[مقدمة الؤلف أبي زكريا النووي _رحمه الله_]
بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمْدُ للهِ الواحدِ
القَهَّارِ, العَزيزِ الغَفَّارِ, مُكَوِّرِ اللَّيْلِ على النَّهَارِ, تَذْكِرَةً
لأُولي القُلُوبِ والأَبصَارِ, وتَبْصرَةً لِذَوي الأَلبَابِ واَلاعتِبَارِ,
الَّذي أَيقَظَ مِنْ خَلْقهِ مَنِ اصطَفاهُ فَزَهَّدَهُمْ في هذهِ الدَّارِ,
وشَغَلهُمْ بمُراقبَتِهِ وَإِدَامَةِ الأَفكارِ, ومُلازَمَةِ الاتِّعَاظِ
والادِّكَارِ, ووَفَّقَهُمْ للدَّأْبِ في طاعَتِهِ, والتّأهُّبِ لِدَارِ القَرارِ,
والْحَذَرِ مِمّا يُسْخِطُهُ ويُوجِبُ دَارَ البَوَارِ, والمُحافَظَةِ على ذلِكَ
مَعَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ والأَطْوَارِ. أَحْمَدُهُ أَبلَغَ حمدٍ وأَزكَاهُ,
وَأَشمَلَهُ وأَنْمَاهُ.
وأَشْهَدُ أَنْ لا
إِلَهَ إِلا اللهُ البَرُّ الكَرِيمُ, الرؤُوفُ الرَّحيمُ, وأشهَدُ أَنَّ مُحمّداً
عَبدُهُ ورَسُولُهُ, وحبِيبُهُ وخلِيلُهُ, الهَادِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ,
والدَّاعِي إِلَى دِينٍ قَويمٍ, صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عَليهِ, وَعَلَى
سَائِرِ النَّبيِّينَ, وَآلِ كلٍّ, وسائر الصالحين.
أَما بعد :
فقد قال اللهُ تعالى :
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ
مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذريات56, 57]
وَهَذا تَصْريحٌ
بِأَنَّهُمْ خُلِقوا لِلعِبَادَةِ, فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا
خُلِقُوا لَهُ وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ[1]،
فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لاَ مَحَلُّ إخْلاَدٍ, وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لاَ مَنْزِلُ
حُبُورٍ, ومَشْرَعُ انْفصَامٍ لاَ مَوْطِنُ دَوَامٍ.
فلِهذا كَانَ
الأَيْقَاظُ مِنْ أَهْلِهَا هُمُ العبَّاد, وَأعْقَلُ النَّاسِ فيهَا هُمُ
الزُّهّادُ. قالَ اللهُ تعالى :
{إِنَّمَا مَثَلُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ
الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ
عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]
والآيات في هذا
المعنى كثيرةٌ.
ولقد أَحْسَنَ
القَائِلُ:
إِنَّ للهِ عِبَاداً
فُطَنَا ... طَلَّقُوا الدُّنْيَا وخَافُوا الفِتَنَا
نَظَروا فيهَا
فَلَمَّا عَلِمُوا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا
جَعَلُوها لُجَّةً
واتَّخَذُوا ... صَالِحَ الأعمال فيها سفنا
فإذا كَانَ حالُها ما
وصَفْتُهُ, وحالُنَا وَمَا خُلِقْنَا لَهُ مَا قَدَّمْتُهُ, فَحَقٌّ عَلَى
الْمُكلَّفِ أَنْ يَذْهَبَ بنفسِهِ مَذْهَبَ الأَخْيارِ , وَيَسلُكَ مَسْلَكَ
أُولي النُّهَى وَالأَبْصَارِ , وَيَتَأهَّبَ لِمَا أشَرْتُ إليهِ, ويهتم بما
نَبَّهتُ عليهِ. وأَصْوَبُ طريقٍ لهُ في ذَلِكَ, وَأَرشَدُ مَا يَسْلُكُهُ مِنَ
المسَالِكِ: التَّأَدُّبُ بمَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا سَيِّدِ الأَوَّلينَ
والآخرينَ , وَأَكْرَمِ السَّابقينَ والَّلاحِقينَ. صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ
عَلَيهِ وَعَلى سَائِرِ النَّبيِّينَ.
