Senin, 02 September 2019

الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك


1728 - (12) [صحيح لغيره] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"يا كعبُ بن عُجرة! إنَّهُ لا يدخلُ الجنَّة لَحْمٌ نبتَ مِنْ سُحتٍ".
رواه ابن حبان في "صحيحه" في حديث.

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (14/ 118)
وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها ، وعظم المحنة التي ابتلي بها ؛ إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت ، وأنواع الحرام والشبهات قد عمَّت ، فلا يكاد أحدٌ منَّا اليوم يتوصل إلى الحلال، ولا ينفك عن الشبهات . فإن الواحد منَّا - وإن اجتهد فيما يعمله - فكيف يعمل فيمن يعامله ، مع استرسال الناس في المحرمات والشبهات ، وقلَّة من يتقي ذلك من جميع الأصناف ، والطبقات ، مع ضرورة المخالطة ، والاحتياج للمعاملة .
وعلى هذا : فالخلاص بعيد ، والأمر شديد ، ولولا النهي عن القنوط واليأس ، لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس . لكنَّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرمات ، واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات ، فعفو الله تعالى مأمول ، وكرمه مرجوّ ، ولا ملجأ إلا هو ، ولا مفزع إلا إليه ، ولا استعانة إلا به ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم .


تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 456)
* وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا تَنْظُرَنَّ إِلَى زِيِّ أَهْلِ السُّوقِ فَإِنَّ تَحْتَ ثِيَابِهِمْ ذِئَابًا.
* وَقَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا : "إِيَّاكُمْ وَجِيرَانَ الْأَغْنِيَاءِ، وَقُرَّاءَ الْأَسْوَاقِ، وَعُلَمَاءَ الْأُمَرَاءِ."
* وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِمَالٍ _رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ_، أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ :
"يَا أَهْلَ السُّوقِ سُوقُكُمْ كَاسِدٌ، وَبَيْعُكُمْ فَاسِدٌ، وَجَارُكُمْ حَاسِدٌ، وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ."
* وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ _رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا_ أَنَّهُ قَالَ : "كَسْبُ الْحَلَالِ أَشَدُّ مِنْ نَقْلِ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ."
* وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ:
"مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ شَيْئًا أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ طَيِّبٍ يُنْفَقُ، وَأَخٍ يُسْكَنُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى السُّنَّةِ، وَمَا يَزْدَادُونَ إِلَّا قِلَّةً وَلَوْ وَجَدْنَا دِرْهَمًا مِنَ الْحَلَالِ، لَاسْتَشْفَيْنَا بِهِ مَرْضَانَا." اهـ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1899)
لِأَنَّهُ يُسْحِتُ الْبَرَكَةَ أَيْ يُذْهِبُهَا، وَأُسْنِدَ عَدَمُ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَى اللَّحْمِ لَا إِلَى صَاحِبِهِ إِشْعَارًا بِالْعِلِّيَّةِ، وَأَنَّهُ خَبِيثٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَدْخُلَ الطَّيِّبَ ; لِأَنَّ الْخَبِيثَ لِلْخَبِيثِ، وَلِذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ كَانَتِ النَّارُ)

فيض القدير (5/ 17)
هذا وعيد شديد يفيد أن أكل أموال الناس [ص:18] بالباطل من الكبائر
قال الذهبي: يدخل فيه المكاس وقاطع الطريق والسارق والخائن والزاني ومن استعار شيئا فجحده ومن طفف في وزن أو كيل ومن التقط مالا فلم يعرفه وأكله ولم يتملكه ومن باع شيئا فيه عيب فغطاه والمقامر ومخبر المشتري بالزائد هكذا عد هذه المذكورات من الكبائر مستدلا عليها بهذا الحديث ونحوه
============================

1729 - (13) [صحيح لغيره] وعن كعبِ بنِ عُجرَة رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"يا كعب بن عجرةَ! إنَّه لا يدخلُ الجنَّة لَحمٌ ودمٌ نَبَتا على سُحْتٍ؛ النارُ أوْلى بِه، يا كعب بن عجرة! الناسُ غادِيان، فغادٍ في فكَاكِ نفْسِه فمُعْتِقُها، وغادٍ موِبقُها".
رواه الترمذي، وابن حبان في "صحيحه" في حديث. ولفظ الترمذي:
"يا كعب بن عجرة! إنَّه لا يَرْبو لَحْمٌ نَبَت مِنْ سُحْتٍ؛ إلا كانتِ النارُ أوْلى بِه".
(السُّحت) بضم السين وإسكان الحاء وبضمهما أيضاً: هو الحرام، وقيل: هو الخبيث من المكاسب.

