأَمَّا الْحَجُّ : فَيَجْزِي
عَنِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي
قَضَاءِ الدَّيْنِ :
* إِنْ كَانَ حَجًّا وَاجِبًا،
* وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، وصى به، فهو مِنْ بَابِ
الْوَصَايَا.
وَأَمَّا إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ،
فَالصَّحِيحُ : أَنَّ الْوَلِيَّ يَصُومُ عَنْهُ، وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي
كِتَابِ الصِّيَامِ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَجَعْلُ
ثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَنْهُ وَنَحْوُهُمَا
: فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهَا لَا تَلْحَقُ الْمَيِّتَ،
وَفِيهَا خِلَافٌ وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ في شرح مقدمة
صحيح مسلم." اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (28/ 414) للإثيوبي :
"جعل الشارع الولد من جملة كسب الإنسان،
فقد أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث عائشة -رضي الله عنها-، مرفوعًا :
"إن أطيب ما أكل الإنسان من كسب يده، وإن ولده من كسبه"[10]،
فسمّاه كسبًا، كما عدّه في هذا الحديث من أعماله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (28/ 415_416) للإثيوبي :
"في فوائده :
1 - (منها): بيان ما يلحق الإنسان بعد موته
من الثواب، وهو ثواب الصدقة الجارية، وهو يعمّ ما فعله الإنسان قبل موته، مِنْ
وَقْف، ونحوه، مما له البقاء بعد موته.
2 - (ومنها): أن فيه دليلًا على صحّة الوقف،
وعظيم ثوابه، والردّ على من أنكر ذلك.
3 - (ومنها): أن فيه فضيلة العلم، والحثّ على
الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح، وأنه يُختار من
العلوم الأنفع، فالأنفع.
4 - (ومنها): أن فيه فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد
صالح، وقد سبق في "كتاب النكاح" بيان اختلاف أحوال الناس فيه، وأوضحنا
ذلك هناك، ولله الحمد والمنّة.
5 - (ومنها): أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت،
وكذلك الصدقة[11]،
وهما مجمعٌ عليهما، وكذلك قضاء الديون، وأما الحجّ فيجزي عن الميت عند الشافعيّ،
وموافقيه، وهو الحقّ، كما تقدّمت أدلّته في "كتاب الحجّ"، قال____النوويّ
: وهذا داخل في قضاء الدَّين إن كان حجًّا واجبًا، وإن كان تطوّعًا وأوصى به، فهو
من باب الوصايا، وأما إذا مات، وعليه صيامٌ، فالصحيح أن الوليّ يصوم عنه؛ لصحّة
أمر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وأما قراءة القرآن، وجَعْل ثوابها للميت،
والصلاة عنه، ونحوهما، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها لا تَلْحَق الميت، وفيها
خلاف. انتهى كلام النوويّ رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما
قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ لعدم دليل صحيح على وصول ثواب القرآن، ونحوه إلى
الأموات، فمن جاءنا بنصّ صحيح صريح لذلك، فعلى الرأس والعين، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل.
{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا
اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ}." اهـ
[1] وفي إكمال المعلم بفوائد
مسلم (5/ 373) للقاضي عياض :
"عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها؛
من اكتسابه : الولد، وبثه العلم عند من حمله فيه، أو إيداعه تاليفاً بقى بعده،
وإيقافه هذه الصدقة - بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت." اهـ
وفي
شرح النووي على مسلم (11/ 85) :
"قَالَ الْعُلَمَاءُ : "مَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّ
عَمَلَ الْمَيِّتِ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ وَيَنْقَطِعُ تَجَدُّدُ الْثوَابِ لَهُ
إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبَهَا فَإِنَّ
الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيمٍ
أَوْ تَصْنِيفٍ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ وَهِيَ الْوَقْفُ." اهـ
[2] وفي توضيح الأحكام من بلوغ
المرام (5/ 100) :
"قال ابن الجوزي : من علم أنَّ الدنيا دار سباق، وتحصيل
الفضائل، وأنَّه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت مرتبته في دار الجزاء، أنهب
الزمان، ولم يُضِعْ لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلاَّ حصلها، ومن وُفِّق لهذا
فليغتنم زمانه بالعلم، وليصابر كل محنةٍ وفقرٍ إلى أن يحصل له ما يريد." اهـ
وانظر
: الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 222) لابن مفلح، عيون الرسائل والأجوبة على
المسائل (2/ 779) لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل
الشيخ (المتوفى: 1293هـ).
