Kamis, 04 November 2021

الحديث الرابع عشر من كتاب (أربعون حديثا في التربية والمنهج)

 

أربعون حديثا في التربية والمنهج

 

الحديث الرابع عشر

 

عن أنس _رضي الله تعالى عنه_ قال :

«كنت أمشي مع رسول الله ﷺ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ، وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه رسول الله ﷺ لة ثم ضحك ثم أمر له بعطاء» متفق عليه.

 

شرح المفردات :

 

البُرْد: نوع من الثياب معروف، وجمعه: أبراد وبرود. ونجراني: نسبة إلى نجران، وهو موضع بين الحجاز والشام واليمن. «النهاية» (1/۱۱6، 5/۲۱)

 

صحابي الحديث :

 

أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار : أبو حمزة الأنصارى النجارى، : المتوفى سنة 92 هـ، روى له :  خ م د ت س ق

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 396)

الإِمَامُ، المُفْتِي، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، رَاوِيَةُ الإِسْلاَمِ، أَبُو حَمْزَةَ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، خَادِمُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَرَابَتُهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَتِلْمِيذُهُ

 

تهذيب الكمال في أسماء الرجال (3/ 368)

عن أَنَسٍ، قال : شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحُدَيْبِيَةَ، وعُمَرته، والْحَجَّ، والْفَتْحَ، وحُنَيْنا، والطَّائِفَ، وخَيْبَرَ. [انظر : تاريخ دمشق لابن عساكر (9/ 361)]

 

تخريج الحديث :

 

أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 94 و 7/ 146 و 8/ 24) (رقم : 3149 و 5809 و 6088)، ومسلم في صحيحه (2/ 730) (رقم : 1057)، وابن ماجه في سننه (2/ 1177) (رقم : 3553)، وابن حبان في صحيحه (14/ 289) (رقم : 6375)

 

وقال الشيخ عبد العزيز السدحان في كتابه أربعون حديثا في التربية والمنهج (ص 34_35) :

 

قوله: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ

 

* فيه : تواضع النبي ﷺ في مشيه مع الشاب الصغير والخادم.

 

وقوله : «وعليه برد نجراني غليظ الحاشية»

 

* فيه أيضا : زهد النبي ﷺ في ترك الترقه في اللباس.

* وفيه : عناية الصحابة _رضي الله عنهم_ بنقل أخبار النبي ﷺ بدقيقها وجليلها في أخبار الآداب، فكيف في أخبار الأحكام؟

 

وقوله : «فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثّرت بها حاشية البرد من شدة جبذته»

 

* فيه : توطين دعاة الخير أنفسهم على تحمل طبائع الناس، فذلك من أسباب قبول دعوتهم.

 

وقوله : «یا محمد»

 

* فيه : ذم من کره أن ينادى الشخص باسمه العلم دون مراعاة لحال المنادي.

 

وقوله : «فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك ثم أمر له بعطاء»

 

* فيه : أن على داعي الخير أن يحرص على نفع السائل ولو أساء السائل بترك الأدب بحكم طبعه.___

* وفيه : أن سبق الجواب بكن القول أو الفعل يزيد السائل محبة للمسؤول، ومن ثم قبول دعوته.

ومن حسن الفعل قبل الجواب : ما في هذا الحديث من الضحك مراعاة لحال السائل.

ومن حسن القول قبل الجواب : الدعاء للسائل والثناء عليه لحرصه عند سؤاله عما يهم السائل في أمر دينه، وكذا تضمين الدعاء للمدعوين في أثناء دعوتهم ونصحهم." اهـ

 

من فوائد الحديث :

 

تطريز رياض الصالحين (ص: 420)

في هذا الحديث: مزيد حُسْن خُلُقِهِ - صلى الله عليه وسلم - وصبرُه على سوء أَدب هذا الأَعرابي الجافي، وحلمُه - صلى الله عليه وسلم - فإنه عفا عن جنايته عليه، وزاد على العفو بالبشر والعطاء.

قال الشاعر:

بشاشة وجه المرء خير من القِري ... فكيف من يعطي القِري وهو يضحك

وفي رواية البيهقي :

(ثم قال : يَا محمد مُر لِيَ من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أَبيك. فسكت النبي _صلى الله عليه وسلم_

ثم قال : «المال مال الله وأَنا عبده» .

وذكر في (الشفاء) : أنه حمل له على بعير شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا.

 

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (15/ 73)

وَفِيه: لطف رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحلمه وَكَرمه، وَأَنه لعلى خلق عَظِيم.

 

شرح النووي على مسلم (7/ 147)

فِيهِ : احْتِمَالُ الْجَاهِلِينَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ مُقَابَلَتِهِمْ، وَدَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ، وَإِعْطَاءُ مَنْ يُتَأَلَّفُ قَلْبَهُ، وَالْعَفْوُ عَنْ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ، لَا حَدَّ فِيهَا بِجَهْلِهِ، وَإِبَاحَةُ الضَّحِكِ عِنْدَ الْأُمُورِ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا فِي الْعَادَةِ.

وَفِيهِ : كَمَالُ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمِهِ وَصَفْحِهِ الْجَمِيل." اهـ

 

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (9/ 68_69)

وقوله : " وعليه رداء نجراني " ؛ أي : من عمل أهل نجران ،

* وهذا يدل على إيثاره ـ صلى الله عليه وسلم ـ التقلُّل من الدنيا والتبلُّغ فيها بما أمكن في اللباس والمطعم وغيره ، وأنه في الدنيا لم يكن بالذي يترفه في الدنيا ، ولا يتوسع فيها .