وقدْ قالَ اللهُ
تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]
وقد صَحَّ عَنْ رسولِ
الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: " واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا
كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ"[2]
وَأَنَّهُ قالَ:
" مَنْ دلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ"[3]
وأَنَّهُ قالَ:
"مَنْ دَعَا إِلى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تبعهُ
لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئاً."[4]
وأَنَّهُ قالَ
لِعَليٍّ رضي الله عنه: "فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلاً
وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ".[5]
فَرَأَيتُ أَنْ
أَجْمَعَ مُخْتَصَراً منَ الأحاديثِ الصَّحيحَةِ, مشْتَمِلاً عَلَى مَا يكُونُ
طريقاً لِصَاحبهِ إِلى الآخِرَةِ , ومُحَصِّلاً لآدَابِهِ البَاطِنَةِ
وَالظَاهِرَةِ, جَامِعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين : من أحاديث
الزهد , ورياضات النُّفُوسِ , وتَهْذِيبِ الأَخْلاقِ, وطَهَارَاتِ القُلوبِ
وَعِلاجِهَا, وصِيانَةِ الجَوَارحِ وَإِزَالَةِ اعْوِجَاجِهَا, وغَيرِ ذلِكَ مِنْ
مَقَاصِدِ الْعارفِينَ.
وَألتَزِمُ فيهِ أَنْ
لا أَذْكُرَ إلاّ حَدِيثاً صَحِيحاً مِنَ الْوَاضِحَاتِ, مُضَافاً إِلى الْكُتُبِ
الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُوراتِ, وأُصَدِّر الأَبْوَابَ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ
بِآياتٍ كَرِيماتٍ, وَأَوشِّحَ مَا يَحْتَاجُ إِلى ضَبْطٍ أَوْ شَرْحِ مَعْنىً
خَفِيٍّ بِنَفَائِسَ مِنَ التَّنْبِيهاتِ. وإِذا قُلْتُ في آخِرِ حَدِيث:
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ, فمعناه: رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وَأَرجُو إنْ تَمَّ
هذَا الْكِتَابُ أنْ يَكُونَ سَائِقاً للمُعْتَنِي بِهِ إِلى الْخَيْرَاتِ,
حَاجزاً لَهُ عَنْ أنْواعِ الْقَبَائِحِ والْمُهْلِكَاتِ.
وأَنَا سائلٌ أخاً
انْتَفعَ بِشيءٍ مِنْهُ أنْ يَدْعُوَ لِي , وَلِوَالِدَيَّ, وَمَشَايخي, وَسَائِرِ
أَحْبَابِنَا, وَالمُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ, وعَلَى اللهِ الكَريمِ اعْتِمادي,
وَإِلَيْهِ تَفْويضي وَاسْتِنَادي, وَحَسبِيَ الله ونعم الوكيل, ولا حول ولا قوة
إلا بالله العزيز الحكيم.
بسم الله
الرحمن الرحيم
1_باب
الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية
تفسير ابن كثير، ت. سامي
(1/ 385) :
"إِنَّ
لِلْعَمَلِ الْمُتَقَبَّلِ شَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا :
أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالْآخَرُ
: أَنْ يَكُونَ صَوَابًا مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ.
