الحديث
الثامن : علاج الوسوسة في الْإِيمَانِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَأْتِي
الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى
يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّه،
وَلْيَنْتَهِ".
[أخرجه: البخاري في
"صحيحه" (رقم: 3276)، ومسلم في "صحيحه" رقم: 134 بعد 214]
وفي لفظ "فليقل: آمنت
بالله ورسله"2 متفق عليه.
[أخرجه: مسلم في
"صحيحه" (رقم: 134 بعد 214)]
وَفِي لَفْظٍ "لَا
يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يقولون: من خلق الله؟ "3.
قال السعدي _رحمه الله_ في بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط
الرشد (ص : 27) :
"احتوى هذا الحديث على أنه لا بد أن يلقي الشيطان هذا الإيراد
الباطل: إما وسوسة محضة، أو على لسان شياطين الإنس وملاحدتهم.
وقد وقع كما أخبر، فإن الأمرين وقعا، لا يزال الشيطان يدفع إلى
قلوب من ليست لهم بصيرة هذا السؤال الباطل،
ولا يزال أهل الإلحاد يلقون هذه الشبهة التي هي أبطل الشبه،
ويتكلمون عن العلل وعن مواد العالم بكلام سخيف معروف.
وقد أرشد النبي _صلّى الله عليه وسلم_ في هذا الحديث العظيم إلى
دفع هذا السؤال بأمور ثلاثة : بالانتهاء، والتعوذ من الشيطان، وبالإيمان.
· أما الانتهاء - وهو الأمر
الأول - :
فإن الله تعالى جعل للأفكار والعقول حداً تنتهي إليه، ولا تتجاوزه.
ويستحيل لو حاولت مجاوزته أن تستطيع، لأنه محال، ومحاولة المحال من الباطل
والسفه،
ومن أمحل المحال التسلسل في المؤثرين والفاعلين.
فإن المخلوقات لها ابتداء، ولها انتهاء. وقد تتسلسل في كثير من
أمورها حتى تنتهي إلى الله الذي أوجدها وأوجد ما فيها من الصفات والمواد
والعناصر
{وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهَى} [النجم:42] , فإذا وصلت العقول
إلى الله تعالى وقفت وانتهت، فإنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس___بعده شيء.
فأوّليته تعالى لا مبتدأ لها مهما فرضت
الأزمان والأحوال. وهو الذي أوجد الأزمان والأحوال والعقول التي هي بعض قوى
الإنسان.
فكيف يحاول العقل أن يتشبث في إيراد هذا
السؤال الباطل. فالفرض عليه المحتم في هذه الحال: الوقوف، والانتهاء.
الأمر الثاني : التعوذ بالله من الشيطان.
فإن هذا من وساوسه وإلقائه في القلوب؛ ليشكك
الناس في الإيمان بربهم.
فعلى العبد إذا وجد ذلك : أن يستعيذ بالله
منه، فمن تعوذ بالله بصدق وقوة أعاذه الله وطرد عنه الشيطان، واضمحلت وساوسه
الباطلة.
الأمر الثالث : أن يدفعه بما يضاده من الإيمان
بالله ورسله،
فإن الله ورسله أخبروا بأنه تعالى الأول الذي
ليس قبله شيء، وأنه تعالى المتفرد بالوحدانية، وبالخلق والإيجاد للموجودات
السابقة واللاحقة.
فهذا الإيمان الصحيح الصادق اليقيني يدفع
جميع ما يضاده من الشبه المنافية له، فإن الحق يدفع الباطل. والشكوك لا تعارض
اليقين.
فهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها النبي صلّى
الله عليه وسلم تبطل هذه الشبه التي لا تزال على ألسنة الملاحدة، يلقونها
بعبارات متنوعة.
فأمر بالانتهاء الذي
يبطل التسلسل الباطل، وبالتعوذ من الشيطان الذي هو
الملقي لهذه الشبهة، وبالإيمان الصحيح
الذي يدفع كل ما يضاده من الباطل. والحمد لله،
فبالانتهاء : قطع الشر مباشرة. وبالاستعاذة :
قطع السبب الداعي إلى الشر. وبالإيمان اللجأ والاعتصام بالاعتقاد الصحيح اليقيني
الذي يدفع كل معارض.
وهذه الأمور الثلاثة هي جُمَّاعُ الأسبابِ
الدافعةِ لكلِّ شبهةٍ تُعارِضُ الإيمان.
فينبغي العناية بها في كل ما عرض للإيمان من
شبهة واشتباه يدفعه العبد مباشرة بالبراهين الدالة على إبطاله، وبإثبات ضده وهو
الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، وبالتعوذ بالله من الشيطان الذي يدفع إلى القلوب
فتَنَ الشبهاتِ، وفتن الشهواتِ، ليزلزل إيمانهم، ويوقعهم بأنواع المعاصي.
