Selasa, 19 Maret 2019

4 - (الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه، وما جاء في ذم الحرص وحب المال)


1701 - (6) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"يا أيُّها الناسُ! إنَّ الغنى ليسَ عن كثْرَةِ العَرَضِ، ولكنَّ الغِنى غِنى النفْسِ، وإن الله عز وجل يُؤتي عبدَه ما كتبَ له مِنَ الرزقِ، فأجْمِلوا في الطلبِ، خُذوا ما حَلَّ، ودعوا ما حُرِّمَ".
رواه أبو يعلى، وإسناده حسن إن شاء الله تعالى.

شرح الحديث :

الآداب الشرعية والمنح المرعية (3/ 310)
كَانَ يُقَالُ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى، وَالْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَقَالُوا: حَقُّ اللَّهِ وَاجِبٌ فِي الْغِنَى، وَالْفَقْرِ، فَفِي الْغِنَى الْعَطْفُ، وَالشُّكْرُ، وَفِي الْفَقْرِ الْعَفَافُ، وَالصَّبْرُ وَكَانَ يُقَالُ: الْغِنَى فِي النَّفْسِ، وَالشَّرَفُ فِي التَّوَاضُعِ، وَالْكَرَمُ فِي التَّقْوَى.

فوائد الحديث :

&        فتح الباري- تعليق ابن باز - (11 / 272)
وقال القرطبي: معنى الحديث إن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل.
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعا بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة ولا يلح في الطلب ولا يحلف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجد أبدا،

والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أعطى بل هو أبدا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغن بما أعطى، فكأنه ليس بغنى، ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعال والتسليم لأمره علما بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرص والطلب

&        فيض القدير - (1 / 124)
والقناعة غنى وعز بالله، وضدُّها فَقْرٌ وذُلٌّ للغير، ومن لم يقنع لم يشبع أبدا
ففي القناعة : العز والغنى والحرية # وفي فقدها : الذل والتعبد للغير (تعس عبد الدنيا تعس عبد الدينار)
فيتعين على كل عاقل أن يعلم أن الرزق بالقسم والحظ لا بالعلم والعقل ولا فائدة للجد حكمة بالغة دل بها على قدرته وإجراء الأمور على مشيئته قال الحكماء : ولو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم

&        فيض القدير - (5 / 358)
((أن كثيرا ممن وسع الله عليه لا ينتفع بما أوتي بل هو متجرد في الإزدياد ولا يبالي من أين يأتيه فكأنه فقير لشدة حرصه فالحريص فقير دائما)) اهـ

&        فيض القدير - (5 / 358)
# ومن كفَّتْ نفسه عن المطامع قرت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من كان فقير النفس فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته فيصغر في العيون ويحتقر في النفوس ويصير أذل من كل ذليل[1]
# والحاصل أن من رضي [ ص 359 ] بالمقسوم فكأنه واجد أبدا ومن اتصف بفقر النفس فكأنه فاقد أبدا يأسف على ما فات ويهتم بما هو آت فمن أراد غنى النفس فليحقق في نفسه أنه تعالى المعطي المانع فيرضى بقضائه ويشكر على نعمائه ويفزع إليه في كشف ضرائه

&        مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (8 / 3236)
أَنَّ الْغِنَى الْحَقِيقِيَّ هُوَ قَنَاعَةُ النَّفْسِ بِمَا أَعْطَاهُ الْمَوْلَى، وَالتَّجَنُّبُ عَنِ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، فَهُوَ فَقِيرٌ فِي حَقِيقَةِ الْحَالِ وَنَتِيجَةِ الْمَآلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى طَلَبِ الزِّيَادَةِ بِمُوجِبِ طُولِ الْآمَالِ،
وَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ قَانِعٌ بِالْقُوتِ وَرَاضٍ بِعَطِيَّةِ مَالِكِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِقَلْبِهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْغَيْرِ بِرَبِّهِ، سَوَاءٌ يَكُونُ فِي يَدِهِ مَالٌ أَوْ لَا. إِذْ لَا يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْقُوتِ وَلَا يُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ، بَلْ يَسْتَعِينُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الدُّنْيَا لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ الْجَمِيلِ فِي الْعُقْبَى وَالثَّنَاءِ الْجَزِيلِ مِنَ الْمَوْلَى، رَزَقَنَا الْمَقَامَ الْأَعْلَى.
المفاتيح في شرح المصابيح - (5 / 280) - الحسين بن محمود المظهري :
((# فمن كان في قلبه حرصٌ على جمع المال فهو فقير وإن كان له مال كثير؛ لأنه يحتاج إلى طلب الزيادة، ويُتعب نفسه بطلب الزيادة، ولا ينفق ماله على نفسه وعياله من خوفِ أن ينقص ماله.
# ومن كان له قلب بعيد عن الحرص، راضٍ بالقوت، فهو غني وإن لم يكن له مال؛ لأنه لا يطلب الزيادة من القوت، ولا يتعب نفسه في طلب المال)) اهـ