فَمَتَى كَانَ
خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُتَقَبَّلْ؛ وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ :
"مَنْ عَمِلَ
عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ
حَدِيثِ عَائِشَةَ، عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ." اهـ
ورحم الله
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ _رحمه
الله_ إذ يقول :
"وددت أنه لو
كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد
للتدريس في أعمال النيات ليس إلّا، فانه ما أُتىَ على كثير من الناس إلا من تضييع
ذلك". أ.هـ المدخل لابن الحاج (1/ 6)
تعريف
الإخلاص :
·
قال
العز بن عبد السلام _رحمه الله_ في "قواعد
الأحكام في مصالح الأنام" (1/ 146) :
"الْإِخْلَاصُ أَنْ يَفْعَلَ
الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمًا
مِنْ النَّاسِ وَلَا تَوْقِيرًا، وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ دِينِيٍّ، وَلَا دَفْعَ
ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَهُ رُتَبٌ:
* مِنْهَا أَنْ
يَفْعَلَهَا خَوْفًا مِنْ عَذَابٍ
* وَمِنْهَا أَنْ
يَفْعَلَهَا تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَمَهَابَةً وَانْقِيَادًا وَإِجَابَةً، وَلَا
يَخْطِرُ لَهُ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ، بَلْ يَعْبُدُ مَوْلَاهُ كَأَنَّهُ
يَرَاهُ، وَإِذَا رَآهُ غَابَتْ عَنْهُ الْأَكْوَانُ كُلُّهَا وَانْقَطَعَتْ
الْأَعْرَاضُ بِأَسْرِهَا
وَأُمِرَ الْعَابِدُ
أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْدِيرِ
نَظَرِهِ إلَى اللَّهِ، فَلْيُقَدِّرْ أَنَّ اللَّهَ نَاظِرٌ إلَيْهِ، وَمُطَّلِعٌ
عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ مِنْهُ وَالْخَوْفِ
وَالْمَهَابَةِ
وَهَذَا مَعْلُومٌ
بِالْعِبَادَاتِ أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعُظَمَاءِ يُوجِبُ مَهَابَتَهُمْ
وَإِجْلَالَهُمْ وَالْأَدَبَ مَعَهُمْ إلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ، فَمَا الظَّنُّ
بِالنَّظَرِ إلَى رَبِّ السَّمَوَاتِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّرَ إنْسَانٌ فِي
نَفْسِهِ أَنَّ عَظِيمًا مِنْ الْعُظَمَاءِ نَاظِرٌ إلَيْهِ، وَمُطَّلِعٌ
عَلَيْهِ،___لَمْ يُتَصَوَّرْ لَأَنْ يَأْتِيَ بِرَذِيلَةٍ، وَأَنَّهُ يَتَزَيَّنُ
لَهُ بِمُلَابَسَةِ كُلِّ فَضِيلَةٍ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا جَمَعَ هَذَا
الْحَدِيثُ مِنْ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي عِيَادَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ." اهـ
* قال السوسي :
"الإخلاص فقد رؤية الإخلاص فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه
إلى إخلاص
وما ذكره إشارة إلى
تصفية العمل عن العجب بالفعل فإن الالتفات إلى الإخلاص والنظر إليه عجب وهو من
جملة الآفات
والخالص ما صفا عن
جميع الآفات فهذا تعرض لآفة واحد
* وقال سهل _رحمه
الله تعالى_ :
"الإخلاص أن
يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة."
وهذه كلمة جامعة
محيطة بالغرض، وفي معناه قول إبراهيم بن أدهم الإخلاص صدق النية مع الله تعالى
وقيل :
"هو تفريغ القلب لله" أي: صرف الانشغال عمّا سواه، وهذا كمال الإخلاص
لله تعالى." اهـ[6]
·
مجموع الفتاوى (18/ 260) لابن تيمية _رحمه الله_ :
"وَأَمَّا النِّيَّةُ الَّتِي هِيَ
إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي حَدِّهَا وَحَدِّ
الْإِخْلَاصِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُخْلِصُ هُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي لَوْ
خَرَجَ كُلُّ قَدْرٍ لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ صَلَاحِ قَلْبِهِ مَعَ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَلَى مَثَاقِيلِ
الذَّرِّ مِنْ عَمَلِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ الْحَسَنِ." اهـ
·
وفي مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 91_92) لابن
القيم :
"وَقَدْ تَنَوَّعَتْ عِبَارَتُهُمْ فِي
الْإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ، وَالْقَصْدُ وَاحِدٌ.
