Senin, 20 Desember 2021

الحديث الحادي والخمسون : ذمّ الحرص على الْإِمَارَةِ

 

الحديث الحادي والخمسون : ذمّ الحرص على الْإِمَارَةِ.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :

«يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ[1]،

فَإِنَّكَ إِنْ أوتيتها عن مسألة وكِّلت إليها[2]، وإن أوتيتها عن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهِا. وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فائْتِ الَّذِي هو خير، وكفِّر عن عن يمينك» متفق عليه

 

{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]

 

صحابي الحديث :

 

عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، و قيل ابن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس، القرشى : أبو سعيد العَبْشَميُّ[3] : المتوفى سنة 50 هـ بالبصرة، روى له :  خ م د ت س ق

 

وفي اللباب في تهذيب الأنساب (2/ 315_316) :

"العَبْشَمِيُّ (بِفَتْح الْعين، وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفتح الشين الْمُعْجَمَة، وَفِي___آخِره مِيمٌ) : هَذِه النِّسْبَة إِلَى عبد شمس بن عبد منَاف." اهـ

 

وهو عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، والتقى نسبه مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ في جده عبد مناف بن قصي، وهو أخو هاشم.

 

ويقال : كان اسمه عبد كَلَالٍ، و يقال : عبد كلوب، و يقال : عبد الكعبة ، فلما أسلم سماه النبى صلى الله عليه وسلم : عبد الرحمن . وهو من الطلقاء، أسلم يوم الفتح،

 

سكن البصرة ، و غزا خراسان فى زمن عثمان ، وهو الذى افتتح سجستان وكابل، وغيرهما ، وشهد غزوة مؤتة ، وكانت له بدمشق دارٌ ، ومات بالبصرة ، و يقال : بمرو.

 

تخريج الحديث :

 

أخرجه (المصنف) هنا [3/ 4273 و 4274] (1652) و"الإمارة" [4707 و 4708]، و (البخاريّ) في "الأيمان والنذور" (6622) و"كفّارات الأيمان" (6722)، و"الأحكام" (7146 و 7147)، و (أبو داود) في "الأيمان والنذور" (3277 و 3278)، و (الترمذيّ) في "النذور والأيمان" (1529)، و (النسائيّ) في "الأيمان والنذور" (7/ 10 و 11 و 12) و"آداب القضاء" (8/ 225) و"الكبرى" (3/ 463 و 464 و 5/ 226)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (11/ 320)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (1351)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (2/ 375 و 6/ 419)، و (أحمد) في "مسنده" (5/ 61 و 62 و 63)، و (الدارميّ) في "سننه" (2/ 186)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (929 و 998)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (4348)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (3/ 85)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (4/ 35 و 36 و 37 و 38 و 376 و 377 و 378)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (1/ 9 و 185 و 2/ 80 و 84 و 141)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (10/ 31 و 50 و 52 و 100) و"المعرفة" (7/ 0 31 و 319) و"الصغرى" (8/ 474)، والله تعالى أعلم.

 

قال المؤلف _رحمه الله_ في "بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار"، ط. الوزارة (ص: 113) :

هذا الحديث احتوى على جملتين عظيمتين:

إحداهما: أن الإمارة وغيرها من الولايات على الخلق، لا ينبغي للعبد أن يسألها، ويتعرض لها. بل يسأل الله العافية والسلامة، فإنه لا يدري، هل تكون الولاية خيرا له أو شرا؟ ولا يدري، هل يستطيع القيام بها، أم لا؟

 

فإذا سألها وحرص عليها، وكل إلى نفسه. ومتى وكل العبد إلى نفسه، لم يوفق، ولم يسدد في أموره، ولم يعن عليها، لأن سؤالها ينبئ عن محذورين:

* الأول : الحرص على الدنيا والرئاسة، والحرص يحمل على الريبة في التخوض في مال الله، والعلو على عباد الله.

* الثاني : فيه نوع اتكال على النفس، وانقطاع عن الاستعانة بالله. ولهذا قال: «وكلت إليها» .

وأما من لم يحرص عليها ولم يتشوف لها، بل أتته من غير مسألة، ورأى من نفسه عدم قدرته عليها، فإن الله يعينه عليها، ولا يكله إلى نفسه، لأنه لم يتعرض للبلاء،

ومن جاءه البلاء بغير اختياره حمل عنه، ووفق للقيام بوظيفته. وفي هذه الحال يقوى توكله على الله تعالى، ومتى قام العبد بالسبب متوكلا على الله نجح.

 

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «أعنت عليها» دليل على أن الإمارة وغيرها من الولايات الدنيوية جامعة للأمرين: للدين، وللدنيا، فإن المقصود من الولايات كلها: إصلاح دين الناس ودنياهم.____

ولهذا: يتعلق بها الأمر والنهي، والإلزام بالواجبات، والردع عن المحرمات، والإلزام بأداء الحقوق.

وكذلك أمور السياسة والجهاد (فهي لمن أخلص فيها لله، وقام بالواجب) من أفضل العبادات، ولمن لم يكن كذلك من أعظم الأخطار.

ولهذا كانت من فروض الكفايات؛ لتوقف كثير من الواجبات عليها.

 

فإن قيل : كيف طلب يوسف ولاية الخزائن المالية في قوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يوسف: 55]

 

قيل : الجواب عنه قوله تعالى: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]

 

فهو إنما طلبها لهذه المصلحة التي لا يقوم بها غيره: من الحفظ الكامل، والعلم بجميع الجهات المتعلقة بهذه الخزائن : من حسن الاستخراج، وحسن التصريف، وإقامة العدل الكامل.

 

فهو لما رأى الملك استخلصه لنفسه وجعله مقدما عليه، وفي المحل العالي، وجب عليه أيضا النصيحة التامة، للملك والرعية. وهي متعينة في ولايته.

 

ولهذا : لما تولى خزائن الأرض سعى في تقوية الزراعة جدا. فلم يبق موضع في الديار المصرية من أقصاها إلى أقصاها يَصْلُحُ للزراعة إلا زرع في مدة سبع سنين. ثم حصَّنه وحفِظه ذلك الحفظ العجيب.