&        مجموع الفتاوى ( ط: دار الوفاء - تحقيق أنور الباز ) - (18 / 329)
فَإِنَّ الْحُرَّ عَبْدٌ مَا طَمِعَ وَالْعَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعَ . وَقَدْ قِيلَ : أَطَعْت مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِي .
فَكَرِهَ أَنْ يَتَّبِعَ نَفْسَهُ مَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ لِئَلَّا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ فَقْرٌ وَطَمَعٌ إلَى الْمَخْلُوقِ ؛ فَإِنَّهُ خِلَافَ التَّوَكُّلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَخِلَافَ غِنَى النَّفْسِ .

&        مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (8 / 3236)
قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِغِنَى النَّفْسِ حُصُولُ الْكِمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَأَنْشَدَ أَبُو الطَّيِّبِ مَعْنَاهُ:
"وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ ... مَالِهِ مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ"
يَعْنِي: يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ سَاعَاتِهِ وَأَوْقَاتَهُ فِي الْغِنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ طَلَبُ الْكَمَالَاتِ لِيَزِيدَ غِنًى بَعْدَ غِنًى، لَا فِي الْمَالِ لِأَنَّهُ فَقْرٌ بَعْدَ فَقْرٍ اهـ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ:
رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ ... فِينَا لَنَا عِلْمٌ وَلِلْأَعْدَاءِ مَالُ
فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ ... وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يُزَالُ
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَالَ إِرْثُ فِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ إِرْثُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَبْرَارِ

&        بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار - (1 / 125)
وطمأنينته بالعفاف عن الخلق ، والغنى بالله ، ومن كان غنيا بالله فهو الغني حقا ، وإن قلت حواصله ، فليس الغنى عن كثرة العرض ، إنما الغنى غنى القلب ، وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة ، والنعيم الدنيوي ، والقناعة بما آتاه الله .

&        طرح التثريب في شرح التقريب - (4 / 81)
فِيهِ فَضْلُ الْقَنَاعَةِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ

&        طرح التثريب في شرح التقريب (4/ 81)
وَحَاصِلُ هَذَا إثْبَاتُ الْغِنَى لِغَنِيِّ النَّفْسِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ حَتَّى يَنْفِيَ الْغِنَى عَمَّنْ فَقَدَهُ وَإِنْ كَثُرَ مَالُهُ مَعَ أَنَّهُ غِنًى بِالْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ نُفِيَ لِانْتِفَاءِ ثَمَرَتِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ الْغِنَى بِالْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْمُودٍ وَلَا نَافِعٍ كَمَا يُسَمَّى الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ جَاهِلًا لِانْتِفَاءِ ثَمَرَةِ الْعِلْمِ فِي حَقِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

&        كشف المشكل من حديث الصحيحين - (1 / 997)
من افتقرت نفسه لم يغنه شيء وافتقارها يكون بالشره فلا يغنيها ما يكفيها

&        غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ( ط: الكتب العلمية ) - (2 / 426-427)
أَنَّ الْقَنَاعَةَ صَاحِبُهَا مَلِكٌ ; لأَنَّهُ فِي غِنًى عَنْ النَّاسِ , وَفِيهِ مَزِيَّةٌ عَلَى مِلْكِ مَا سِوَاهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا , وَهِيَ أَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى خَدَمٍ وَلا أَنْصَارٍ وَعَسَاكِرَ يَحْفَظُونَهَا .
وَلا يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْ زَوَالٍ وَلا اغْتِصَابٍ , بِخِلافِ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْخَوَلِ وَالأَنْصَارِ لِلْخِدْمَةِ , وَالاحْتِرَازِ عَلَى نُفُوسِهِمْ مِنْ الأَعْدَاءِ ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي هَمٍّ وَفِكْرَةٍ فِي
غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ( ط: الكتب العلمية ) - (2 / 427)
تَحْصِيلِ الأَمْوَالِ وَتَدْبِيرِ الرَّعَايَا , وَفِي خَوْفٍ مِنْ زَوَالِ الْمُلْكِ , إمَّا بِغَلَبَةِ الْعَدُوِّ , وَإِمَّا بِخُرُوجِ أَحَدٍ مِنْ الرَّعَايَا عَنْ الطَّاعَةِ .
وَإِمَّا بِوُثُوبِ أَحَدٍ مِنْ حَشَمِهِمْ وَخَدَمِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ عَلَيْهِمْ وَإِطْعَامِهِمْ السُّمَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمَلِكُ الْقَنَاعَةِ سَالِمٌ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الآفَاتِ وَكُلُّ أَمْرٍ لا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَعَبٍ وَكُلْفَةٍ خَيْرٌ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