[3] وفي شرح رياض الصالحين (5/
437) للعثيمين :
"وهذا الحديث فيه الحث أعني حث الإنسان على المبادرة بالأعمال
الصالحة لأنه لا يدري متى يفاجئه الموت فليبادر قبل أن ينقطع العمل بالعمل الصالح
الذي يزداد به رفعة عند الله سبحانه وتعالى وثوابا،
ومن
المعلوم أن كل واحد منا لا يعلم متى يموت ولا يعلم أين يموت كما قال الله تعالى:
وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض____تموت فإذا كان الأمر كذلك فإن
العاقل ينتهز الفرص فرص العمر في طاعة الله عز وجل قبل أن يأتيه الموت ولم يستعتب
ولم يتب." اهـ
[4] وفي شرح رياض الصالحين (5/
439) للعثيمين :
"أما الثاني فـ(علم ينتفع به)، وهذا أعمها وأشملها وأنفعها أن
يترك الإنسان وراءه علما ينتفع المسلمون به سواء ورث من بعده بالتعليم الشفوي أو
بالكتابة فتأليف الكتب وتعليم الناس وتداول الناس لهذه المعلومات مادام مستمرا
فأجر المعلم جاز مستمر لأن الناس ينتفعون بهذا العلم الذي ورثه." اهـ
[5] أشار به إلى ما أخرجه مسلم
في "صحيحه" (3/ 1472) (رقم : 1844) : عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ _رضي الله عنهما_ عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ : « إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ
يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا
يَعْلَمُهُ لَهُمْ».
[6] وفي شرح النووي على مسلم
(11/ 85) : "وَفِيهِ دَلِيلٌ لِصِحَّةِ أَصْلِ الْوَقْفِ وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ."
اهـ
[7] وفي المسالك في شرح موطأ
مالك (4/ 221) :
"وفي العارضة : قال علماؤنا : "لا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ
باتِّفَاقٍ فَرْضًا ولا نافلة، حياةً ولا موتًا، وكذلك الصِّيام فإنّه لا يصومه
أحدٌ عن أحدٍ." اهـ
[8] وفي الذخيرة للقرافي (6/
314) :
"الدُّعَاء لَيْسَ خَالِصا بِالْوَلَدِ بَلْ كُلُّ مَنْ دَعَا
لِشَخْصٍ رَجَاءَ نَفْعِهِ بِدُعَائِهِ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا وَلَيْسَ
الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الدُّعَاءِ يَحْصُلُ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ بَلْ
مُتَعَلِّقُ الدُّعَاءِ وَمَدْلُولُهُ لُغَةً فَصَارَ ذِكْرُ الْوَلَدِ مَعَهُمَا
مُشْكِلًا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَلَدَ أَكْثَرُ دُعَاءً لِأَنَّ دَاعِيَةَ
الْقَرَابَةِ تَحُثُّهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ خَصَّصَهُ بِالصَّالِحِ
لِأَنَّ الصَّلَاحَ مَعَ الْبُنُوَّةِ نظمة كَثْرَةِ الدُّعَاءِ وَإِجَابَتِهِ
فَكَانَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ مِنْ غَيْرِهِ." اهـ
[9] ما بين المعقوفتين زيادة مني للإيضاح، ليس من كلام
النووي _رحمه الله_.
[10] أخرجه : سنن أبي داود (3/
288) (رقم : 3528)، سنن الترمذي ت شاكر (3/ 631) (رقم : 1358)، سنن النسائي (7/
240) (رقم : 4449)، سنن ابن ماجه (2/ 723 و 768) (رقم : 2137 و 2290)،
صححه
الألباني في "صحيح الأحكام" (171) ، الإرواء (6 / 66) ، المشكاة (2770).
[11] وفي عون المعبود وحاشية
ابن القيم (8/ 62) لشرف الحق العظيم آبادي :
"وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ بَيَانِ
أَنَّ الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ
وَيَنْتَفِعُ بِهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَلْحَقُهُ
بَعْدَ مَوْتِهِ ثَوَابٌ فَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ بَيِّنٌ مُخَالِفٌ
لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ فَلَا الْتِفَاتَ
إِلَيْهِ وَلَا تَعْرِيجَ عَلَيْهِ انْتَهَى." اهـ
Tidak ada komentar:
Posting Komentar