فَقِيلَ: هُوَ
إِفْرَادُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِالْقَصْدِ فِي الطَّاعَةِ.
وَقِيلَ: تَصْفِيَةُ
الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ.
وَقِيلَ: التَّوَقِّي
مِنْ مُلَاحَظَةِ الْخَلْقِ حَتَّى عَنْ نَفْسِكَ. وَالصِّدْقُ التَّنَقِّي مِنْ
مُطَالَعَةِ النَّفْسِ. فَالْمُخْلِصُ لَا رِيَاءَ لَهُ، وَالصَّادِقُ لَا
إِعْجَابَ لَهُ. وَلَا يَتِمُّ الْإِخْلَاصُ إِلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا الصِّدْقُ
إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ. وَلَا يَتِمَّانِ إِلَّا بِالصَّبْرِ.
وَقِيلَ: مَنْ شَهِدَ
فِي إِخْلَاصِهِ الْإِخْلَاصَ، احْتَاجَ إِخْلَاصُهُ إِلَى إِخْلَاصٍ. فَنُقْصَانُ
كُلِّ مُخْلِصٍ فِي إِخْلَاصِهِ: بِقَدْرِ رُؤْيَةِ إِخْلَاصِهِ. فَإِذَا سَقَطَ
عَنْ نَفْسِهِ رُؤْيَةُ الْإِخْلَاصِ، صَارَ مُخْلِصًا مُخْلَصًا.
وَقِيلَ: الْإِخْلَاصُ
اسْتِوَاءُ أَعْمَالِ الْعَبْدِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَالرِّيَاءُ: أَنْ
يَكُونَ ظَاهِرَهُ خَيْرًا مِنْ بَاطِنِهِ. وَالصِّدْقُ فِي الْإِخْلَاصِ: أَنْ
يَكُونَ بَاطِنُهُ أَعْمَرَ مِنْ ظَاهِرِهِ.____
وَقِيلَ:
الْإِخْلَاصُ نِسْيَانُ رُؤْيَةِ الْخَلْقِ بِدَوَامِ النَّظَرِ إِلَى الْخَالِقِ.
وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ سَقَطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ.
وَمِنْ كَلَامِ
الْفُضَيْلِ: تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ: رِيَاءٌ. وَالْعَمَلُ مِنْ
أَجْلِ النَّاسِ: شِرْكٌ. وَالْإِخْلَاصُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا.
قَالَ الْجُنَيْدُ:
الْإِخْلَاصُ سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ. لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ
فَيَكْتُبُهُ، وَلَا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدُهُ. وَلَا هَوًى فَيُمِيلُهُ.
وَقِيلَ لِسَهْلٍ:
أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ؟ فَقَالَ: الْإِخْلَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ
لَهَا فِيهِ نَصِيبٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
الْإِخْلَاصُ أَنْ لَا تَطْلُبَ عَلَى عَمَلِكَ شَاهِدًا غَيْرَ اللَّهِ، وَلَا
مُجَازِيًا سِوَاهُ." اهـ كلام ابن قيم الجوزية _رحمه الله_
·
وفي مدارج السالكين (2/ 93) لابن القيم :
"قَالَ صَاحِبُ " الْمَنَازِلِ
"[7]
:
الْإِخْلَاصُ:
تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ.