 

ثم لما جاءت السنون الجدب، واضطر الناس إلى الأرزاق، سعى في الكيل للناس بالعدل، فمنع التجار من شراء الطعام خوف التضييق على المحتاجين، وحصل بذلك من المصالح والمنافع شيء لا يعد ولا يحصى، كما هو معروف.

 

.........................................

 

الجملة الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا منها___فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» .

 

يشمل : من حلف على ترك واجب، أو ترك مسنون؛ فإنه يكفر عن يمينه، ويفعل ذلك الواجب والمسنون الذي حلف على تركه.

ويشمل : من حلف على فعل محرم، أو فعل مكروه، فإنه يؤمر بترك ذلك المحرم والمكروه، ويكفر عن يمينه.

فالأقسام الأربعة داخلة في قوله _صلى الله عليه وسلم_ : «فائت الذي هو خير» لأن فعل المأمور مطلقا، وترك المنهي مطلقا: من الخير.

 

وهذا هو معنى قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 224]

أي : لا تجعلوا اليمين عذرا لكم وعرضة ومانعا لكم من فعل البر والتقوى، والصلح بين الناس إذا حلفتم على ترك هذه الأمور، بل كفروا أيمانكم، وافعلوا البر والتقوى، والصلح بين الناس.

 

ويؤخذ من هذا الحديث: أن حفظ اليمين في غير هذه الأمور أولى، لكن إن كانت اليمين على فعل مأمور، أو ترك منهي، لم يكن له أن يحنث. وإن كانت في المباح، خير بين الأمرين. وحفظها أولى.

 

واعلم أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة على مستقبل إذا حلف وحنث. وهي على التخيير : بين العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

وأما اليمين على الأمور الماضية أو لغو اليمين، كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه، فلا كفارة فيها. والله أعلم.

 

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 116)

الحديث الثاني والخمسون عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

 

{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]

 

من فوائد الحديث :

 

تطريز رياض الصالحين (ص: 434)

في هذا الحديث: النهي عن سؤال الإِمارة وأن من سألها لا يعان عليها وكذلك غيرها من الولايات. وروى ابن المنذر عن أنس رفعه: «من طلب القضاء واستعان عليه بالشغماء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله له ملكًا يسدده»

فيه: استحباب التكفير عن اليمين وفعل الخير قال الله تعالى: {وَلا تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة (224) ] .

 

فتح الباري لابن حجر (13/ 124)

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ :

* أَنَّ طَلَبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ مَكْرُوهٌ فَيَدْخُلُ فِي الْإِمَارَةِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ،

* وَأَنَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ لَا يُعَانُ،

وَيُعَارِضُهُ فِي الظَّاهِرِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ :

"مَنْ طَلَبَ قَضَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ، فَلَهُ الْجَنَّةُ. وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ."[4]

وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُعَانُ بِسَبَبِ طَلَبِهِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ الْعَدْلُ إِذَا وَلِيَ أَوْ يُحْمَلَ الطَّلَبُ هُنَا عَلَى الْقَصْدِ وَهُنَاكَ عَلَى التَّوْلِيَةِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى :

"إِنَّا لَا نُوَلِّي مَنْ حَرَصَ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ فِي مُقَابِلِهِ بِالْإِعَانَةِ. فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَوْنٌ عَلَى عَمَلِهِ لَا يَكُونُ فِيهِ كِفَايَةٌ لِذَلِكَ الْعَمَلِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَابَ سُؤَالُهُ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ : أَنَّ كُلَّ وِلَايَةٍ لَا تَخْلُو مِنَ الْمَشَقَّةِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ اللَّهِ إِعَانَةٌ، تَوَرَّطَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ وَخَسِرَ دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ. فَمَنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلطَّلَبِ أَصْلًا، بَلْ إِذَا كَانَ كَافِيًا وَأُعْطِيهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَقَدْ وَعَدَهُ الصَّادِقُ بِالْإِعَانَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ :

"جَاءَ تَفْسِيرُ الْإِعَانَةِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ مِرْدَاسٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ :

(مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِالشُّفَعَاءِ، وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ. وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أنزل الله عَلَيْهِ ملكا يسدده) أخرجه بن الْمُنْذِرِ.[5]

قُلْتُ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُد وبن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ وَمِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى فَأَسْقَطَ خَيْثَمَةَ." اهـ

 

شرح النووي على مسلم (11/ 116)

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا كَرَاهَةُ سُؤَالِ الْوِلَايَةِ سَوَاءٌ وِلَايَةُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ وَغَيْرِهَا،[6] وَمِنْهَا بَيَانُ أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ لَا يَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَكُونُ فيه كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يُوَلَّى وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُوَلِّي عَمَلَنَا مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَرَصَ عَلَيْهِ."[7]

 

شرح صحيح البخارى لابن بطال (6/ 89)

حض النبى - عليه السلام - أمته على الكفارة إذا كان إتيانها خيرًا من التمادى على اليمين، وأقسم عليه السلام أنه كذلك يفعل هو، ألا ترى أنه حلف ألا يحمل الأشعريين حين لم يكن عنده ما يحملهم عليه، فلما أتى بالإبل حملهم عليها

 

شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/ 217)

قال المهلب: فيه دليل على أنه من تعاطى أمرًا وسولت له نفسه أنه قائم بذلك الأمر أنه يخذل فيه فى أغلب الأحوال؛ لأنه من سأل الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلا لها،

 

شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/ 217)

وإن من دعى إلى عمل أو إمامة فى الدين فقصر نفسه عن تلك المنزلة وهاب أمر الله؛ رزقه الله المعونة، وهذا إنما هو مبنى على أنه من تواضع لله رفعه

 

كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 489)

أما نَهْيه عَن سُؤال الْإِمَارَة، فَإِن الْإِمَارَة أَمَانَة، والإمارة بلَاء، فَنَهَاهُ عَن سُؤال الْبلَاء.

وَقَوله: " وكلت إِلَيْهَا " أَي أسلمت إِلَيْهَا فضعفت عَنْهَا وَظهر عجزك.