موارد الظمآن لدروس الزمان (4/ 127) السلمان :
وَإِيَّاكَ وَالْحِرْصَ عَلَى الدنيا، فإن الحِرصَ يَفْضَحُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكُنْ طَاهِرَ القلب نَقِيَّ الجسدِ من الذُنُوُبِ وَالخَطَايَا.
نَقِيّ اليَدينِ من المظالم، سَلِيمَ القلبِ مِن الْغِشِّ والمكرِ والخِيَانَةِ، خَالي الْبَطْنِ مِن الحَرَامِ، فَإِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ لحمٌ نَبتَ مِنْ سُحْتٍ.

الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 386)
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ صَرِيحُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
============================

1730 - (14) [صحيح لغيره] وعن أبي بكرِ الصديقِ رضي الله عنه عنِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"لا يدخُل الجنَّةَ جَسدٌ غُذِّيَ بحرامٍ".
رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي، وبعض أسانيدهم حسن.

1717 - (1) [حسن] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"إنَّ الله طيَّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّباً، وإنَّ الله أمَر المؤمنينَ بما أَمرَ به المرسَلينَ؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. ثمَّ ذَكر الرجلَ يُطيلُ السفَر أشْعَثَ أغْبرَ يَمُدُّ يديْه إلى السماءِ: يا ربِّ يا ربِّ! ومَطْعَمُه حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، ومَلْبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ، فأَنَّى يُسْتَجابُ لذلِكَ!؟ ".
رواه مسلم والترمذي.

فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله (ص: 55)
مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1 أنَّ من أسماء الله الطيِّب، ومعناه المنَزَّه عن النقائص، وأنَّ من صفاته الطيب؛ لأنَّ أسماء الله كلَّها مشتقَّة، وتدلُّ على صفات مشتقَّة منها.
2 أنَّ على المسلم أن يأتي بالطيب من الأعمال والمكاسب.
3 أنَّ الصدقة لا تُقبل إلاَّ من مال حلال، وقد ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" رواه مسلم (224) .
4 تفضُّل الله على عباده بالنِّعم، وأمْرهم بأن يأكلوا من الطيبات.
5 أنَّ أكل الحرام من أسباب عدم قبول الدعاء.
6 أنَّ من أسباب قبول الدعاء السفر، وكون الداعي أشعث أغبر.
7 أنَّ من أسباب قبوله أيضاً رفع اليدين بالدعاء.
8 أنَّ من أسبابه أيضاً التوسل بالأسماء.
9 أنَّ من أسبابه الإلحاح على الله فيه.

=============================
=============================

6 - (الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك (1) في الصدور).

1731 - (1) [صحيح] عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ رضي الله عنهما قال:
سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
"الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما مشْتَبَهاتٌ، لا يعْلَمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ، فَمَنِ اتَّقى الشبهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدينهِ وعِرْضِه، ومَنْ وقَع في الشبُهاتِ وقَعَ في الحرامِ، كالراعي يرعى حولَ الحِمى؛ يوشكُ أنْ يَرْتَع فيه، ألا وإنَّ لِكلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وإنَّ حِمى الله محارِمُه، ألا وإنَّ في الجَسدِ مُضْغةً إذا صَلَحتْ صلَحَ الجَسَدُ كلُّه، وإذا فَسدتْ فسدَ الجَسدُ كُلُّه، ألا وهيَ القلبُ".

رواه البخاري ومسلم، والترمذي (2)، ولفظه:
"الحَلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبين ذلك أمورٌ مَشْتَبَهاتٌ، لا يدْري كثيرٌ مِنَ الناسِ أمِنَ الحَلالِ هيَ أمْ مِنَ الحَرامِ؟ فَمَنْ تَرَكَها اسْتَبْرَأَ لِدينهِ وعِرْضِه، وقد (3) سَلِمَ، ومَنْ واقَعَ شيْئاً منها يوشِكُ أنْ يواقعَ الحَرامَ، كما أنَّه مَنْ يَرْعى حوْل الحِمى يوشِكُ أنْ يواقِعَهُ، ألا وإنَّ لِكُلِّ ملِكٍ حِمىً، ألا وإنَّ حِمى الله محارِمُه".
وأبو داود باختصار، وابن ماجه.