&        دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - (4 / 501)
وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب بأن يفتقر إلى ربه في جميع أمره، فيتحقق أنه المعطي المانع فيرضى بقضائه ويشكر على نعمائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى النفس عن غير ربه، والغنى الوارد في قوله تعالى: {ووجدك عائلاً فأغنى} (الضحى: 8) ينزل على غنى النفس، فإن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه قبل أن يفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال

&        شرح النووي على مسلم (7/ 140)
الْغِنَى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة حِرْصِهَا لَا كَثْرَةَ الْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ طَالِبًا لِلزِّيَادَةِ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ غِنًى

&        المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (9/ 62)
إذا استغنت نفسه كفّت عن المطامع ، فعزّت وعظمت ، فجعل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيًا بماله ، فقيرًا بحرصه وشرهه ، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور ، وخسائس الأفعال ، لبخله ودناءة همّته ، فيكثر ذامُّه من الناس ، ويصغر قدره فيهم ؛ فيكون أحقر من كل حقير ، وأذل من كل صغير .

&        الذريعة الى مكارم الشريعة (ص: 225) // المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ) :
"فالقناعة هي الغنى في الحقيقة، والناس كلهم فقراء من وجهين:
أحدهما: لافتقارهم إلى اللَّه تعالى كما قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ))
والثاني: لكثرة حاجاتهم فأغناهم أقلهم حاجة، ومن سد مفاقره بالمقتنيات فما في انسدادها طمع فإنه كمن يرقع الخرق بالخرق ويسد
الفقر بالفقر، ومن سدها بالاستغناء عنها بمقدار وسعه والاقتصار على تناول مقدار ضرورياته فهو الغني والقريب من الله، كما أشار إليه فيما حكي عن طالوت: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)
ولأن الغنى هو عدم الحاجة فأغناهم أقلهم حاجة، ولذلك كان اللَّه تعالى أغنى الأغنياء، لأنه لا حاجة به إلى شيء، وعلى ذلك دل النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس "

&        شرح صحيح البخارى لابن بطال (10/ 165)
قال المؤلف: قوله (صلى الله عليه وسلم) : (ليس الغنى عن كثرة العرض) يريد ليس حقيقة الغنى عن كثرة متاع الدنيا، لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه فى المال يكون فقير النفس لا يقنع بما أعطى فهو يجتهد دائبًا فى الزيادة، ولا يبالى من أين يأتيه، فكأنه فقير من المال؛ لشدة شرهه وحرصه على الجمع، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، الذى استغنى صاحبه بالقليل وقنع به، ولم يحرص على الزيادة فيه، ولا ألحّ فى الطلب، فكأنه غنى واجد أبدًا، وغنى النفس هو باب الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره علم أن ما عند الله خير للأبرار، وفى قضائه لأوليائه الأخيار، روى الحسن، عن أبى هريرة قال: (قال لى رسول الله: أرض بما قسم الله تكن أشكر الناس) . وقوله تعالى: (أَيَحْسِبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ) [المؤمنون: 55]

&        الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (22/ 213)
ليس الغنى الحقيقي المعتبر هو من كثرة المال بل هو من استغناء النفس وعدم الحرص على الدنيا ولهذا ترى كثيرًا من المتمولين فقير النفس مجتهدًا في الزيادة فهو لشدة شرهه وشدة حرصه على جمعه كأنه فقير وأما غنى النفس فهو من باب الرضاء بقضاء الله تعالى لعلمه أن ما عند الله لا ينفد وهو خير له لأن ما قضي به لأوليائه فهو الخيار

&        الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 245)
* في هذا الحديث من الفقه؛ أن الغنى المعروف بالألف واللام؛ لا يكون العرض؛ لأن ذلك إنما يكون داعية إلى فقر، من حيث إنه من ملك أعراضًا كثيرة من أجناس مختلفة، اضطر في حفظها ورعايتها إلى مؤن وكلف يزيده فقرًا، وإن كانت قد تعينه في حالة، فإنها تفقره في حالات.

&        المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 280) للزيداني المظهري :
فمن كان في قلبه حرصٌ على جمع المال فهو فقير وإن كان له مال كثير؛ لأنه يحتاج إلى طلب الزيادة، ويُتعب نفسه بطلب الزيادة، ولا ينفق ماله على نفسه وعياله من خوفِ أن ينقص ماله.
ومن كان له قلب بعيد عن الحرص، راضٍ بالقوت، فهو غني وإن لم يكن له مال؛ لأنه لا يطلب الزيادة من القوت، ولا يتعب نفسه في طلب المال.