وَقد أَفَادَ هَذَا الحَدِيث تَعْلِيم التَّسْلِيم إِلَى اخْتِيَار الله عز وَجل؛ فَإِنَّهُ من رَضِي بِالْقضَاءِ أعين على الْمقْضِي، وَمن مَال إِلَى اخْتِيَار نَفسه وكل إِلَى تَدْبيره كَمَا قَالَ فِي حق هَاجر: " لَو تركت زَمْزَم لكَانَتْ عينا معينا ".

 

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 253_354) لابن دقيق العيد :

"لَمَّا كَانَ خَطَرُ الْوِلَايَةِ عَظِيمًا، بِسَبَبِ أُمُورٍ فِي الْوَالِي، وَبِسَبَبِ أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْهُ كَانَ طَلَبُهَا تَكَلُّفًا، وَدُخُولًا فِي غَرَرٍ عَظِيمٍ، فَهُوَ جَدِيرٌ___بِعَدَمِ الْعَوْنِ، وَلَمَّا كَانَتْ إذَا أَتَتْ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا هَذَا التَّكَلُّفُ كَانَتْ جَدِيرَةً بِالْعَوْنِ عَلَى أَعْبَائِهَا وَأَثْقَالِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَبْدِ بِالْإِعَانَةِ عَلَى إصَابَةِ الصَّوَابِ فِي فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ، تَفَضُّلًا زَائِدًا عَلَى مُجَرَّدِ التَّكْلِيفِ وَالْهِدَايَةِ إلَى النَّجْدَيْنِ، هِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ، كَثُرَ فِيهَا الْكَلَامُ فِي فَنِّهَا، وَاَلَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ الْآن."

 

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 254)

يَقْتَضِي الْحَدِيثُ تَأْخِيرَ مَصْلَحَةِ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الْيَمِينِ إذَا كَانَ غَيْرُهُ خَيْرًا، بِنَصِّهِ. وَأَمَّا مَفْهُومُهُ: فَقَدْ يُشِيرُ بِأَنَّ الْوَفَاءَ بِمُقْتَضَى الْيَمِينِ عِنْدَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْخَيْرِ فِي غَيْرِهَا مَطْلُوبٌ، وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: () {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا} [البقرة: 224] وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَيَكُونُ مَعْنَى " عُرْضَةً " أَيْ مَانِعًا، وَ " أَنْ تَبَرُّوا " بِتَقْدِيرِ: مَا أَنْ تَبَرُّوا.

 

المدخل لابن الحاج (2/ 156_158)

فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى الْغَالِبِ___مِنْ أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ فِي تَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا، بَلْ يَبْذُلُ بَعْضُنَا الْمَالَ فِي تَحْصِيلِهَا فَأَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَ هَذَا الْحَالِ، وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ» ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ. . .» الْحَدِيثَ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ بِهِ قُبْحُ تَعَاطِيهِمْ لِذَلِكَ.

فَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَذْلُ فِي ذَلِكَ لِمَا يَرَاهُ مِنْ أَنَّ فِيهِ أَهْلِيَّةً لِلْمَنْصِبِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ - أَنَّ فِي هَذَا تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ.

الثَّانِي - أَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْأَحْكَامِ فِيهِ إشْغَالُ الذِّمَّةِ بِأَمْرٍ لَا يُعْلَمُ هَلْ يُتَخَلَّصُ مِنْهُ أَمْ لَا؟

وَخَلَاصُ الذِّمَّةِ مُتَعَيِّنٌ،

فَإِنْ اُحْتُجَّ بِمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَ {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]

فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُمْ،

أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ طَلَبَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ،[8]

وَذَلِكَ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ نَبِيٌّ مَلِكٌ،

فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ خَافَ عَلَى غَيْرِهِ إنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ يَهْلَكُ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ أَمِنَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ عِصْمَتِهِ، هَذَا وَجْهٌ.

الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقَعُ بِالنَّاسِ شِدَّةٌ وَغَلَاءٌ خَافَ عَلَيْهِمْ إنْ تَوَلَّى غَيْرُهُ ذَلِكَ أَنْ يَهْلَكُوا هَلَاكَ اسْتِئْصَالٍ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، فَطَلَبَ مَا طَلَبَ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَشِيَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَصِّرُوا فِي حَقِّهِ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ إذْ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34] ،

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْوِلَايَةِ.

وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَعْدِلُ___بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، وَالسَّلَامَةُ غَالِبًا إنَّمَا تُتَوَقَّعُ فِي تَرْكِ الْوِلَايَاتِ، فَكَيْفَ تُبْذَلُ فِيهَا الْأَمْوَالُ لَا جَرَمَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى بَذْلِ الْأَمْوَالِ صَارَ يَطْلُبُهَا مَنْ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لَهَا، وَلَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ فَضَاعَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ طَلَبِهَا، وَدُخُولِ الْأَمْوَالِ فِيهَا، وَصَارَتْ التَّوْلِيَةُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَإِذَا فُهِمَ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ الْهَرَبُ مِنْ الْوِلَايَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، وَهُوَ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ، وَأَخْلَصُ مِنْ التَّبَعَاتِ عَاجِلًا وَآجِلًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا التَّفْرِقَةُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ

 

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1501)

وفي هذا الحديث أحكام:

منها: أن من تعاطى أمرًا، وسولت له نفسه أنه أهل له، قائم به: أنه يغلب فيه في أغلب الأحوال؛ لأن من سال الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلًا لها (3)، فيوكل إليها؛ حيث إنه تعاطاها، والمتعاطي أبدًا مخذول، بخلاف من لم يحدث نفسه بشيء من ذلك؛ فإنه لم يسأله لرؤيته نفسه بالعجز والتقصير عنه؛ حيث إنه تواضع، واعترف بوصفه، وهو النقصان أبدًا، ومن تواضع لله، رفعه الله.

ومنها: كراهة طلب الولاية مطلقًا، وقد ثبتت أحاديث في المنع، منها قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "لا تأمرنَّ على اثنين" (4)، ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولايةُ حَسْرَةٌ ونَدامة" (5)، ومنها: حديث الكتاب: "لا تسألِ الإمارةَ".

