Kamis, 08 November 2018

هول الموت وشدته



وَذُكِرَ عَنْ أَبِي حَامِدٍ اللّفافِ أَنَّهُ قَالَ :
"مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ :
* تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ،
* وَقَنَاعَةِ الْقُوتِ،
* وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ،
وَمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ، عُوقِبَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ :
تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ وَتَرْكِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ وَالتَّكَاسُلِ فِي الْعِبَادَةِ."

وَذُكِرَ أَنَّ _عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ_ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ _تَعَالَى_،
فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْكَفَرَةِ : "إِنَّكَ قَدْ أَحْيَيْتَ مَنْ كَانَ حَدِيثَ الْمَوْتِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَيِّتًا، فَأَحْيِي لَنَا مَنْ مَاتَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ"،
فَقَالَ لَهُمُ : اخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ،
فَقَالُوا : "أَحْيِ لَنَا سَامَ بْنَ نُوحٍ"،
فَجَاءَ إِلَى قَبْرِهِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَدَعَا اللَّهَ _تَعَالَى_، فَأَحْيَا اللَّهُ سَامَ بْنَ نُوحٍ، فَإِذَا رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ قَدِ ابْيَضَّتَا"،
فَقِيلَ: "مَا هَذَا؟ فَإِنَّ الشَّيْبَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِكَ."
قَالَ: "سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَظَنَنْتُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، فَشَابَ شَعْرُ رَأْسِي وَلِحْيَتِي مِنَ الْهَيْبَةِ"،
فَقِيلَ : مُنْذُ كَمْ أَنْتَ مَيِّتٌ؟ قَالَ : "مُنْذُ أَرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ، وَمَا ذَهَبَتْ عَنِّي سَكَرَاتُ الْمَوْتِ."

وَيُقَالُ : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ إِلَّا وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الدُّنْيَا فَيَكْرَهُ لِمَا لَقِيَ مِنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ، إِلَّا الشُّهَدَاءَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا شِدَّةَ فَيَتَمَنَّوْنَ الرُّجُوعَ لِكَيْ يُقَاتِلُوا ثَانِيًا، فَيُقْتَلُوا ثَانِيًا. .

وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : لَوْ جَلَسْتَ حَتَّى نَسْمَعَ مِنْكَ شَيْئًا، فَقَالَ: إِنِّي مَشْغُولٌ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ فَلَوْ فَرَغْتُ مِنْهَا لَجَلَسْتُ مَعَكُمْ،
قِيلَ: وَمَا هِيَ؟
قَالَ :
"أَوَّلُهَا : أَنِّي تَفَكَّرْتُ يَوْمَ الْمِيثَاقِ حِينَ أُخِذَ الْمِيثَاقُ مِنْ بَنِي آدَمَ،
قَالَ اللَّهُ _تَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ_ : "هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا أُبَالِي. وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ، وَلَا أُبَالِي."
فَلَمْ أَدْرِ مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُنْتُ أَنَا،
وَالثَّانِي : تَفَكَّرْتُ بِأَنَّ الْوَلَدِ إِذَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ،
فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ : "يَا رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ"، فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ خَرَجَ جَوَابِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَالثَّالِثُ : حِينَ يَنْزِلُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَ رُوحِي
فَيَقُولُ : "يَا رَبِّ أَمَعَ الْمُسْلِمينَ أَمْ مَعَ الْكَافِرِينَ".
فَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَخْرُجُ جَوَابِي،
وَالرَّابِعُ : تَفَكَّرْتُ فِي قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] ، فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكُونُ.
طُوبَى لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ الْفَهْمَ، وَأَيْقَظَهُ مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ، وَوَفَّقَهُ لِلتَّفْكِيرِ فِي أَمْرِ خَاتِمَتِهِ،
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ خَاتِمَتَنَا فِي خَيْرٍ، وَيَجْعَلَ خَاتِمَتَنَا مَعَ الْبِشَارَةِ،
فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَهُ بِشَارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ مَوْتِهِ
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] ، يَعْنِي آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَثَبَتُوا عَلَى الْإِيمَانِ.
وَيُقَالُ : (ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، يَعْنِي : أَدَّوُا الْفَرَائِضَ، وَنَهَوْا عَنِ الْمَحَارِمِ.