أَيْ لَا يُمَازِجُ
عَمَلَهُ مَا يَشُوبُهُ مِنْ شَوَائِبَ إِرَادَاتِ النَّفْسِ إِمَّا طَلَبُ
التَّزَيُّنِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، وَإِمَّا طَلَبُ مَدْحِهِمْ، وَالْهَرَبُ
مِنْ ذَمِّهِمْ، أَوْ طَلَبُ تَعْظِيمِهِمْ، أَوْ طَلَبُ أَمْوَالِهِمْ أَوْ
خِدْمَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَقَضَائِهِمْ حَوَائِجَهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ
الْعِلَلِ وَالشَّوَائِبِ، الَّتِي عَقْدُ مُتَفَرِّقَاتِهَا هُوَ إِرَادَةُ مَا
سِوَى اللَّهِ بِعَمَلِهِ، كَائِنًا مَا كَانَ." اهـ
·
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :
"الإخلاص لله تعالى، معناه : أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله سبحانه
وتعالى والتوصل إلى دار كرامته" اهـ من مجموع فتاوى ورسائل إبن عثيمين (1/98)
·
وعرَّفَ المحدث عبد المحسن العباد الإخلاص بأنه :
"تصفية ما يُراد به ثواب الله ، وتجريده
من كُّل شائبة تُكدِرُ صفاءه وخلوصه له سبحانه." اهـ من مجلة الجامعة
الإسلامية العدد (02) رجب 1388هـ
======================
قال الإمام النووي مصنف
رياض الصالحين _رحمه الله_ أثناء إيراده بعض الآيات في الباب :
|
قَالَ
اللهُ تَعَالَى : {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ} [البينة (5) ] |
·
جامع البيان ت شاكر
(24/ 541) للطبري :
"يقول تعالى ذكره: وما أمر الله هؤلاء اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب (إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين) يقول: مفردين له الطاعة، لا يخلطون طاعتَهم ربَّهُمْ بشِرْكٍ،
فأشركت
اليهود بربها بقولهم (إن عُزَيرا ابن الله)، والنصارى بقولهم في المسيح مثل ذلك،
وجحودِهِمْ نبوةَ محمدٍ _صلى الله عليه وسلم_." اهـ
·
الجامع لأحكام القرآن
للقرطبي (20/ 144) :
"(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَيِ الْعِبَادَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) [الزمر: 11].
وَفِي
هَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ مِنْ
عَمَلِ الْقَلْبِ وَهُوَ الَّذِي يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لَا
غَيْرِهِ." اهـ
·
مجموع الفتاوى (10/
49_50) لابن تيمية :
"إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ هُوَ الدِّينُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ سِوَاهُ وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ الرُّسُلِ وَأَنْزَلَ بِهِ جَمِيعَ الْكُتُبِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ،
وَهَذَا هُوَ خُلَاصَةُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهُوَ قُطْبُ الْقُرْآنِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَاهُ. قَالَ تَعَالَى :
{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}
وَالسُّورَةُ
كُلُّهَا عَامَّتُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ : {قُلْ إنِّي أُمِرْتُ
أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ
أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} إلَى قَوْلِهِ:___{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ
دِينِي}." اهـ كلام شيخ الإسلام _رحمه الله_
======================
|
وَقالَ
تَعَالَى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ
التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج (37) ] . |
·
زاد المسير في علم
التفسير - (4 / 385) لابن الجوزي :
"سبب نزولها : أن
المشركين كانوا إِذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ينضحون بها نحو الكعبة ، فأراد
المسلمون أن يفعلوا ذلك ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .
قال المفسرون : ومعنى
الآية : لن تُرفع إِلى الله لحومُها ولا دماؤها ، وإِنما يُرفع إِليه التقوى؛ وهو
ما أُرِيدَ به وجهُه منكم." اهـ
·
تفسير السمرقندي =
بحر العلوم (2/ 461) لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي :
"قوله عز وجل:
((لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها))،
وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا إذا نحروا البدن عند زمزمَ، أخذوا دماءها، ولطخوا بها حول الكعبة، وعلقوا لحومها بالبيت، وقالوا : "اللهم تقبل منا."
فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك،
فنزل : (لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها)، يعني: لن يصل إلى الله عز وجل
لحومها ولا دماؤها. وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ، أي يصل إليه التقوى من
أعمالكم الزاكية والنية الخالصة." اهــ
·
زاد المسير في علم
التفسير (3/ 239) لابن الجوزي :
"والإِشارة بهذه
الآية إِلى أنه لا يقبل اللحوم والدِّماء إِذا لم تكن صادرة عن تقوى الله، وإِنما
يتقبل ما يتقونه به، وهذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إِذا عريت عن نيَّةٍ
صحيحة." اهـ
======================
|
وَقالَ
تَعَالَى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ
اللَّهُ} [آل عمران (29)] |
"يُخْبِرُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ
وَالظَّوَاهِرَ، وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، بَلْ علمه
محيط بهم في سائر الأحوال والآناث واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات
وَالْأَرْضِ،
لَا يَغِيبُ عَنْهُ
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ
وَالْبِحَارِ وَالْجِبَالِ، وَهُوَ {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أَيْ: قُدْرَتُهُ
نَافِذَةٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ
مِنْهُ لِعِبَادِهِ عَلَى خَوْفِهِ وَخَشْيَتِهِ، وَأَلَّا يَرْتَكِبُوا مَا نَهَى
عَنْهُ وَمَا يَبْغضه مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَهُوَ
قَادِرٌ عَلَى مُعَاجَلَتِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وإنْ أَنْظَرَ مَنْ أَنْظَرَ
مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ يُمْهِلُ ثُمَّ يَأْخُذُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ."
اهـ
[1] الزهادة أو الزهد كلمة جامعة، وأحسن تعريفها : ما قاله شيخ
الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (11/ 28) :
"و(الزُّهْدُ
الْمَشْرُوعُ) : تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَأَمَّا كُلُّ
مَا يَسْتَعِينُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَلَيْسَ تَرْكُهُ مِنْ
الزُّهْدِ الْمَشْرُوعِ." اهـ
ونقل
هذا التعريف وأيده تلميذه البر الحافظ ابن قيم الجوزية _رحمه الله_ حيث قال في
"مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" (2/ 12) :
"وَسَمِعْتُ
شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ _قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ_ يَقُولُ :
(الزُّهْدُ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ. وَالْوَرَعُ تَرْكَ مَا
تَخَافُ ضَرَرُهُ فِي الْآخِرَةِ). وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ
فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَأَجْمَعِهَا." اهـ
[2] أخرجه مسلم (4/ 2074) (رقم : 2699)
[3] أخرجه : مسلم (3/ 1506) (رقم : 1893)
[4] أخرجه : مسلم (4/ 2060) (رقم : 2674)
[5] أخرجه : البخاري (4/ 47) (رقم : 2942)، ومسلم (4/ 1872) (رقم :
2406)
[6] إحياء علوم الدين (4/ 381) لأبي حامد _غفر الله الله له_.
[7] وهو الهروي.
[8] قال ابنن تيمية _رحمه الله_ في مجموع الفتاوى (18/ 262)
"وَالنِّيَّةُ مَحَلُّهَا
الْقَلْبُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ
بِلِسَانِهِ أَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ بِاتِّفَاقِهِمْ وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ
أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ غَلِطَ فِيهِ عَلَى
الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ
وَالْإِحْرَامِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِهَا كَلَامٌ فَظَنَّ بَعْضُ
الغالطين أَنَّهُ أَرَادَ التَّكَلُّمَ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ
التَّكْبِيرَ وَالنِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ
فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ ضَرُورَةً كَمَنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامًا
لِيَأْكُلَهُ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْأَكْلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ
وَكَذَلِكَ الرُّكُوبُ وَغَيْرُهُ؛ بَلْ لَوْ كَلَّفَ الْعِبَادَ أَنْ يَعْمَلُوا
عَمَلًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كُلِّفُوا مَا لَا يُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ
إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَعِلْمُهُ
سَابِقٌ إلَى قَلْبِهِ وَذَلِكَ هُوَ النِّيَّةُ
وَإِذَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ
أَنَّهُ يُرِيدُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فَلَا بُدَّ أَنْ
يَنْوِيَهُ إذَا عَلِمَهُ ضَرُورَةً
وَإِنَّمَا يَتَصَوَّرُ عَدَمَ
النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يُرِيدُ مِثْلَ مَنْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ
وَاغْتَسَلَ لِلنَّظَافَةِ أَوْ لِلتَّبَرُّدِ أَوْ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَ
غَيْرَهُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ لَا
يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَيُصْبِحُ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ."
اهـ

Tidak ada komentar:
Posting Komentar