وقد تصرف الفقهاء في هذه المسألة بالقواعد الكلية، والذي تقتضيه الأدلة من الأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة -رضي الله عنهم-: أنه من تعين عليه أمر من الأمور، وعلم من نفسه القيام به على ما يقدر عليه من الاستطاعة فيه، أو___كان يرتزق به، أو علم تضييع القائم بها حقوقها، أو حصولها في غير مستوجبها، ونيته إقامة الحق فيها، جاز له الدخول فيها، ووجب عليه قبولها إذا عُرضت عليه، وطلبها إن لم تُعرض؛ لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلا به، فتعين عليه القيام به. وكذا إن لم يتعين عليه، وكان أفضل من غيره.[9]

 

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1503_1504)

ومنها: لطف الله -عَزَّ وَجَلَّ- بالعبد فيما قضاه وقدره وأوجبه عليه بالإعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله: لطفا وتفضلًا زائدًا على مجرد التكليف والهداية، وتحديد ذلك له.

فإنَّه لما كان خطر الولايات عظيمًا بسبب أمور خارجة عنه، كان طلبها تكلفًا ودخولًا في غرر عظيم، فهو جدير بعدم العون.

ولما كانت إذا أتت عن غير مسألة، ولم يكن فيها تكلف، كانت جديرة بالعون على أعبائها وأثقالها، دل ذلك جميعه على لطف الله تعالى بالعبد وفضله عليه في كل أمره، والله أعلم.

فهذا ما يتعلق به الحديث من ذلك، وهذا الكلام داخل في علم الأصول، ويكفي ما أشرنا إليه فيه.

واعلم أن من نظر إلى ما تعلق به من أوامر الشرع ونواهيه في الولاية وغيرها، وعلم أنَّه مسؤول عن الفتيل، والكثير والقليل، وأنه يؤتى يوم القيامة بمثقال حبَّة من خردل، علم أن ترك الولاية وقطع العلائق أولى به، واقتصر على ما لا بد منه ضرورة.___

ودخول السادات من الصدر الأول في الولايات إنما كان دينًا محضًا، لا يشوبه شيء من الحظوظ.

ولهذا كان الولاة منهم أفضلهم وأقواهم دينًا لذلك، ومع هذا كان خوفهم شديدًا، حتَّى نقل عن عمر -رَضِيَ الله عَنْهُ-: أنَّه قال: "ليتَ أمَّ عمرَ لم تلدْه."[10]

وأقوال السلف في ذلك كثيرة؛

 

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1504)

ومنها: أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، من فعل أو ترك؛ بأن كان التمادي على اليمين مرجوحًا في نظر الشرع، والحنث خير منه: أنَّه يستحب له الحنث، وتجب الكفارة، وقد يكون الحنث واجبًا، وهذا متفق عليه.

وأجمعوا على أنَّه لا تجب عليه كفارة قبل الحنث، وعلى أنَّه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنَّه لا يجوز تقديمها قبل اليمين.

 

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1505)

ومنها: أنَّه إذا لم يرى الحنث خيرًا، اقتضى تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى اليمين؛ فإن الحديث علق الحنث على رؤية غيرها خيرًا منها، وذلك مطلوب.

والآية الكريمة في قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا} [البقرة: 224] تأبى التأخير عن مصلحة الوفاء، وقد حملها بعضهم على ما دل عليه الحديث، فقال: {عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}؛ أي: مانعًا، و {أَنْ تَبَرُّوا} بتقدير: من {أَنْ تَبَرُّوا}.

ومنها: بيان كرم الله تعالى على عبادة في عدم الوقوف عند الأيمان، وبأنه يحنث فيها؛ لئلا يؤدي ذلك إلى المنع من الخير وترك البر، والله أعلم.

 

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2566_2567)

ولا شك____أنها أمر شاق لا يقوم بها أحد بنفسه من غير معاونة من الله إلا أوقع نفسه في ورطة، خسر فيها دنياه وعقباه، وإذا كان كذلك لا يسألها اللبيب الحازم.

 

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 124)

هذا الحديث احتوى على جملتين عظيمتين:

إحداهما: أن الإمارة وغيرها من الولايات على الخلق، لا ينبغي للعبد أن يسألها، ويتعرض لها. بل يسأل الله العافية والسلامة، فإنه لا يدري، هل تكون الولاية خيراً له أو شراً؟ ولا يدري، هل يستطيع القيام بها، أم لا؟

فإذا سألها وحرص عليها، وُكِّلَ إلى نفسه. ومتى وُكِّلَ العبد إلى نفسه لم يوفق، ولم يسدد في أموره، ولم يُعَن عليها؛ لأن سؤالها ينبئ عن محذورين:

الأول: الحرص على الدنيا والرئاسة، والحرص يحمل على الريبة في التخوض في مال الله، والعلو على عباد الله.

الثاني: فيه نوع اتكال على النفس، وانقطاع عن الاستعانة بالله. ولهذا قال: "وكلت إليها".

وأما من لم يحرص عليها ولم يتشوف لها، بل أتته من غير مسألة ورأى من نفسه عدم قدرته عليها، فإن الله يعينه عليها، ولا يكله إلى نفسه؛ لأنه لم يتعرض للبلاء، ومن جاءه البلاء بغير اختياره حمل عنه، ووفق للقيام بوظيفته. وفي هذه الحال يقوى توكله على الله تعالى، ومتى قام العبد بالسبب متوكلاً على الله نجح.

وفي قوله صلّى الله عليه وسلم: "أُعِنت عليها" دليل على أن الإمارة وغيرها من الولايات الدنيوية جامعة____

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 125)

للأمرين، للدين، والدنيا؛ فإن المقصود من الولايات كلها: إصلاح دين الناس ودنياهم.

ولهذا: يتعلق بها الأمر والنهي، والإلزام بالواجبات، والردع عن المحرمات، والإلزام بأداء الحقوق. وكذلك أمور السياسة والجهاد، فهي لمن أخلص فيها لله وقام بالواجب من أفضل العبادات، ولمن لم يكن كذلك من أعظم الأخطار.

ولهذا كانت من فروض الكفايات؛ لتوقف كثير من الواجبات عليها.