&        شرح المصابيح لابن الملك (5/ 391)
الغِنَى الحقيقيُّ هو قناعةُ النفس والتجنُّبُ عن الحرص في طلب الدنيا، فمَن كان قلبُه على جمع المال فهو فقير، وإن كان له مال كثير؛ لأنه محتاجٌ إلى طلب الزيادة، ومَن كان له قلبٌ بعيدٌ عن الحرص راضٍ بالقُوت فهو غني، وإن لم يكن له مال؛ لأنه لا يطلب الزيادةَ عن القُوت ولا يُتعب نفسَه في طلبها.
======================
صحيح الترغيب والترهيب (2/ 312)
1702 - (7) [حسن صحيح] وعن حذيفة رضي الله عنه قال:
قامَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدعا الناسَ فقال:
"هَلُمُّوا إليَّ".
فأقْبَلوا إليهِ فجلَسوا، فقال:
"هذا رسولُ ربِّ العالمينَ؛ جبريلُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفَثَ في رُوعي: أنَّه لا تموتُ نفسٌ حتَّى تَسْتَكْمِلَ رزْقها وإنْ أَبْطَأ عليها، فاتَّقوا الله؛ وأجْمِلوا في الطلب، ولا يَحْمِلنّكُمُ اسْتِبْطاءُ الرزْقِ أنْ تأخُذوه بِمْعصِيَةِ الله، فإنَّ الله لا يُنالُ ما عندَه إلا بِطاعَتِه".
رواه البزار، ورواته ثقات، إلا قدامة بن زائدة بق قدامة، فإنه لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل (1).
__________
(1) قلت: ونحوه في "المجمع" (4/ 71). وقد رواه البزار في "البحر الزخار" (7/ 314/ 2914) عن ثلاثة من شيوخه الثقات عنه، أحدهم محمد بن عمر بن هياج، وهو صدوق، فهو معروف، وذكره ابن حبان في "الثقات" (9/ 21)، لكنْ وقع فيه شيء من الخلط لا مجال هنا لبيانه.

من فوائد الحديث :

الاستذكار (2/ 522)
فَغِنَى النَّفْسِ يُعِينُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ وَغِنَى الْمُؤْمِنِ الْكِفَايَةُ وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا وَلَمْ يُرِدْ بِهِمْ إِلَّا الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ لَهُمْ
وَقَالَ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ إِذَا كَانَ مَا يَكْفِيكَ لَا يُغْنِيكَ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يُغْنِيكَ
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ فَقْرٍ مُسْرِفٍ وَغِنًى مُطْغٍ
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ أَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ طَرَفَانِ وَغَايَتَانِ مَذْمُومَتَانِ."

شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى (ص: 71_77)[2]
المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: 665هـ) :
وَلما كَانَت المعالم والمعارف الَّتِي وصلت إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من جِهَة ربه عز وَجل مُخْتَلفَة الطّرق والأسباب على مَا نبينه أخْبرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا عَن أول سَبَب وَطَرِيق حصل لَهُ مِنْهَا وَكَيف كَانَ ابْتِدَاء ذَلِك.
وَقد جمع الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي تِلْكَ الطّرق وحصرها فِي سبع صور، وَتكلم الْفَقِيه أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ على بَعْضهَا.
فَمِنْهَا : النّوم،
كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا، وكقول إِبْرَاهِيم خَلِيل الله لِابْنِهِ ذبيح الله صلى الله عَلَيْهِمَا: {إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر} ،
فَدلَّ على أَن الْوَحْي كَانَ يَأْتِيهم فِي النّوم كَمَا يَأْتِيهم فِي الْيَقَظَة، وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ: " رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ".
وَمِنْهَا : أَن ينفث فِي روعه الْكَلَام نفثا،
كَمَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: " إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي: إِن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستكمل رزقها وأجلها، فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب ".___
قَالَ أَبُو عبيد: " النفث بالفم شَبيه بالنفخ، فَأَما التفل فَلَا يكون إِلَّا وَمَعَهُ شَيْء من الرِّيق، وَمَعْنَاهُ: أوحى إِلَيّ، والروع بِضَم الرَّاء أَي فِي خلدي وَنَفْسِي ". قَالَ الْحَلِيمِيّ: " وَهَذَا هُوَ الْوَحْي الَّذِي يخص الْقلب دون السّمع، وَحمل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: {إِذا يوحي رَبك إِلَى الْمَلَائِكَة إِنِّي مَعكُمْ فثبتوا الَّذين آمنُوا} .
قَالَ: " وَذَلِكَ - وَالله أعلم - أَن ينفث الْملك فِي روع الْمُؤمن الإطماع فِي الظفر بالعدو، وَالتَّرْغِيب فِي الثَّوَاب وَالْأَجْر، والاستنكاف من الْفِرَار، فيحمله مَا يجده فِي قلبه من هَذِه الْمعَانِي على الثَّبَات.
وَمِنْهَا : أَن يَأْتِيهِ الْوَحْي مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَلَيْهِ،
كَمَا أخبر - صلى الله عليه وسلم - عَن ذَلِك فِي حَدِيث صَحِيح سَيَأْتِي.
وَقيل: إِن ذَلِك كَانَ ليستجمع قله عِنْد تِلْكَ الصلصلة فَيكون أوعى لما يسمع، وألقن لما يلقى عَلَيْهِ.____
وَمِنْهَا : أَن يتَمَثَّل لَهُ الْملك رجلا،
وَقد كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ _رَضِي الله عَنهُ_، وَرَآهُ كَذَلِك جمَاعَة من الصَّحَابَة على مَا نَقَلْنَاهُ فِي " شرح ذَات الدُّرَر "،
فَفِي أول " صَحِيح البُخَارِيّ " مقدما على هَذَا الحَدِيث المعتنى بشرحه فِي هَذَا الْكتاب عَن عَائِشَة أَيْضا:
"أَن الْحَارِث بن هِشَام سَأَلَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي؟ فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: أَحْيَانًا يأتيني فِي مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَليّ، فَيفْصم عني، وَقد وعيت عَنهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك (رجلا) فيكلمني فأعي مَا يَقُول، قَالَت عَائِشَة: وَلَقَد رَأَيْته ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فَيفْصم عَنهُ وَإِن جَبينه ليتفصد عرقا".
قلت  :  وَهَذَا الْعرق الَّذِي كَانَ يَغْشَاهُ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، واحمرار الْوَجْه والغطيط الْمَذْكُورَان فِي حَدِيث يعلى بن أُميَّة، وَثقله على الرَّاحِلَة وعَلى فَخذ زيد بن ثَابت،
 كَمَا ورد فِي حديثين آخَرين، إِنَّمَا_____كَانَت لثقل الْوَحْي عَلَيْهِ كَمَا أخبرهُ _سُبْحَانَهُ_ فِي ابْتِدَاء أمره بقوله :
{إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا} ،
وَذَلِكَ لضعف الْقُوَّة البشرية عَن تحمل مثل ذَلِك الْوَارِد الْعَظِيم من ذَلِك الجناب الْجَلِيل، وللوجل من توقع تَقْصِير فِيمَا يُخَاطب بِهِ من قَول أَو فعل.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: " وللنبوة أثقال وَمؤنَة لَا يحملهما وَلَا يَسْتَطِيع لَهَا إِلَّا أهل الْقُوَّة والعزم من الرُّسُل بعون الله عز وَجل ".
ويفصم: أَي يقْلع، من تفصم الْمَطَر أَي أقلع، وأفصمت عَنهُ الْحمى، وأفصم الْفَحْل عَن الضراب أَي كف.
وَحكى ابْن بطال عَن صَاحب " الْأَفْعَال ": " فَصم الشَّيْء عَنهُ ذهب، قَالَ: " فَيُقَال مِنْهُ: فعل وأفعل"._____
ويتفصد: أَي يسيل سيلان الدَّم من الفصاد.
وَمِنْهَا : أَن يظْهر لَهُ الْملك فِي الصُّورَة الَّتِي خلقه الله تَعَالَى فِيهَا لَهُ سِتّمائَة جنَاح،
رَآهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - كَذَلِك مرَّتَيْنِ على مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ فِي قَوْله: {وَلَقَد رَآهُ بالأفق الْمُبين} ، {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة المنتهي} ، وَقد أوضحت ذَلِك بِتَوْفِيق الله عز وَجل فِي " شرح الشقراطيسية ".
وَفِي " الصَّحِيح " أَن عَائِشَة سَأَلت النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عَن هَاتين الْآيَتَيْنِ؟ فَقَالَ: هُوَ جِبْرِيل لم أره على صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا غير هَاتين الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْته منهبطا من السَّمَاء سَادًّا عظم خلقه مَا بَين السَّمَاء إِلَى الأَرْض ".____
وَمِنْهَا : أَن يكلمهُ الله تَعَالَى من وَرَاء حجاب،
وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ :
* أَحدهمَا : فِي الْيَقَظَة وَهُوَ أَعلَى دَرَجَات الْوَحْي، كَمَا كَلمه فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء،
قَالَ _صلى الله عليه وسلم_ :
" فَأوحى إِلَيّ مَا أوحى، فَفرض عَليّ خمسين صَلَاة ".
فَقيل: كَانَ ذَلِك بِلَا وَاسِطَة، وَقيل: بِوَاسِطَة، وَأما مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فقد اخْتصَّ بِتَكْلِيم الله إِيَّاه بِلَا وَاسِطَة.
* وَالثَّانِي: أَن يكلمهُ فِي النّوم كَمَا فِي حَدِيث معَاذ الَّذِي خرجه التِّرْمِذِيّ، قَالَ: " أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ: فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: لَا أَدْرِي، فَوضع كَفه بَين كَتِفي فَوجدت بردهَا بَين ثندوني، وتجلى لي علم كل شَيْء ".
هَذِه الْوُجُوه السِّتَّة من كَيْفيَّة الْوَحْي إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - ذكرهَا السُّهيْلي وزدتها أَنا بَيَانا وإيضاحا.
ثمَّ ذكر وَجها آخر وَجعله سابعا فَقَالَ: " قد بَينا الطّرق الصِّحَاح عَن عَامر الشّعبِيّ أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل بِهِ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام، فَكَانَ____يتَرَاءَى لَهُ ثَلَاث سِنِين، ويأتيه بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي، ثمَّ وكل بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَجَاءَهُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحي ".
قلت:
لَا يَنْبَغِي أَن تعد هَذِه حَالَة سابعة بِاعْتِبَار اخْتِلَاف مَا بَين جِبْرِيل وإسرافيل عَلَيْهِمَا السَّلَام، لِأَن كِلَاهُمَا ملك جَاءَهُ بِالْوَحْي من الله تَعَالَى، على أَن هَذِه رِوَايَة مُرْسلَة." اهـ[3]

المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 311) للزيداني :
"ولا يحملنكم استبطاء الرزق"، (الاستبطاء): المكث والتأخير؛ يعني: لا تطلبوا الرزق من الحرام بأن يتأخَّر ويمكث إتيانُ رزقكم إليكم من الحلال، كما هو عادة جماعة من الناس، فإنهم يبيعون الخمر وآلات الملاهي، ويتعلمون اللعب والضرب بالملاهي، بسبب قلة ربحهم في الاكتساب من الحلال.

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3337)
وفيه أن الرزق مقدر مقسوم لا بد من وصوله إلى العبد، لكن العبد إذا سعى وطلب على وجه مشروع وصف بأنه حلال، وإذا طلب بوجه غير مشروع فهو حرام. فقوله: ((ما عند الله)) إشارة إلى أن الرزق كله من عند الله الحلال والحرام.

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3337)
وقوله: ((أن تطلبوه بمعاصي الله)) إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بمعصية الله ذم وسمي حراما.

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3337)
وقوله: ((إلا بطاعته)) إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بطاعته مدح وسمي حلالا. وفي هذا دليل بين لأهل السنة على أن الحلال والحرام يسمى رزقا، وكله من عند الله خلافا للمعتزلة.
======================
1703 - (8) [صحيح لغيره] وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"إنَّ الرزقَ لَيطْلُبُ العبدَ كما يطلُبه أجَلُه".
رواه ابن حبان في "صحيحه"، والبزار.
ورواه الطبراني بإسناد جيد؛ إلا أنَّه قال:
"إنَّ الرزقَ لَيطْلُبُ العبدَ أكثرَ مِمَّا يطلُبُه أجَلُه".