[صحيح] وفي رواية لأبي داود والنسائي؛ أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"إنَّ الحَلال بَيِّنٌ، والحرامَ بَيِّنٌ، وبينَهُما أمورٌ مَشْتَبَهاتٌ، وسأضْرِب لكم في ذلك مَثَلاً؛ إنَّ الله حَمَى حِمىً، وإنَّ حِمى الله ما حَرَّمَ، وإنَّه منْ يَرتَع حولَ الحمى يوشكُ أنْ يخالِطَهُ، وإنَّ مَنْ يخالِطُ الريبةَ يوشِكُ أنْ يَجْسُر".
وفي رواية للبخاري (4) والنسائي:
"الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهُما أمورٌ مُشَبَّهةٌ، فمْن تَركَ ما شُبِّه عليه مِنَ الإِثْمِ؛ كان لِما اسْتَبانَ أتْرَكَ، ومَنِ اجْترأَ على ما يُشَكُّ فيهِ مِنَ الإثْمِ؛ أوْشَكَ أنْ يواقعَ ما اسْتَبانَ، والمعاصِي حِمى الله، ومَنْ يَرتَعْ حوْلَ الحِمى؛ يوشِك أَنْ يواقِعَهُ".
__________
(1) كذا قال: (يحوك) بالواو، وخطأه الناجي، ولم يظهر لي، لأن مصدره: حوكاً وحياكاً وحياكةً، واوية يائية كما في "القاموس" وغيره، والمعنى: أثر ورسخ كما في "النهاية".
(2) قلت: في إسناده مجالد بن سعيد، وفيه ضعف، وكأنَّه رواه بالمعنى، وقد تابعه عنه زكريا بن أبي زائدة، ولكنَّه لم يسقْ لفظه، وقد ساقه الشيخان من طريقه، وهو الذي قبله، والسياق لمسلم، فلو أنَّ المؤلف قال: "ولفظ مسلم في رواية" لكان أدق وأقرب إلى التعبير عن الواقع.
(3) الأصل: "فقد"، والتصويب من "الترمذي"، وقد صححت منه ألفاظاً أخرى.
(4) أخرجه في أول "البيوع" من طريق أخرج غير طريق ابن أبي زائدة، وأما النسائي فلم يخرجها، كما جزم بذلك الحافظ الناجي (162/ 2).

شرح الحديث وفوائده

منزلة الحديث :

فتح الباري لابن رجب (1/ 224)
هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها وقد قيل: إنه ثلث العلم أو ربعه.

أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (2/ 996) للخطابي :
قلت: هذا الحديث أصل في الورع، وفيما يجتنب من الشبه، وكل شيء أشبه الحلال من وجه والحرام من وجه فهو___شبهة، والورع أن يجتنب فلا يقرب، وهو معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 444) للأمير الصنعاني
قال بعض شراح مسلم: هذا الحديث عليه نور النبوة وعظيم الموقع من الشريعة.

شرح الحديث وغرائبه :

أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (2/ 997_1001)
وتأويل قوله: الحلال بين والحرام بين على معنيين:
أحدهما: أن يكون ذلك في شيء من المأكول والمشروب والملبوس، وغيرها مما يملكه الآدميون إذا تيقن أن ذلك كان ملكا له، فإنه على يقين ملكه في ذلك لا يزول عن أصله إلا بيقين زوال الملك، والحرام بين: هو مال غيره وامرأة غيره وخادم غيره، لا يستحل شيئا من ذلك إلا بشرطه من نكاح أو ملك يمين أو هبة أو صدقة أو غير ذلك، وما بين ذلك فهو ما لم يتقدم له أصل من هذين الوجهين تحليل ولا تحريم بتقينه [يتيقنه]، كالشيء يجده في بيته وفي حيزه فلا يدري هو ملكه أو مال غيره، فالورع أن يجتنبه، ولا يحرم عليه أن يتناوله؛ لأن يده عليه قائمة، ومن هذا النحو قوله صلى الله عليه وسلم: (إني لأمر بالتمرة___الساقطة فلا آخذها خوفا أن تكون صدقة)، ورأى تمرة فقال: (لولا أني أخاف أن تكوني من الصدقة لأكلتك)، وقد يشتبه على الرجل في الليلة المظلمة فيطأ جارية غيره على أنها جاريته، فيكون ذلك شبهة في حكم الحلال، ويلزمه في ذلك المهر، ولا يجوز أن يقال: إنه زان، ولا يحد فيه، ولو لم يقدم على ذلك حتى يتثبت في ذلك ويستبرئ الشك فيه لكان قد استعمل الورع واحتاط باليقين في أمره.
والمعنى الآخر: أن يكون الشيء الأصل (فيه) الإباحة أو الحظر، فما كان الأصل منه الإباحة، كالماء الذي____يتوضأ به والأرض التي يصلى عليها، ونحو ذلك من الأمور التي وجدت في أصل الفطرة على حكم الإباحة، حتى يطرأ عليها ما يغيرها عن حكمها الأول، فإنه لا يضيق في مذهب الورع استعماله على وجهه ولا يستحب اجتنابه، وإدخال الريب والشك على نفسه فيه، وما كان من ذلك في الأصل ممنوعا لا يستباح إلا بشرائط وأسباب قد أخذ علينا مراعاتها فيه، وفي الاستمتاع به، كالبهيمة لا يحل أكلها إلا بالذكاة، وشرائطها معلومة، والمرأة لا يحل نكاحها إلا بالعقد، وصفة ما يصح في العقد خصال معدودة، فإنه لا يجوز استعمال هذا النوع منه، ولا الاستباحة له ما لم يوجد تلك الأسباب مستوفاة بكمالها،
والورع في مثل هذا فرض واجب.
فأما الورع المستحب المندوب إليه، فهو : ما يقع بين هذين الأصلين، مثل اجتنابم عاملة من يجتمع في ماله الحلال والحرام، كمن عرف بالربا في تجارته، وكمن صناعته صناعة محرمة، كاتخاذ آلات اللهو، ونقش التماثيل الصورة، وكاليهود والنصارى الذين يبيعون الخمور، وإن كانت لهم من غير هذه____الوجوه أملاك وأموال، فإن قضية الورع أن لا يعامل هؤلاء، ويجتنب أكل مالهم، وإن كانت في ظاهر الحكم غير محرمة، ما لم يتيقن أن الذي يأخذه منها ثمن العين المحرمة.
وأما الورع المكروه فهو أن لا يقبل رخص الله تعالى التي رخص لعباده فيها، وخفف عنهم العبادة فيها كالإفطار في السفر وقصر الصلاة فيه، وترك إجابة الداعي، ورد الهدية، والتشدد والتشكك بحكم الخواطر، التي جماعها العنت والضيق والحرج.
وحمله [وجملة] أمر الورع أنه إنما يقع في غالب الإمكان، لا في نادره، فإن رجلا من خراسان لو دخل بغداد فأراد أن يتزوج امرأة من عرض النساء، لم يكن عليه حظر في مذهب أحد من العلماء، وقد يمكن ولا يستحيل أن يكون أبوه أو جده قد كان دخلها في متقدم الأيام من حيث لم يعلم هذا الرجل ولا بلغه خبره فتزوج بها امرأة ودخل بها وولدت منه ابنة، فتكون هذه_____
المنكوحة أختاً له أو عمة له، إلا أن مثل هذا الإمكان من حيث لم يكن غالبا، بل كان شيئا نادرا، لم يعتبر في أبواب الورع، ولم يدخل فيها، لكنه من باب التعنت والحرج الموضوعين عن المسلمين نحو الدين.
فهذه أقسام الورع وأبوابه.[1]
والحديث أصل في رياضة النفوس، وإصلاح الأولاد [؟] من الأخلاق، وكف النفس عن الشهوات، والانقطاع عن مساويء العادات.

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 278)
المؤلف: ابن دقيق العيد _رحمه الله_ :
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا عَوَّدَ نَفْسَهُ عَدَمَ التَّحَرُّزِ مِمَّا يُشْتَبَهُ: أَثَّرَ ذَلِكَ اسْتِهَانَةً فِي نَفْسِهِ، تُوقِعُهُ فِي الْحَرَامِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إذَا تَعَاطَى الشُّبُهَاتِ: وَقَعَ فِي الْحَرَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَمُنِعَ مِنْ تَعَاطِي الشُّبُهَاتِ لِذَلِكَ.

شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 45_46)
وقال بعض العلماء: المشتبهات ثلاثة أقسام:
منها ما يعلم الإنسان أنه حرام ثم يشك فيه هل زال تحريمه أم لا، كالذى يحرم على المرء أكله قبل الذكاة إذا شك في ذكاته لم يزل التحريم إلا بيقين الذكاة والأصل في ذلك حديث عدي المتقدم ذكره.
وعكس ذلك أن يكون الشيء حلالاً1 فيشك في تحريمه كرجل له زوجة فشك في طلاقها أو أمة فيشك في عتقها. فما كان من هذا القسم فهو على الإباحة حتى يعلم تحريمه والأصل في هذا الحديث عبد الله بن زيد فيمن شك في الحدث بعد أن تيقن الطهارة2.
القسم الثالث: أن يشك في شيء فلا يدري أحلال أم حرام ويحتمل الأمرين جميعاً ولا دلالة على أحدهما فالأحسن التنزه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في التمرة الساقطة حين وجدها في بيته فقال: "لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها"

شرح النووي على مسلم (11/ 27_28)
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عِظَمِ وَقْعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ وَأَنَّهُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ
* قَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَدُورُ عَلَيْهِ وَعَلَى حَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَحَدِيثِ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المرء تركه مالا يَعْنِيهُ
* وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّخْتِيَانِيُّ يَدُورُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ : هَذِهِ الثَّلَاثَةُ، وَحَدِيثِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَقِيلَ حَدِيثُ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ وازهد مافي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ
* قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَبَبُ عِظَمِ مَوْقِعِهِ أَنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ نَبَّهَ فِيهِ عَلَى إِصْلَاحِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُ الْمُشْتَبِهَاتِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِحِمَايَةِ دِينِهِ وَعِرْضِهِ وَحَذَّرَ مِنْ مُوَاقَعَةِ الشُّبُهَاتِ وَأَوْضَحَ ذَلِكَ بِضَرْبِ الْمَثَلِ بِالْحِمَى،
ثُمَّ بَيَّنَ أَهَمَّ الْأُمُورِ وَهُوَ مُرَاعَاةُ الْقَلْبِ، فَقَالَ _صَلَّى الله عليه وسلم_ : "ألا وإن في الجسد مُضْغَةً..." إِلَى آخِرِهِ
فَبَيَّنَ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم_ : أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد وبفساده يفسد باقيه
وأما قَوْلُهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ :
((الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)) :
فَمَعْنَاهُ :أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ كَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِهِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ وَلَبَنِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَبَيْضِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَالنَّظَرُ وَالْمَشْيُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فِيهَا حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، لَا شَكَّ فِي حِلِّهِ.
وَأَمَّا الْحَرَامُ الْبَيِّنُ فَكَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْبَوْلِ والدم المسفوح وكذلك الزنى وَالْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالنَّظَرُ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ
وَأَمَّا الْمُشْتَبِهَاتُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاضِحَةِ الْحِلِّ وَلَا الْحُرْمَةِ فَلِهَذَا لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَعْلَمُونَ حُكْمَهَا
وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ____فَيَعْرِفُونَ حُكْمَهَا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِصْحَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ
فَإِذَا تَرَدَّدَ الشَّيْءُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ اجْتَهَدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا بِالدَّلِيلِ الشرعي،
فإذا الحقه به صار حلالا وقد يكون دليله غَيْرَ خَالٍ عَنِ الِاحْتِمَالِ الْبَيِّنِ فَيَكُونُ الْوَرَعُ تَرْكَهُ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ))
وَمَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ مُشْتَبَهٌ فَهَلْ يُؤْخَذُ بِحِلِّهِ أَمْ بِحُرْمَتِهِ أَمْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ :
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ وَلَا إِبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّ التَّكْلِيفَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ وَالثَّانِي أَنَّ حُكْمَهَا التَّحْرِيمُ وَالثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ وَالرَّابِعُ التَّوَقُّفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 473_474)
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَلَامَةُ الْوَرَعِ أَنْ يَرَى عَشَرَةَ أَشْيَاءَ فَرِيضَةً عَلَى نَفْسِهِ:
أَوَّلُهَا : حِفْظُ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12] ،
وَالثَّانِي : الِاجْتِنَابُ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] ،
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» ._____
وَالثَّالِثُ: الِاجْتِنَابُ عَنِ السُّخْرِيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11] ,
وَالرَّابِعُ : غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ الْمَحَارِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]،
وَالْخَامِسُ : صِدْقُ اللِّسَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152] ،
وَالسَّادِسُ : أَنْ يَعْرِفَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ، لِكَيْلَا يُعْجَبَ بِنَفْسِهِ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] ،
وَالسَّابِعُ : أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِي الْحَقِّ، وَلَا يُنْفِقُهُ فِي الْبَاطِلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] ، يَعْنِي لَمْ يُنْفِقُوا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنَ الطَّاعَةِ: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] ، أَيْ عَدْلًا.
وَالثَّامِنُ : أَنْ لَا يَطْلُبَ لِنَفْسِهِ الْعُلُوَّ وَالْكِبْرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 83] ،
وَالتَّاسِعُ : الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا، بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ثَلَاثُ خِصَالٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَتْرُكَ شَيْئًا مِنْهَا أَبَدًا فَافْعَلْ، لَا تَبْغِيَنَّ عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23] ،
وَلَا تَمْكُرَنَّ عَلَى أَحَدٍ مَكْرًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]،
وَلَا تَنْكُثَنَّ عَهْدًا أَبَدًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 474)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، الزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: زُهْدٌ فَرْضٌ، وَزُهْدٌ فَضْلٌ، وَزُهْدٌ سَلَامَةٌ، فَالزُّهْدُ الْفَرْضُ: هُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَرَامِ، وَالزُّهْدُ الْفَضْلُ،___
هُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَلَالِ، وَزُهْدُ السَّلَامَةِ، هُوَ الزُّهْدُ فِي الشُّبُهَاتِ.