فإن قيل: كيف طلب يوسف صلّى الله عليه وسلم وِلايةَ الخزائن المالية في قوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ} [يوسف:55] , قيل: الجواب عنه قوله تعالى: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] , فهو إنما طلبها لهذه المصلحة التي لا يقوم بها غيره: من الحفظ الكامل، والعلم بجميع الجهات المتعلقة بهذه الخزائن. من حسن الاستخراج، وحسن التصريف، وإقامة العدل الكامل. فهو لما رأى الملك استخلصه لنفسه وجعله مقدماً عليه، وفي المحل العالي وجب عليه أيضاً النصيحة التامة، للملك والرعية. وهي متعينة في ولايته.

ولهذا: لما تولى خزائن الأرض سعى في تقوية الزراعة جداً. فلم يبق موضع في الديار المصرية من أقصاها إلى أقصاها يصلح للزراعة إلا زرع في مدة سبع سنين. ثم حصنه وحفظه ذلك الحفظ العجيب. ثم لما جاءت السنون الجدب، واضطر الناس إلى الأرزاق سعى في الكيل للناس بالعدل، فمنع التجار من شراء الطعام خوف التضييق على المحتاجين، وحصل بذلك من المصالح والمنافع شيء لا يعد ولا يحصى، كما هو معروف.

الجملة الثانية: قوله صلّى الله عليه وسلم: "وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك".

يشمل من حلف على ترك واجب، أو ترك مسنون؛ فإنه يكفر عن يمينه، ويفعل ذلك الواجب والمسنون الذي حلف على تركه. ويشمل من حلف على فعل محرم، أو فعل مكروه فإنه يؤمر بترك ذلك المحرم والمكروه، ويكفر عن يمينه.

 

فالأقسام الأربعة داخلة في قوله صلّى الله عليه وسلم: "فائت الذي هو خير" لأن فعل المأمور مطلقاً، وترك المنهي مطلقاً: من الخير.

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 126)

وهذا هو معنى قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة:224] , أي: لا تجعلوا اليمين عذراً لكم وعرضة ومانعاً لكم من فعل البر والتقوى، والصلح بين الناس إذا حلفتم على ترك هذه الأمور، بل كفروا أيمانكم، وافعلوا البر والتقوى، والصلح بين الناس.

ويؤخذ من هذا الحديث: أن حفظ اليمين في غير هذه الأمور أولى، لكن إن كانت اليمين على فعل مأمور، أو ترك منهي، لم يكن له أن يحنث. وإن كانت في المباح، خيّر بين الأمرين. وحفظها أولى.

واعلم أن الكفَّارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة على مستقبل إذا حلف وحنث. وهي على التخيير بين العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

وأما اليمين على الأمور الماضية أو لغو اليمين، كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه: فلا كفارة فيها. والله أعلم.

 

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 683)

ما يستفاد من الحديثين

1- كراهة طلب الإمارة، والمراد بها، الولايات والوظائف كلها، والحرص عليها لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو "من ابتغى القضاء وسأله وكل إلى نفسه، ومن كره عليه أنزل الله ملكاً يسدده" ولما في ذلك من تعريض نفسه لعمل قد لا يقوم بحقوقه فيكون مُعَرِّضاً نفسه للخطر، ولما في ذلك- غالباً- من العجب والغرور، فإنه ما طلبه إلا معتدا بنفسه وقوته، وناسيا إعانة الله تعالى وتوفيقه، ولما فيه غالبا من سوء القصد، فإنه لن يطلبها مع وجود من يقدم بها غيره إلا لغرض مال، أو جاهٍ أو غير ذلك من المقاصد الدنيئة.

2- أن من جاءته الولاية بلا طلب ولا استشراف، فَسَيُعَانُ عليها، لأنه يرى القصور بنفسه، ويخاف العجز عنها، وحينئذ سيلتجئ إلى الله تعالى، فتأتيه الألطاف الإلهية بالعون والتسديد.، وسيحرص على عمله ويخلص فيه، فيكون سبباً لنجاحه وقيامه به.

3- مناسبة هذه الفقرة في الحديث لما بعدها، ولعلها تكون ما بينه الزركشى بقوله [لاحتمال أن يؤديه الامتناع عن الإمارة] إلى الحلف، وتكون المصلحة في القبول] .

4- أن من حلف أن لا يفعل كذا، أو أن يفعله، ثم رأى الخير في غير الذي حلف عليه، إما الفعل وإما الترك، فَليَأتِ الذي هو خير، ولْيكَفِّر عن يمينه. ويختلف هذا، باختلاف المحلوف عليه.

فقد يكون الحنث واجباً، وقد يكون مستحبا، وقد يكون حراماً، وقد يكون مباحاً. فيخَير بين البقاء على يمينه، أو الحنث مع التكفير.

5- عند جمهور العلماء أن الكفارة رخصة شرعها الله تعالى لحل ما عقدت اليمين، ولذلك تجزئ قبل الحنث وبعده، وذكر عياض أن الذين قالوا بتقديم التكفير من الصحابة أربعة عشر صحابيا، كما قال به قبل الحنث ربيعه والأوزاعي والليث ومالك وأحمد وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي.

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 684)

6- أن هذا التشريع، كما هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فهو- أيضا- فعله. فقد أخبر أنه لا يحلف على يمين فيرى غيرها خيرا منها إلا أتى الذي هو خير، وكفر عن يمينه.

وهذا هو عين المصلحة، وهو تخفيف من ربنا ورحمة.

وكانت الأمم السابقة، ليس عندهم تحليل وتكفير، فلا بد من الوفاء بأيمانهم.

ولذا فإن أيوب عليه السلام، لما حلف أن يضرب زوجته، وترك عزمه. لم يجد لقضاء يمينه إلا أن يضربها بِضِغْثِ (1) فيه عدد الجلدات المرادة.

 

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (39/ 236)

فِي فوائده:

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن مسألة الإمارة.