فبالصبر واليقين : ينال العبد السلامة من فتن
الشهوات، ومن فتن الشبهات. والله هو الموفق الحافظ.
|
فيض القدير (2/ 353) للمناوي :
"فإذا
لجأ الإنسان إلى الله في دفعه اندفع بخلاف ما لو اعترض إنسان بذلك فإنه يمكن قطعه
بالبرهان. والفرق أن الآدمي يقع منه سؤال وجواب والحال معه محصور بخلاف الشيطان
كلما ألزم حجة زاغ لغيرها." اهـ
السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير (2/ 41_42) // المؤلف : علي بن أحمد العزيزي :
وفي رواية للبخاري : ((فليستعذ بالله ولينته))
أي : عن الاسترسال معه في ذلك ويلجأ إلى الله في دفعه ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة،
فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها وهذا بخلاف ما لو تعرض إليه أحد من البشر بذلك فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان لأن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور
وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها إلى أن يفضي بالأمر إلى الحيرة نعوذ بالله من ذلك،
على أن قوله "من خلق ربك" تهافت ينقض آخره أوله لأن الخالق مستحيل___أن يكون مخلوقاً ثم لو كان السؤال متجهاً لاستلزم التسلسل وهو محال وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث فلو كان هو مفتقراً إلى محدث لكان من المحدثات
التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 490) للأمير الصنعاني :
"تدرج
من الحق إلى الباطل، وفيه دليل أن من شأن المبطل أن يلبس الحق بالباطل وأنه يستدرج
العبد فيأتيه بما يعرفه ثم يأتيه بما لا يعرفه، ليوقعه في المحارة. اهـ
التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 490)
(آمنت
بما جاء به عن الله)
وفيه
: دليل أنه يكفي العبد الإيمان الجملي وأنه يكفيه في رد التشكيك الإقرار بالإيمان
بالله، وأنه لم يجوز الدليل على رد ما يقدح في نفسه، وقد رد على المتكلمين
القائلين بأنه: لا يتم إيمان العبد حتى يحوز على الأدلة الكلامية ويقررها.
تلبيس
إبليس (ص: 343)
الباب
الثاني عشر: فِي ذكر تلبيس إبليس عَلَى العوام.
قد
بينا أن إبليس إنما يقوى تلبيسه عَلَى قدر قوة الجهل وَقَدْ أفتن فيما فتن به
العوام وحضر مَا فتنهم ولبس عليهم فيه لا يمكن ذكره لكثرته،
وإنما نذكر من الأمهات
مَا يستدل به عَلَى جنسه، وَاللَّه الموفق. فمن ذلك أنه يأتي إِلَى العامي فيحمله
عَلَى التفكر فِي ذات اللَّه _عز وجل وصفاته_ فيتشكك
تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 570_572)
قَالَ
الْفَقِيهُ _رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ_ :
"إِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ
يَنَالَ فَضْلَ التَّفَكُّرِ، فَلْيَتَفَكَّرَ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ :
أَوَّلُهَا: فِي الْآيَاتِ
وَالْعَلَامَاتِ، وَالثَّانِي: فِي الْآلَاءِ
وَالنَّعْمَاءِ،____وَالثَّالِثُ: فِي ثَوَابِهِ، وَالرَّابِعُ: فِي عَقْلِهِ، وَالْخَامِسُ:
فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَجَفَائِهِ لَهُ،
فَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ : فَأَنْ
يَنْظُرَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَغُرُوبِهَا
فِي مَغْرِبِهَا، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفِي خَلْقِ نَفْسِهِ
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ {20} وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20-21]
فَإِذَا
تَفَكَّرَ الْعَبْدُ فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ يَزِيدُ بِهِ يَقِينًا
وَمَعْرِفَةً
* وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ :
فَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى...
قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]
،
فَإِذَا
تَفَكَّرَ الْإِنْسَانُ فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ يَزِيدُ الْمَحَبَّةَ،
* وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي ثَوَابِهِ : فَهُوَ
أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ، فِي
الْجَنَّةِ مِنَ الْكَرَامَاتِ،
فَإِنَّ
التَّفَكُّرَ فِي ثَوَابِهِ يَزِيدُهُ رَغْبَةً فِيهَا، وَاجْتِهَادًا فِي
طَلَبِهَا، وَقُوَّةً فِي طَاعَةِ رَبِّهِ،
* وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي عِقَابِهِ : فَهُوَ
أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ فِي النَّارِ مِنَ
الْهَوَانِ، وَالْعُقُوبَةِ، وَالنَّكَالِ،
فَإِنَّ
التَّفَكُّرَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُهُ رَهْبَةً، وَيَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى
الِامْتِنَاعِ مِنَ الْمَعَاصِي
* وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ : فَهُوَ
أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي إِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَا سَتَرَ عَلَيْهِ
مِنْ ذُنُوبِهِ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ بِهَا، وَدَعَاهُ إِلَى التَّوْبَةِ،
وَيَنْظُرُ فِي جَفَاءِ نَفْسِهِ كَيْفَ تَرَكَ____أَوَامِرَهُ، وَارْتَكَبَ
مَعَاصِيهِ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ الْحَيَاءَ
وَالْخَجَلَ." اهـ
31/12/2018
Tidak ada komentar:
Posting Komentar