Kamis, 04 November 2021

الوجه الثاني والعشرون إلى الرابع والعشرين من كتاب مفتاح دار السعادة

 


 

وقال الحافظ ابن قيم الجوزية _رحمه الله في كتابه "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة" (1/ 51) :

"الْوَجْه الثَّانِي وَالْعشْرُونَ :

أنه _سُبْحَانَهُ_ أخبر عَن امثاله الَّتِي يضْربهَا لِعِبَادِهِ، يدلُّهُمْ على صِحَة مَا أخبر بِهِ : أن اهل الْعلم هم المنتفعون بهَا المختصون بعلمها،

 

فَقَالَ تَعَالَى :

{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت: 43، 44]،

 

وَفِي الْقُرْآن بضعَة واربعون مثلا وَكَانَ بعض السّلف إِذا مر بِمثل لَا يفهمهُ يبكي وَيَقُول لست من الْعَالمين." اهـ

 

قال الله _تعالى_ :

{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت: 41 - 44]

 

وفي تفسير القرطبي (13/ 346) :

"(إِلَّا الْعَالِمُونَ) أَيِ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ، كَمَا رَوَى جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :" الْعَالِمُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بطاعته واجتنب سخطه".

 

وقال المفسر ابن عاشور المالكي _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (20/ 255) :

"بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ فَسَادَ مُعْتَقَدِهِمْ فِي الْأَصْنَامِ، وَأَعْقَبَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلَى جَهْلِهِمْ بِذَلِكَ، نَعَى عَلَيْهِمْ هُنَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِتَفَهُّمِ تِلْكَ الدَّلَائِلِ الَّتِي قُرِّبَتْ إِلَيْهِمْ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، فَاسْمُ الْإِشَارَةِ يُبَيِّنُهُ الِاسْمُ الْمُبْدَلُ مِنْهُ وَهُوَ الْأَمْثالُ." اهـ

 

وقال السعدي _رحمه الله_ في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 631) :

"فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه،

وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم.

فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل.

فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم، حالهم وحال من اتخذوهم، لم يتخذوهم، ولتبرأوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه، كفاه مؤنة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله." اهـ

 

تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 631)

وهذا مدحٌ للأمثال التي يضربها، وحثٌّ على تدبرها وتعقلها، ومدحٌ لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين.

والسبب في ذلك : أن الأمثال التي يضربها الله في القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء الله بها، وحثه عبادَه على تعقلها وتدبرِها، فيبذلون جهدَهم في معرفتها.

وأما من لم يعقلها، مع أهميتها، فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم، لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة، فعدم معرفته غيرَها من باب أولى وأحرى. ولهذا، أكثرُ ما يضرب الله الأمثال في أصول الدين ونحوها." اهـ

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (17/ 429) :

"فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَالِمِينَ يَعْقِلُونَهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَعْقِلُهَا.

وَالْأَمْثَالُ : هِيَ الْمُتَشَابِهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ، وَهِيَ إلَى الْمُتَشَابِهِ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهَا لِمَا بَيْنَ الْمُمَثِّلِ وَالْمُمَثَّلِ بِهِ مِنْ التَّشَابُهِ،

وَعَقْلُ مَعْنَاهَا : هُوَ مَعْرِفَةُ تَأْوِيلِهَا الَّذِي يَعْرِفُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَ غَيْرِهِمْ،

وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [سبأ : 6]

فَلَوْلَا أَنَّهُمْ عَرَفُوا مَعْنَى مَا أُنْزِلَ كَيْفَ عَرَفُوا أَنَّهُ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ، وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى كَلَامٍ لَمْ يُتَصَوَّرْ مَعْنَاهُ : أَنَّهُ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ،

وَقَالَ تَعَالَى : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد: 24]

وَقَالَ : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]

وَقَالَ تَعَالَى : {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِين} [المؤمنون: 68]

 

============================

 

وقال ابن القيم _رحمه الله_ في "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة" (1/ 51) :

"الثَّالِث وَالْعشْرُونَ :

أنه سُبْحَانَهُ ذكر مناظرةَ إِبْرَاهِيم لابيه وَقَومِه وغلبته لَهُم بِالْحجَّةِ، وَأخْبر عَن تفضيله بذلك وَرَفعه دَرَجَته بِعلم الْحجَّة،

فَقَالَ تَعَالَى عقيب مناظرته لابيه وَقَومه فِي سُورَة الانعام :

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)} [الأنعام: 83]،

قَالَ زيد بن أسلم _رضى الله عَنهُ_ : "نرفع دَرَجَات من نشَاء بِعلم الْحجَّة." اهـ

 

وقال ابن الجوزي في "زاد المسير في علم التفسير" (2/ 50) :

"قوله تعالى : (وَتِلْكَ حُجَّتُنا)،

يعني ما جرى بينه وبين قومه : من الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر والشمس، وعيبهم، إذ سَوَّوْا بين الصغيرِ والكبيرِ، وعَبَدُوْا مَنْ لاَ يَنْطِقُ، وإلزامه إياهم الحجة.

(آتَيْناها إِبْراهِيمَ) : أرشدناه إليها بالإلهام.