(ومنها): أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، فيدخل فِي الامارة القضاء، والحسبة، ونحو ذلك، وأن منْ حَرَص عَلَى ذلك لا يعان. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر قوله: "لا تسأل الإمارة" التحريم، وعلى هَذَا يدلّ قوله: "إنا والله لا نولّي عَلَى هَذَا العمل أحداً يسأله, أو حرص عليه"، وسببه أن سؤالها، والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها، وصُعوبة التخلّص منها دليلٌ عَلَى أنه يطلبها لنفسه، ولأغراضه، ومن كَانَ هكذا أوشك أن تغلب عليه نفسه، فيهلك، وهذا معنى قوله: "وُكل إليها"، ومن أباها؛ لعلمه بآفاتها, ولخوفه منْ التقصير فِي حقوقها، وفرّ منها، ثم ابتلي بها، فيُرجَى له ألا تغلب عليه نفسه؛ للخوف الغالب عليه، فيتخلّص منْ آفاتها، وهذا معنى قوله: "أُعين عليها"، وهذا كلّه محمول عَلَى ما إذا كَانَ هناك جماعة ممن يقوم بها، ويَصلح لها، فأما لو لم يكن هناك ممن يصلح لها إلا واحد لتعيّن ذلك عليه، ووجب أن يتولّاها، ويسأل ذلك، ويُخبر بصفاته التي يستحقّ بها منْ العلم، والكفاية، وغير ذلك، كما قَالَ يوسف -عليه السلام-: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]. انتهى "المفهم" 4/ 16. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

 

شرح رياض الصالحين (4/ 8) للعثيمين :

"ينبغي للإنسان الموفق ألا يسأل من الوظائف فإن رقي بدون مسألة فهذا هو الأحسن وله أن يقبل حينئذ أما أن يطلب ويلح فإنه يخشى أن يكون داخلا في هذا الحديث.

فالورع والاحتياط : أن يطلب شيئا من ترقية أو انتداب أو غير ذلك إن أعطيت فخذ وإن لم تعط فالأحسن والأروع والأتقى ألا تطالب فكل الدنيا ليست بشيء وإذا رزقك الله رزقا كفافا لا فتنة فيه فهو خير من مال كثير تفتن فيه نسأل الله السلامة." اهـ

 

شرح رياض الصالحين (4/ 9_10) :

"وهكذا كل شيء تحلف عليه ويكون الخير بخلاف ما حلفت فكفر عن يمينك وافعل الخير، وهذه قاعدة في كل الأيمان، ولكن الذي ينبغي للإنسان ألا يتسرع في الحلف فإن كثيرا من الناس يتسرعون في الحلف أو في الطلاق أو ما أشبه ذلك ويندمون بعد ذلك فنقول لا تتعجل ولا تتسرع إذا كنت عازما على الشيء فافعله أو اتركه بدون يمين وبدون طلاق ثم إن ابتليت بكثرة الحلف فاقرن حلفك بقولك إن شاء الله فإنك إن حلفت وقلت إن شاء الله فأنت في حل حتى لو خالفت ما حلفت عليه فإنه لا يضر___

فلو قلت : (والله، إن شاء الله، لا أفعل هذا الشيء)، ثم فعلته، فليس عليك شيء، لأن من قال في يمينه : (إن شاء الله)، فلا حنث عليه، والله الموفق." اهـ

 

بستان العارفين للسمرقندي (ص: 315)

"قال : دعي أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى الشام فوافق ذلك عزل قاضيها، فهرب واختفى حتى أتى اليمامة فلقيته بعد ذلك فقال : (ما وجدت مثل القضاء إلا كمثل سابح في البحر فلم يحسن أن يسبح حتى غرق).

وروي عن سفيان الثوري : أنه دعي إلى القضاء فهرب إلى البصرة واختفى، فبعث أمير المؤمنين في طلبه فلم يقدروا عليه فمات وهو متوار،

وروي عن أبي حنيفة _رحمه الله_ : أنه ابتلي بالضرب والحبس فلم يقبل حتى مات." اهـ

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (28/ 669_672) للإثيوبي :

"في فوائده :

1 - (منها) : ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: ظاهره يقتضي كراهية سؤال الإمارة مطلقًا،

والفقهاء تصرّفوا فيه بالقواعد الكلية، فمن كان متعيّنًا للولاية وجب عليه قبولها إن عُرِضت عليه، وطلبها إن لم تُعْرَض؛ لأنه فرض كفاية، لا يتأدى إلا به فيتعين عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين، وكان أفضل من غيره، ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الفاضل.

وإن كان غيره أفضل منه، ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل فههنا يكره له أن يدخل في الولاية، وأن يسألها، وحَرَّم بعضهم الطلب، وكره للإمام أن يوليه، وقال: إن ولاه انعقدت ولايته، وقد استخطئ فيما قال.

ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهية القضاء، لأحاديث وردت فيه. انتهى.

فمن الأحاديث ما رواه أصحاب السنن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ عن بُريد بن الحصيب -رضي الله عنه-، مرفوعًا: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل عَلِم الحقَّ، فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار، ورجل عَرَف الحقّ، فجار في الحكم فهو في النار".

ومنها : حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، مرفوعًا: "من ولي القضاء، فقد ذُبح بغير___سكين"، رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، وحسّنه الترمذيّ مع الغرابة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

مع أن بعض العلماء يؤوّل هذا على المدح، وقال: لاجتهاده في طلب الحقّ، والظاهر أنه على الذمّ؛ لعجزه عن القيام، وعدم المُعِين له على الحقّ.

ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذرّ -رضي الله عنه-: "لا تأمّرنّ على اثنين"، رواه مسلم.

ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها ستكون ندامة، وحسرة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة" رواه البخاريّ.

قال العلامة ابن الملقّن رحمه الله بعد ذكر ما تقدّم :

"ومن أصحابنا من قال: القضاء من أعلى القربات، ومنهم إمام الحرمين، وابن الصبّاغ، والأحاديث المحذّرة منه محمولة على الخائن، أو الجاهل، بدليل الحديث السالف: "القضاة ثلاثة ... "،

وقال ابن الصبّاغ : الأحاديث المحذّرة دالّة على عِظَم قدره حتى لا يُقدم عليه من لا يَثِق بنفسه، ويُحمَل حديث عبد الرحمن بن سَمُرة، وما في معناه، كحديث أبي موسى في "الصحيحين": "لن نستعمل في عملنا هذا من أراده"، على من سأل لمجرّد الرئاسة والنُّبْل، ومن استحبّه فهو لمن قصد به القربة،

وبالغ إمام الحرمين وجماعة، فقالوا : "القيام بفرض الكفاية أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في قبول القربات من القيام بفرض العين، فإن فاعل فرض العين وتاركه يختصّ الثواب والعقاب به، وفاعل فرض الكفاية كافٍ نفسه، وسائر المخاطبين العقاب، وأمل أفضل الثواب.

