|
مفتاح
دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 52) الْوَجْه
التَّاسِع وَالْعشْرُونَ : أنه
_سُبْحَانَهُ_ لما اخبر مَلَائكَته بِأَنَّهُ يُرِيد أنْ يَجْعَل فِي الارض
خَليفَةً، قَالُوا لَهُ : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي
أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ
عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا
عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: 30 - 32] إلى
آخر قصَّة آدم، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم، فَأبى إبليس، فلعنه،
وَأخرجه من السَّمَاء. وَبَيَان
فضل الْعلم من هَذِه الْقِصَّة من وُجُوه : * أحدها : أنه سُبْحَانَهُ رد على الْمَلَائِكَة
لما سَأَلُوهُ : كَيفَ يَجْعَل فِي الارض من هم أطوع لَهُ مِنْهُ، فَقَالَ : (إِنِّي
أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، فَأجَاب سُؤَالهمْ بِأَنَّهُ يعلم من بواطن الأمور
وحقائقها مَالا يعلمونه، وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم. فَظهر
مَنْ هَذَا الْخَلِيفَة، من خِيَار خلقه وَرُسُله وأنبيائه وصالحي عباده
وَالشُّهَدَاء وَالصديقين وَالْعُلَمَاء وطبقات أهل الْعلم والايمان من هُوَ خير
من الْمَلَائِكَة، وَظهر
مَنْ إبليس، من هُوَ شَرّ الْعَالمين. فَأخْرج سُبْحَانَهُ هَذَا وَهَذَا،
وَالْمَلَائِكَة لم يكن لَهَا عِلْمٌ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا وَلَا بِمَا فِي
خلق آدم وإسكانه الأرضَ من الحكم الباهرة. * الثَّانِي : أنه سُبْحَانَهُ لما أراد إظهارَ
تَفْضِيلِ آدمَ وتمييزِه وفضلِه، مَيَّزَهُ عَلَيْهِم بِالْعلمِ، فَعَلَّمَهُ الأسماءَ
كُلَّهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة، فَقَالَ : (أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ
إِن كُنْتُم صَادِقين)، جَاءَ
فِي التَّفْسِير : أَنَّهُمْ قَالُوا لن يخلق رَبنَا خلقا هُوَ أَكْرَمُ
عَلَيْهِ مِنَّا فظنوا أنهم خير وأفضل من الْخَلِيفَة الَّذِي يَجعله الله فِي
الأرض. فَلَمَّا
امتحنهم بِعلمِ مَا علَّمه لهَذَا الْخَلِيفَةِ، أقَرُّوْا بِالْعَجْزِ وَجَهْلِ
مَا لم يعلموه، فَقَالُوا : (سُبْحَانَكَ لاعلم لنا إِلَّا مَا علمتنا إنك أنْتَ
الْعَلِيم الْحَكِيم) فَحِينَئِذٍ
أظهَرَ لَهُم فضل آدم بِمَا خصّه بِهِ من الْعلم، فَقَالَ : (يَا آدم أنبئهم
باسمائهم، فَلَمَّا انبأهم بِأَسْمَائِهِمْ)، أقرُّوا لَهُ بِالْفَضْلِ * الثَّالِث : أنه _سُبْحَانَهُ_ لما أن عرَّفهم
فضْلَ آدمَ بِالْعلمِ وعَجْزَهم عَن معرفَة مَا علَّمه، قَالَ لَهُم : (ألم أقل
لكم إني أعْلَم غيب السَّمَوَات والارض وَأعْلَم مَا تبدون وَمَا كُنْتُم تكتمون)
فعرَّفهم سُبْحَانَهُ نَفسه بِالْعلمِ وأنه أحاط علما بظاهرهم وَبَاطِنهمْ وبغيب
السَّمَوَات والأرض، فتعرف
إليهم بِصفة الْعلم، وعرَّفهم فضلَ نبيِّه وكليمه بِالْعلمِ وعجزهم عَمَّا
آتَاهُ آدم من الْعلم. وَكفى
بِهَذَا شرفا للْعلم : * الرَّابِع : أنه سُبْحَانَهُ جعل فِي آدم____ من صِفَات الْكَمَال مَا كَانَ بِهِ أفْضلَ من
غَيره من الْمَخْلُوقَات، وَأَرَادَ
سُبْحَانَهُ أن يظْهر لملائكته فَضله وشرفه فأظهر لَهُم أحسن مَا فِيهِ وَهُوَ
علمه، فَدلَّ على أن الْعلم أشرف مَا فِي الانسان وأن فَضله وشرفه إِنَّمَا هُوَ
بِالْعلمِ، وَنَظِير
هَذَا مَا فعله بِنَبِيِّهِ يُوسُف _عَلَيْهِ السَّلَام_ لما أَرَادَ إظهار
فَضله وشرفه على أهل زَمَانه كلهم، أظهر للْملك وأهل مصر مِنْ عِلْمِهِ
بِتَأْوِيل رُؤْيَاهُ مَا عجز عَنهُ عُلَمَاء التَّعْبِير، فَحِينَئِذٍ
قدَّمه ومكَّنه وَسلَّم إليه خَزَائِن الأرض، وَكَانَ قبل ذَلِك قد حَبسه على
مَا رَآهُ من حسن وَجهه وجمال صورته. وَلما
ظهر لَهُ حسن صُورَة علمه وجمال مَعْرفَته، أطلقه من الْحَبْس، ومكنه فِي الأرض.
فَدلَّ على أن صُورَة الْعلم عِنْد بني آدم أبهى وأحسن من الصُّورَة الحسية،
وَلَو كَانَت أجمل صُورَة. وَهَذَا
وَجه مُسْتَقل فِي تَفْضِيل الْعلم مُضَاف الى مَا تقدم فتم بِهِ ثَلَاثُونَ
وَجها " اهـ |