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى_: يَعْنِي اسْتَقَامُوا أَفْعَالًا كَمَا اسْتَقَامُوا أَقْوَالًا،
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَقَامُوا عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ.
يَعْنِي عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَاسْتَقَامُوا.
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ الْمَلَائِكَةُ بِالْبِشَارَةِ أَنْ لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا يَعْنِي يَقُولُونَ لَهُمْ لَا تَخَافُوا، مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا
(وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، يَعْنِي الْجَنَّةَ الَّتِي وَعَدَكُمُ اللَّهُ بِهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَيُقَالُ: الْبِشَارَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ :
أَوَّلُهَا : لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنينَ، يُقَالُ لَهُمْ: لَا تَخَافُوا تَأْبِيدَ الْعَذَابِ، يَعْنِي لَا تَبْقُونَ فِي الْعَذَابِ أَبَدًا، وَيَشْفَعُ لَكُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى فَوَاتِ الثَّوَابِ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ، يَعْنِي مَرْجِعُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَالثَّانِي : لِلْمُخْلِصِينَ، يُقَالُ لَهُمْ: لَا تَخَافُوا رَدَّ أَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ مَقْبُولَةٌ، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى فَوْتِ الثَّوَابِ، فَإِنَّ لَكُمْ ثَوَابًا مُضَاعَفًا، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وَالثَّالِثُ: لِلتَّائِبِينَ يُقَالُ لَهُمْ: لَا تَخَافُوا مِنَ ذُنُوبِكُمْ فَإِنَّهَا مَغْفُورَةٌ لَكُمْ، وَلَا تَحْزَنُوا مِنْ نُقْصَانِ الْأَضْعَافِ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.
والرابع : للزهاد. يقال لهم : "لا تخافوا الحشر والحساب، ولا تحزنوا من نقصان الأضعاف، وأبشروا بالجنة بلا حساب ولا عذاب.
وَالْخَامِسُ: لِلْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَعَمِلُوا بِالْعِلْمِ يُقَالُ لَهُمْ لَا تَخَافُوا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا تَحْزَنُوا فَإِنَّهُ يَجْزِيكُمْ بِمَا عَمِلْتُمْ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ لَكُمْ وَلِمَنِ اقْتَدَى بِكُمْ، وَطُوبَى لِمَنْ كَانَ آخِرُ أَمْرِهِ الْبِشَارَةَ،
فَإِنَّمَا تَكُونُ الْبِشَارَةُ لِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مُحْسِنًا فِي عَمَلِهِ، فَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ،
فَيَقُولُونَ : (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ)، يَعْنِي حَفَظَتُكُمُ الَّذِينَ كَنَّا نَكْتُبُ أَعْمَالَكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَنَبَّهَ مِنْ رَقْدَةِ الْغَفْلَةِ.

وَعَلَامَةُ مَنِ انْتَبَهَ مِنْ رَقْدَةِ الْغَفْلَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا : أَنْ يُدَبِّرَ أَمْرَ الدُّنْيَا بِالْقَنَاعَةِ وَالتَّسْوِيفِ.
وَالثَّانِي : أَنْ يُدَبِّرَ أَمْرَ الْآخِرَةِ بِالْحِرْص وَالتَّعْجِيلِ.
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُدَبِّرَ أَمْرَ الدِّينِ بِالْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ.
وَالرَّابِعُ : أَنْ يُدَبِّرَ أَمْرَ الْخُلُقِ بِالنَّصِيحَةِ وَالْمُدَارَاةِ.

وَيُقَالُ : أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ كَانَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ:
أَوَّلُهَا : أَنْ يَكُونَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ مُقْبِلًا.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَفْعُهُ لِلْخَلْقِ ظَاهِرًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ آمِنِينَ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ آيِسًا.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْتِ مُسْتَعِدًّا.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّا خُلِقْنَا لِلْمَوْتِ وَلَا مَهْرَبَ مِنْهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] ، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} [الأحزاب: 16] ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {94} وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 94 - 95] ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الصَّادِقَ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ، وَأَنَّ الْكَاذِبَ يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ، مِنْ سُوءِ عَمَلِهِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلْمَوْتِ فَهُوَ يَتَمَنَّاهُ اشْتِيَاقًا إِلَى رَبِّهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ , أَنَّهُ قَالَ: أُحِبُّ الْفَقْرَ تَوَاضُعًا لِرَبِّي، وَأُحِبُّ الْمَرَضَ تَكْفِيرًا لِلْخَطَايَا، وَأُحِبُّ الْمَوْتَ اشْتِيَاقًا إِلَى رَبِّي. . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ نَفْسٍ بَارَّةٍ أَوْ فَاجِرَةٍ إِلَّا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا فَإِنْ كَانَتْ بَارَّةً فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] آلَ عِمْرَانَ، وَإِنْ كَانَتْ فَاجِرَةً فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] .


Tidak ada komentar:

Posting Komentar