وبالجملة فقد امتنع من الدخول فيه الشافعيّ رحمه الله حين استدعاه المأمون ليولّيه قضاء الشرق والغرب، واقتدى به الصدر الأول من أصحابه، حتى إن أبا عليّ بن خيران لَمّا طُلب للقضاء هَرَبَ، فخُتم على عقاره، وامتنع أيضًا أبو حنيفة رحمه الله حين استدعاه المنصور له، فضربه وحبسه، ثم أطلقه،

وقيل: إن أبا حنيفة ولي القضاء بالرُّصافة أيّامًا، والشافعيّ وليه بنجران من بلاد اليمن أيّامًا، ولا يصحّ، ودخول معظم السلف من الصدر الأول فيه كان لعلمهم يقينًا أو ظنًّا بالقيام به لله، لا لشيء من حظوظ الدنيا، ووجود من يعينهم على الحقّ، وامتناعُ الصدر الثاني والثالث؛ لِمَا فيه من الخطر، وعدم براءة الذمّة فيه، وتحيّلوا على الامتناع منه بأسباب توهم الجنون، أو قلّة المروءة، وارتكبوا____ذلك؛ للخلاص من المحرم، أو المكروه." انتهى كلام ابن الملقّن رحمه الله ["الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (9/ 243 – 244)].

2 - (ومنها) : أن في الحديث إشارةً إلى ألطاف الله تعالى بالعبد فيما قضاه وقدّره، وأوجبه عليه بالإعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله، تفضلًا زائدًا على مجرد التكليف والهداية إلى النجدين، فإنه لما كان خطر الولاية عظيمًا، بسبب أمور في الوالي، وبسبب أمور خارجة عنه كان طلبها تكلّفًا، ودخولًا في غرر عظيم، فهو جدير بعدم العون، ولما كانت إذا أتت من غير مسألة لم يكن فيها هذا التكلف كانت جديرة بالعون على أعبائها وأثقالها، قال ابن دقبق العيد رحمه الله: وهي مسألة أصولية، كثر فيها الكلام في فنّها، والذي يحتاج إليه في الحديث ما أشرنا إليه الآن.

3 - (ومنها) : أن من يتعاطى أمرًا سوّلت له نفسه أنه أهلٌ له لا يقوم به، بخلاف من عجَّز نفسه وقصرها عن ذلك، وهذا من ثمرات التواضع، فإن من سأل الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلًا لها، فيوكل إليها، فلا يُعان، ويُخذل.

4 - (ومنها): أن فيه بيانَ كرم الله عز وجل على عباده في عدم الوقوف عند الأيمان، وبأنه يَحْنَث فيها؛ لئلا يؤدّي ذلك إلى المنع من الخير، وترك البرّ.

5 - (ومنها): أن للحديث تعلقًا بالتكفير قبل الحنث، ومن يقول بجوازه قد يتعلق بالبداءة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فكفّر عن يمينك، وأْتِ الذي هو خير"،

قال ابن دقيق العيد رحمه الله : وهذا ضعيف؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، والمعطوف والمعطوف عليه بها كالجملة الواحدة.

وليس بجيد طريقة من يقول في مثل هذا إن الفاء تقضي الترتيب والتعقيب، فيقتضي ذلك أن يكون التكفير مستعقبًا لرؤية الخير في الحنث، فإذا استعقبه التكفير تأخر الحنث ضرورة، وإنما قلنا: "إنه ليس بجيد"؛ لِمَا بيّناه من حكم الواو فلا فرق بين قولنا: "فكفِّر، وأْتِ الذي هو خير" وبين قولنا : "فافعل هذين"، ولو قال كذلك لم يقتض ترتيبًا ولا تقديمًا، فكذلك إذا أتى بالواو.

وهذه الطريقة التي أشرنا إليها ذكرها بعض الفقهاء في اشتراط الترتيب في الوضوء، وقال: إن الآية تقتضي تقديم غسل الوجه، بسبب الفاء، وإذا وجب تقديم غسل الوجه وجب الترتيب في بقية الأعضاء اتفاقًا، وهو ضعيف لِمَا بيّناه.

6 - (ومنها): أن الحديث يقتضي تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى اليمين إذا كان غيره خيرًا، بنصّه.

وأما مفهومه: فقد يشير بأن الوفاء بمقتضى اليمين عند عدم رؤية الخير في غيرها مطلوب، وقد تنازع المفسرون في معنى قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا} الآية [البقرة: 224]، وحمله بعضهم على ما دلّ عليه الحديث، ويكون معنى "عرضة"؛ أي: مانعًا، و"أن تبروا" بتقدير: من أن تبروا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

 

 

 



[1] وفي البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (28/ 662_663) للإثيوبي :

"(الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة؛ أي: الحكومة، وقال ابن الملقّن رحمه الله: الإمارة بكسر الهمزة: الولاية عامّةً كانت، أو خاصّةً، ويدخل فيها القضاء، والْحِسْبةُ، وغيرها، وفيها لغة أخرى: إِمْرة، بسكون الميم، أما الأمارة بالفتح، فالعلامة، وأما الأَمَرة، بفتح الميم، فالمرّة الواحدة من الأمر. انتهى." اهـ

وقال الفيّوميّ _رحمه الله_ : والإِمْرة، والإمارة بكسر الهمزة: الولاية، يقال: أَمَرَ___على القوم يأمُر، من باب قتل، فهو أمير، والجمع: الأمراء، ويُعدّى بالتضعيف، فيقال: أَمّرته تأميرًا، والأمارة: العلامة وزنًا ومعنى، ولك عليّ أَمْرة لا أعصيها بالفتح؛ أي: مرّةٌ واحدةٌ. انتهى

وفي شرح رياض الصالحين (4/ 5_6) للعثيمين :

"وهي كبرى____وصغرى. أما الكبرى : فهي التي تكون إمارة عامة على كل المسلمين كإمارة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكإمارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الخلفاء هذه إمارة عامة سلطة عامة.