وقال مجاهد : الحجة قول ابراهيم: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؟" اهـ

 

قال مقيده (أبو فائزة البوجيسي) _هداه الله إلى الحق_ :

قال الله _عز وجل_ :{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)} الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)} [الأنعام : 80_83]

 

قال أبو جعفر الطبري في جامع البيان ت شاكر (11/ 504)

"يعني تعالى ذكره بقوله : "وتلك حجتنا"، قولَ إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين : ((أيُّ الفريقين أحق بالأمن))،

أمن يعبد ربًّا واحدًا مخلصًا له الدين والعبادة، أم من يعبد أربابًا كثيرة؟

وإجابتهم إياه بقولهم:"بل من يعبد ربًّا واحدًا أحق بالأمن"،

وقضاؤهم له على أنفسهم، فكان في ذلك قطع عذرهم وانقطاع حجتهم، واستعلاء حجة إبراهيم عليهم فهي الحجة." اهـ

 

قال مقيده (أبو فائزة البوجيسي) _هداه الله إلى الحق_ :

{قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)} [الأنبياء: 59 - 67]

 

=========================

 

الْوَجْه الرَّابِع وَالْعشْرُونَ :

أنه سُبْحَانَهُ أخبر أنه خلق الْخلق، وَوَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، والشهرَ الْحَرَامَ، وَالْهَدْيَ، والقلائدَ، ليعلم عباده أَنه بِكُل شَيْء عليم، وعَلى كل شَيْء قدير.

فَقَالَ _تَعَالَى الله_ :

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق: 12]

فَدلَّ على أن عِلْمَ الْعبادِ بِرَبِّهِمْ وَصِفَاتِه وعبادتِه وَحده : هُوَ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة من الْخلق والامر." اهـ

 

وقال عبد الرؤوف المناوي في "فيض القدير" (2/ 144) :

"وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم، سِيَّمَا علمُ معرفةِ اللهِ،

والعلم أشرف الجوهرين وأفضلهما. فمن أوتي العلم، فهو الغني بالحقيقة، وإن كان فقيرا من المال. ومن حُرِمَ العلمَ، سِيَّمَا عِلْمُ المعرفةِ والتوحيد، فهو الفقير بالحقيقة، وإن كان غنيا بالمال." اهـ

 

مجموع الفتاوى (6/ 126)

وَ " الْقَدَرِيَّةُ " لَا يَجْعَلُونَهُ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَلَا قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَ " الْمُتَفَلْسِفَةُ " الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ عِلَّةٌ غائية شَرٌّ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَجْعَلُونَهُ خَالِقًا لِشَيْءِ مِنْ حَوَادِثِ الْعَالَمِ - لَا لِحَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْمُتَحَرِّكَاتِ وَلَا خَالِقًا لِمَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلَا قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا عَالِمًا بِتَفَاصِيلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} وَهَؤُلَاءِ يَنْظُرُونَ فِي الْعَالَمِ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

 

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (1/ 429)

فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ ; لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ قُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ، وَمَعَ هَذَا فَفِي خَلْقِ ذَلِكَ لَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ أُمُورٌ أُخْرَى غَيْرَ عِلْمِ الْعِبَادِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 97] .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَعْلِ الْكَعْبَةِ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ حِكَمًا وَمَنَافِعَ أُخْرَى." اهـ

 

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء (ص: 128)

فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْقَصْدَ بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ: أَنْ يُعْرَفَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَيُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا يُشْرَكَ بِهِ، وَأَنْ يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الْحَدِيدِ: 25] .

فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْلُ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْقِسْطِ التَّوْحِيدُ، وَهُوَ رَأْسُ الْعَدْلِ وَقِوَامُهُ، وَإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَالشِّرْكُ أَظْلَمُ الظُّلْمِ، وَالتَّوْحِيدُ أَعْدَلُ الْعَدْلِ، فَمَا كَانَ أَشَدَّ مُنَافَاةً لِهَذَا الْمَقْصُودِ فَهُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَتَفَاوُتُهَا فِي دَرَجَاتِهَا بِحَسَبِ مُنَافَاتِهَا لَهُ، وَمَا كَانَ أَشَدَّ مُوَافَقَةً لِهَذَا الْمَقْصُودِ فَهُوَ أَوْجَبُ الْوَاجِبَاتِ وَأَفْرَضُ الطَّاعَاتِ.

فَتَأَمَّلْ هَذَا الْأَصْلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَاعْتَبِرْ تَفَاصِيلَهُ تَعْرِفْ بِهِ حِكْمَةَ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَأَعْلَمِ الْعَالِمِينَ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وَتَفَاوُتَ مَرَاتِبِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي." اهـ

 

الفوائد لابن القيم (ص: 129)

فَثَبت بِمَا ذكر أَن غَايَة الْخلق وَالْأَمر : أَن يُذْكَرَ، وَأَن يُشْكَرَ.

يُذْكَرُ، فَلَا ينسى. ويُشْكَرُ، فَلَا يكفر،

وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَاكرٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ، شَاكِرٌ لِمَنْ شكره، فَذكره سَبَبٌ لذكره، وشكره سَبَبٌ لزيادته من فَضله. فالذكر للقلب وَاللِّسَان، وَالشُّكْر للقلب محبَّة وإنابة، وللسان ثناء وَحمد، وللجوارح طَاعَة وخدمة." اهـ

 

بدائع الفوائد (4/ 164) :

"فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه،

وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده، وقال تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]،

فهذه الغاية هي المرادة من العباد وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده وأما الغاية المرادة بهم فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب،

قال تعالى : {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم: 31]،

قال تعالى : {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } [طه: 15]،

وقال تعالى : {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 39]،

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)} [يونس: 3_4]

فتأمل الآن كيف اشتمل خلقُ السمواتِ والأرضِ وما بينهما : على الحق أولا اوآخرا ووسطا وأنها خلقت بالحق وللحق وشاهدة بالحق." اهـ

Tidak ada komentar:

Posting Komentar