الروح (ص: 255_256)
وَزعم أَنه متوكل فَهُوَ مغرور مخدوع متمن كمن عطل النِّكَاح والتسري وتوكل فِي حُصُول الْوَلَد وعطل الْحَرْث وَالْبذْر وتوكل فِي حُصُول الزَّرْع وعطل الْأكل وَالشرب وتوكل فِي حُصُول الشِّبَع والري فالتوكل نَظِير الرَّجَاء وَالْعجز نَظِير التَّمَنِّي فحقيقة التَّوَكُّل أَن يتَّخذ العَبْد ربه وَكيلا لَهُ قد فوض إِلَيْهِ كَمَا يُفَوض الْمُوكل إِلَى وَكيله للْعَالم بكفايته نهضته ونصحه وأمانته وخبرته وَحسن اخْتِيَاره والرب سُبْحَانَهُ قد أَمر عَبده بالاحتيال وتوكل لَهُ أَن يسْتَخْرج لَهُ من حيلته مَا يصلحه فَأمره أَن يحرث ويبذر وَيسْعَى وَيطْلب رزقه فِي ضَمَان ذَلِك كَمَا قدره سُبْحَانَهُ وَدبره واقتضته حكمته وَأمره أَن لَا يعلق قلبه بِغَيْرِهِ بل يَجْعَل رَجَاءَهُ لَهُ وخوفه مِنْهُ وثقته بِهِ وتوكله عَلَيْهِ واخبره أَنه سُبْحَانَهُ الملي بِالْوكَالَةِ الوفي بِالْكَفَالَةِ فالعاجز من رمي هَذَا كُله وَرَاء ظَهره وَقعد كسلان طَالبا للراحة مؤثرا للدعة يَقُول الرزق يطْلب صَاحبه كَمَا يَطْلُبهُ أَجله وسيأتيني مَا قدر لي على ضعْفي وَلنْ أنال مَا لم يقدر لي مَعَ قوتي وَلَو أَنى هربت من رِزْقِي كَمَا أهرب من الْمَوْت للحقني فَيُقَال لَهُ نعم هَذَا كُله حق وَقد علمت أَن الرزق مُقَدّر فَمَا يدْريك كَيفَ قدر لَك بسعيك أم بسعي غَيْرك وَإِذا كَانَ بسعيك فَبِأَي سَبَب وَمن أَي وَجه وَإِذا خَفِي عَلَيْك هَذَا كُله فَمن أَيْن علمت انه يقدر لَك إِتْيَانه عفوا بِلَا سعي وَلَا كد فكم من شَيْء سعيت فِيهِ فَقدر لغيرك وَكم من شَيْء سعى فِيهِ غَيْرك فَقدر لَك رزقا فَإِذا رَأَيْت هَذَا عيَانًا فَكيف علمت أَن رزقك كُله بسعي غَيْرك وَأَيْضًا فَهَذَا الَّذِي أوردته عَلَيْك النَّفس يجب عَلَيْك طرده فِي جَمِيع الْأَسْبَاب مَعَ مسبباتها حَتَّى فِي أَسبَاب دُخُول الْجنَّة والنجاة من النَّار فَهَل تعطلها اعْتِمَادًا على التَّوَكُّل أم تقوم بهَا مَعَ التَّوَكُّل بل لن تَخْلُو الأَرْض من متوكل صَبر نَفسه لله وملأ قلبه من الثِّقَة بِهِ ورجائه وَحسن الظَّن بِهِ فَضَاقَ قلبه مَعَ ذَلِك عَن مُبَاشرَة بعض الْأَسْبَاب فسكن قلبه إِلَى الله وَاطْمَأَنَّ___إِلَيْهِ ووثق بِهِ وَكَانَ هَذَا من أقوى أَسبَاب حُصُول رزقه فَلم يعطل السَّبَب وَإِنَّمَا رغب عَن سَبَب إِلَى سَبَب أقوى مِنْهُ فَكَانَ توكله أوثق الْأَسْبَاب عِنْده فَكَانَ اشْتِغَال قلبه بِاللَّه وسكونه إِلَيْهِ وتضرعه إِلَيْهِ أحب إِلَيْهِ من اشْتِغَاله بِسَبَب يمنعهُ من ذَلِك أَو من كَمَاله فَلم يَتَّسِع قلبه للأمرين فَأَعْرض أَحدهمَا إِلَى الآخر وَلَا ريب ان هَذَا أكمل حَالا مِمَّن امْتَلَأَ قلبه بِالسَّبَبِ واشتغل بِهِ عَن ربه وأكمل مِنْهُمَا من جمع الْأَمريْنِ وَهِي حَال الرُّسُل وَالصَّحَابَة فقد كَانَ زَكَرِيَّا نجارا وَقد أَمر الله نوحًا أَن يصنع السَّفِينَة وَلم يكن فِي الصَّحَابَة من يعطل السَّبَب اعْتِمَادًا على التَّوَكُّل بل كَانُوا أقوم النَّاس بالأمرين أَلا ترى أَنهم بذلوا جهدهمْ فِي محاربة أَعدَاء الدّين بِأَيْدِيهِم وألسنتهم وَقَامُوا فِي ذَلِك بِحَقِيقَة التَّوَكُّل وعمروا أَمْوَالهم وأصلحوها وَأَعدُّوا لأهليهم كفايتهم من الْقُوت بِسَيِّد المتوكلين صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَآله." اهـ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3330)
(" إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ ") أَقُولُ: بَلْ حُصُولُ الرِّزْقِ أَسْبَقُ وَأَسْرَعُ مِنْ وُصُولِ أَجَلِهِ ; لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الرِّزْقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40]

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3330)
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ» .

شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 394)
وَفِيهِ: " «أَنَّ الطَّلَبَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ» " وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَاهُ عَنْ عُمَرَ رَفَعَهُ: " «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» " فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَبِ لَا الْقُعُودِ، أَرَادَ لَوْ تَوَكَّلُوا فِي ذَهَابِهِمْ وَمَجِيئِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ وَمِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَنْصَرِفُوا إِلَّا سَالِمِينَ غَانِمِينَ كَالطَّيْرِ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى قُوَّتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ وَهَذَا خِلَافُ التَّوَكُّلِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا فِي الْقَائِلِ أَجْلِسُ لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» " وَقَوْلَهُ: " «تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» " وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخِيلِهِمْ وَبِهِمُ الْقُدْوَةُ.

روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 153)
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق إذ التوكل هو نظام الإيمان وقرين التوحيد وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة،
وما توكل أحد على اللَّه جل وعلا من صحة قلبه حتى كان اللَّه جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده إلا لم يكله اللَّه إلى عباده وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب

======================
1704 - (9) [حسن لغيره] وعن أبي سعيدٍ الخدريَّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"لو فرَّ أحدُكم مِنْ رزقِه؛ أدْركَه كما يدْرِكُه الموتُ".
رواه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" بإسناد حسن.
======================
1705 - (10) [صحيح] وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما:
أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى تمرةً عائِرةً (1)، فأخذَها فناولَها سائلاً، فقال:
"أما أنَّك لَوْ لَمْ تأْتِها لأَتَتْكَ".
رواه الطبراني بإسناد جيد، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي.
__________
(1) الأصل: (غابرة)، و (المجمع): (غائرة)، والتصحيح من "موارد الظمآن" و"النهاية"، وفيه: "العائرة: الساقطة لا يُعرف لها مالك".