وإمارة خاصة دون ذلك : تكون إمارةً على منطقة من المناطق تشتمل على قرى ومدن أو إمارة أخص من ذلك على قرية واحدة أو مدينة واحدة وكلها ينهى الإنسان أن يطلب فيها أن يكون أميرا، كما سيأتي في حديث عبد الرحمن بن سمرة _رضي الله عنه_،

ثم صدر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقول الله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين يعني الجنة {نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} وطلب الإمارة ربما يكون قصد الطالب للإمارة أن يعلو على الناس ويملك رقابهم ويأمر وينهي، فيكون قصده سيئا فلا يكون له حظ من الآخرة والعياذ بالله ولهذا نهى عن طلب الإمارة." اهـ

[2] فتح الباري لابن حجر (13/ 124) : "وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْإِمَارَةَ، فَأُعْطِيَهَا، تُرِكَتْ إِعَانَتُهُ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ حِرْصِهِ." اهـ

[3] وفي اللباب في تهذيب الأنساب (2/ 315_316) :

"العَبْشَمِيُّ (بِفَتْح الْعين، وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفتح الشين الْمُعْجَمَة، وَفِي___آخِره مِيمٌ) : هَذِه النِّسْبَة إِلَى عبد شمس بن عبد منَاف." اهـ

وهو عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، والتقى نسبه مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ في جده عبد مناف بن قصي، وهو أخو هاشم.

[4] وهو في ضعيف الترغيب والترهيب (2/ 73) للألباني (رقم 1325)

وقال في تعليقه على الحديث :

"قلت: فيه (موسى بن نجدة) مجهول، وهو مخرج في "الضعيفة" (1186)، وأما قول المعلقين الثلاثة (3/ 108): "وفيه موسى بن نجدة عن جده أبي كثير، مجهولان"! فهو من شططهم وجهلهم، فإن أبا كثير هذا ثقة اتفاقاً ومن رجال مسلم."

[5] وفي فتح الباري لابن حجر (13/ 125)

"قَالَ الْمُهَلَّبُ :

"وَفِي مَعْنَى الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَخَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ فَإِنَّهُ يُعَانُ عَلَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ وَيُسَدَّدُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ الله."

وَقَالَ ابن التِّينِ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ يُوسُف : ((اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض))، وَقَالَ سُلَيْمَان : ((وهب لي ملكا))

قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ." اهـ

[6] وفي الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (23/ 91_92) للكرماني :

"وفيه كراهة سؤال ما يتعلق بالحكومة نحو القضاء والحسبة ونحوها،

وأن من سأل ذلك لا يكون معه إعانة من الله ولا يكون له كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يولى وفيه أن من حلف على فعل أو ترك وكان الحنث خيرا من التمادي عليه استحب له الحنث بل يجب نظرا إلى ظاهر الأمر والسياق مشعر بجواز تقديم الكفارة على الحنث وعليه الشافعية ومالك واستثنى الشافعي التكفير بالصوم لأنه عبادة بدنية فلا تقدم على وقتها كالصلاة بخلاف الماليات فإنها تجوز كما في تعجيل الزكاة، الخطابي: فيه جواز تقديمها وهو في غير___الصوم فإنه بدل عن الواجب ولا وجوب للأصل ما لم يحنث فلا معنى للبدل." اهـ كلام الكرماني _رحمه الله_

[7] وقال النووي في شرح صحيح مسلم (12/ 207_208) : "قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ لَا يُوَلَّى مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ أَنَّهُ يُوكَلُ إِلَيْهَا وَلَا___تَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ السَّابِقِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ إِعَانَةٌ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا وَلَا يُوَلَّى غَيْرُ الْكُفْءِ وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً لِلطَّالِبِ وَالْحَرِيصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

وفي العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1500)

"والحكمة في ألَّا يُولاها من سألها، أنه يوكَل إليها، ولا تكونُ له من الله إعانة، وإذا كان كذلك، لا يكون كفؤًا، وغير الكفؤ لا يُولى، وإنما تحصل الإعانة لمن أعطيها عن غير مسألة؛ لأنه لا يسأل عن الولاية إلا من أجمعت القلوب على أهليته، واعترفت بالعجز عن القيام برتبته، فصار ذلك باعثًا لهم على تسديده وإعانته، ويلزم من حاله وعدم تعرضه إليها اعترافُه بالعجز والتقصير، وذلك سببٌ حامل على الاجتهاد والتشمير، بخلاف من سألها؛ فإنه لا يفعل ذلك إلا وقد حدثته نفسه بالأهلية والرجحان، وذلك سبب لعدم الإعانة والنقصان؛ فإن النفوس مجبولة بطبعها على عدم إعانة من هذا وصفُه، وإيكاله إلى نفسه وولايته؛ لنقصه عندهم، فاعتماده على حديث نفسه، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا نُوَلِّي عَمَلَنا مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَرَصَ عَلَيْهِ" (2)؛ حيث إن التهمة متطرقة إلى الطالب الحريص، والله أعلم." اهـ

[8] نيل الأوطار (8/ 296)

وَأَمَّا سُؤَالُ سُلَيْمَانَ فَخَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، إذْ مَحَلُّهُ سُؤَالُ الْمَخْلُوقِينَ لَا سُؤَالُ الْخَالِقِ، وَسُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّمَا سَأَلَ الْخَالِقَ." اهـ

[9] العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1503)

ولا شك أن معظم السلف في الصدر الأول لم يمتنعوا منه، وإنما كان ذلك لعلمهم يقينًا أو ظنًّا بالقيام به، ووجودِ المعين للحق في الحق.

ومعظم السلف من الصدر الثاني والثالث امتنعوا منه، وتحيلوا على الامتناع منه، حتَّى بأسباب توهم الجنون أو قلة المروءة؛ لما علموا في توليته من الخطر العظيم، وعدم براءة الذمة فيه، فارتكبوا أمرًا مباحًا، وخلاف الأولى؛ للخلاص من المحرم أو المكروه.

وقد اعتمد الفقهاء مثل ذلك في أحكام كثيرة في أبواب من العلم يطول ذكرها، والله أعلم.

والسلامة لا يعدلها شيء في الدنيا والآخرة، وثنيات الطرق لا تسلك، فإنَّها مفضية إلى الهلاك حسًّا، والله أعلم.

[10] رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (2/ 83)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (9/ 425).

Tidak ada komentar:

Posting Komentar