* وهذا الحديث يدل على ما وصف الله به نبيّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنه على خلق عظيم ، وأنه رؤوف رحيم . فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابي ، لا يصبر عليه ، ولا يحلم عنه مع القدرة عليه إلا مثله ، ثم ضحكه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند هذه الجبذة الشديدة التي انشق البرد لها ، وتأثر عنقه بسببها ، حتى انفلت عن___وجهته ، ورجع إلى نحر الأعرابي ؛ دليل على أن الذي تَمَّ له من مقام الصبر والحلم ما تم لأحد ، وهذا نظير صبره وحلمه يوم أحد ؛ حيث كسرت رباعيته ، وشج في وجهه ، وصرع على جنبه ، وهو في هذا الحال يقول : ((اللهم اغفز لقومي فإنهم لا يعلمون )) ، صلى الله عليه وسلم ، وشرّف وكرّم.[1]

 

الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 84)

* في هذا الحديث ما يدل على حلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعليمه السؤدد من أراده، وأنه صبر على سوء أدب هذا الأعرابي ونحوه، ولم يجازه - صلى الله عليه وسلم - إلا بأن ضحك؛ وإنما ضحك سرورا بحلمه من جهل الأعرابي، وتوفيق الله إياه - صلى الله عليه وسلم - لذلك، ولأن الأعرابي كان طالب رفد والكريم لا يجازي الخشن القول في الطلب بمثله؛ فيكون دالا على أنه قد كان منتظرًا ذلة السائل فيحتج بها في دفعه، فإذا صبر على خشونة السائل كان ذلك كرمًا فوق الكرم.

* ولأنه أيضًا يخلص فيه البذل لله عز وجل، فإنه لو لطف له السائل وتملقه فأعطاه صار العطاء مشوبًا بحظ النفس، ولم يتم الخلوص لله عز وجل كما يتم وإعطاء مثل هذا المسيء أدبه، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)، ولعله تبسم لما رأى من أمارة الإخلاص في العطاء، وإن كان - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل إلا بالإخلاص لكنه قدوة لغيره فيكون سروره كيف وقع في أفعاله ما يكون مقتدى لغيره.

 

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (15/ 125)

المؤلف : شمس الدين البِرْماوي، أبو عبد الله محمد بن عبد الدائم بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي (المتوفى: 831 هـ) :

"وفي الحديث: كمالُ حِلْمِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزهدِه وكرمِه". اهـ

 

منحة الباري بشرح صحيح البخاري (6/ 258) // زكريا الأنصاري :

وفي الحديث: زهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكرمه وحسن خلقه، إنه لعلى خلق عظيم.

 

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (12/ 199)

قال الحافظ: وفي هذا الحديث بيان حلمه صلى الله عليه وسلم وصبره على الأذى في النفس والمال والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن.

 

الترغيب والترهيب للمنذري ت عمارة (3/ 414)

الترغيب في الرفق والأناة والحلم

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (20/ 111_113) للإثيوبي :

"في فوائده :

1 - (منها): بيان جواز إعطاء من سأل بفُحش وغِلظة.

2 - (ومنها): بيان حلمه -صلى الله عليه وسلم-، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألُّفه على الإسلام، وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل، من الصفح، والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن.

قال القرطبيّ رحمهُ اللهُ: يدلّ الحديث على ما وصف الله تعالى به نبيّه -صلى الله عليه وسلم- أنه____على خلق عظيم، وأنه رؤوف رحيم، فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابيّ لا يصبر عليه، ولا يحلُم عنه مع القدرة عليه إلا مثله -صلى الله عليه وسلم-، ثم ضحكه عند هذه الجبذة الشديدة التي انشقّ البرد لها، وتأثّر عنقه بسببها حتى انفلت عن وجهته، ورجع إلى نحر الأعرابيّ دليل على أن الذي تمّ له من مقام الصبر والحلم ما تمّ لأحد، وهذا نظير صبره -صلى الله عليه وسلم-، وحلمه يوم أُحد حيث كُسِرت رَبَاعيته، وشُجّ في وجهه، وهو في هذا الحال يقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، -صلى الله عليه وسلم- وشرّف وكرّم. انتهى...

3 - (ومنها): أن قوله: "غليظ الحاشية" يدلّ على إيثار النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من الدنيا، والتبلّغ منها بما أمكن من اللباس، والمطعم، وغيره، وأنه لم يكن بالذي يترفّه في الدنيا، ولا يتوسّع فيها.

4 - (ومنها): بيان جفاء الأعراب، وغلظة طبيعتهم، فهم كما أخبر الله تعالى بقوله: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ___عَلَى رَسُولِهِ} الآية [التوبة: 97]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ

 

 



[1] قال محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي في "الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم" (12/ 199) :

"قال القرطبي :

"وهذا الحديث يدل على ما وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم أنه على خلق عظيم وأنه رؤوف رحيم فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابي لا يصبر عليه ولا يحلم عنه مع القدرة عليه إلا مثله ثم ضحكه صلى الله عليه وسلم عند هذه الجبذة الشديدة التي انشق البرد لها وتأثر عنقه بسببها حتى انفلت عن وجهته ورجع إلى نحر الأعرابي دليل على أن الذي تم له من مقام الصبر والحلم ما تم لأحد وهذا نظير صبره وحلمه يوم أحد حيث كسرت رباعيته وشج وجهه وصرع على جنبه وهو في هذا الحال يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم اهـ من المفهم." اهـ

Tidak ada komentar:

Posting Komentar