======================
1706 - (11) [صحيح] وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"ما طلَعتْ شمسٌ قَطُّ إلا بُعِثَ بجَنْبَتَيهَا مَلَكانِ ينادِيانِ، يُسمِعان أهْلَ الأرضِ إلا الثقلينِ: يا أيُّها الناسُ! هَلُمُّوا إِلى ربِّكم؛ فإنَّ ما قلَّ وكفَى، خيرٌ ممَّا كثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شمسٌ قطُّ إلا بُعِثَ بَجنْبَتَيْها مَلَكان يُناديانِ، يُسمِعان أَهلَ الأرضِ إلا الثقلينِ: اللَّهُمّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وأَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً".
رواه أحمد بإسناد صحيح -واللفظ له-، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه. [مضى 8 - الصدقات/ 15].

1707 - (12) [صحيح لغيره] وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"مَنْ كانتِ الدنيا هِمَّته وسَدَمَه، ولها شَخَصٌ، وإيَّاها ينوي؛ جَعل الله الفقْرَ بينَ عيْنَيْهِ، وشتَّتَ عليه ضَيْعَتَهُ، ولَمْ يأْتِه منها إلا ما كتِبَ لَهُ منها، ومَنْ كانتِ الآخرةُ هِمَّتَه وسدَمه، ولها شخص، وإياها ينوي؛ جعل الله عز وجل الغنى في قلبه، وجمع عليه ضَيعتَه وأَتَتْهُ الدنيا وهي صاغرة".
رواه البزار والطبراني -واللفظ له-، وابن حبان في "صحيحه". (2)
ورواه الترمذي أخصر من هذا، ويأتي لفظه في "الفراغ للعبادة" إنْ شاء الله [24 - الزهد/ 2].
(سَدَمه) بفتح السين والدال المهملتين، أي: همّه وما يحرص عليه ويلهج به.
وقوله: "شتت عليه ضَيْعَتَهُ" بفتح الضاد المعجمة؛ أي: فرَّق عليه حاله وصناعته وما هو مهتم به، وشعبه عليه.
__________
(2) لم أره عنده إلا من حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه الطبراني من حديث أنس لكن في "معجمه الأوسط" (5990) و (8882) بسندين في كل منهما متروك، وفي إسناد البزار إسماعيل ابن مسلم المكي، وهو ضعيف كما في "المجمع" (10/ 247). وقد مضى في (3 - العلم/ 3)، وسيأتي (24 - التوبة/ 2).

===========================





[1] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (9 / 62)
ومعنى هذا الحديث : أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح ، هو غنى النفس ، وبيانه : أنه إذا استغنت نفسه كفّت عن المطامع ، فعزّت وعظمت ، فجعل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيًا بماله ، فقيرًا بحرصه وشرهه ، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور ، وخسائس الأفعال ، لبخله ودناءة همّته ، فيكثر ذامُّه من الناس ، ويصغر قدره فيهم ؛ فيكون أحقر من كل حقير ، وأذل من كل صغير .
[2] وفي المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 267) للزيداني :
واعلم أن ما آتى الله رسولَه غير القرآن على أنواع:
أحدها: ما آتاه ليلة المعراج من غير واسطة مَلَكٍ.
والثاني: ما ألهمه.
والثالث: ما رآه في المنام.
والرابع: ما ينفثُ جبريل عليه السلام في رُوْعِه.
والنَّفْثُ: النَّفْخُ، الرُّوع: القلب، كما قال عليه السلام: "إنَّ جبريلَ نَفَثَ في رُوعي".
[3] وفي طرح التثريب في شرح التقريب (4/ 182) لولي الدين العراقي :
"وَقَدْ جَمَعَهَا الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ السُّهَيْلِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا السَّابِعَ وَغَايَرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مِمَّا تَقَدَّمَ هُمَا وَاحِدٌ فَجَاءَتْ سَبْعَةٌ مَعَ إسْقَاطِهِ، فَقَالَ السَّادِسَةُ مَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ وَهُوَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، السَّابِعَةُ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةِ مَلَكٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ ثَابِتَةٌ لِمُوسَى قَطْعًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَثُبُوتُهَا لِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هُوَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ انْتَهَى.
فَإِنْ أَرَادَ مَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ وَكِلَاهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِنْ أَرَادَ وَحْيَ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي بَعْدَهَا كَمَا قَدَّمْته ثُمَّ قَالَ وَزَادَ بَعْضُهُمْ مَرْتَبَةً." اهـ

Tidak ada komentar:

Posting Komentar