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 475)
وَقَالَ أَيْضًا: الْوَرَعُ وَرَعَانِ: وَرَعٌ فَرْضٌ وَوَرَعٌ حَذَرٌ،
فَالْوَرَعُ الْفَرْضُ الْوَرَعُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَرَع الْحَذَرُ الْوَرَعُ عَنِ الشُّبُهَاتِ.
وَالْحُزْنُ حُزْنَانِ: حُزْنٌ لَكَ وَحُزْنٌ عَلَيْكَ، فَالْحُزْنُ الَّذِي هُوَ لَكَ حُزْنُكَ عَلَى الْآخِرَةِ، وَالْحُزْنُ الَّذِي عَلَيْكَ حُزْنُكَ عَلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا.
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْ يَكُفَّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَيَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ، وَيَكُفَّ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَنِ الْحَرَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ أَتَى بِزَيْتٍ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَتِ الزَّيْتُ فِي الْجِفَانِ، يَعْنِي فِي الْقِصَاعِ، وَعُمَرُ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْأَقْدَاحِ، وَعِنْدَهُ ابْنٌ لَهُ شَعَرَاتٍ، فَكُلَّمَا أُفْرِغَتْ جَفْنَةٌ مَسَحَ بَقِيَّتَهَا بِرَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَرَى شَعْرَكَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ عَلَى زَيْتِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْحَجَّامِ فَحَلَقَ شَعْرَهُ، وَقَالَ: هَذَا أَهْوَنُ عَلَيْكَ.
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إِلَى عَمَّانَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إِذْ سَقَطَ سَوْطُهُ، فَنَزَلَ عَنِ الدَّابَةِ وَرَبَطَهَا، وَذَهَبَ رَاجِلًا، فَأَخَذَ السَّوْطَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ حَوَّلْتَ رَأْسَ دَابَّتِكَ فَأَخَذْتُ السَّوْطَ فَقَالَ: إِنَّمَا اسْتَأْجَرْتُهَا لِتَذْهَبَ وَلَمْ أَسْتَأْجِرُهَا لِتَرْجِعَ

كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 212)
وَقَوله: " وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة " المضغة: قدر مَا يمضغ. [15] وَسمي الْقلب قلبا لتقلبه فِي الْأُمُور. وَقيل: بل لِأَنَّهُ خَالص مَا فِي الْبدن، وخالص كل شَيْء قلبه. وَالْقلب أَمِير الْبدن، وَمَتى صلح الْأَمِير صلحت الرّعية.

من فوائد الحديث :

فتح الباري لابن رجب (1/ 225)
ومعنى الحديث: أن الله أنزل كتابه وبيَّن فيه حلاله وحرامه، وبيَّن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل والتحريم، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه، فصار الحلال والحرام على قسمين:
أحدهما: ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ولا يكاد إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام؛ فهذا هو الحلال البين والحرام البين. ومنه: ما تحليله وتحريمه لعينه كالطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والخبائث من ذلك_____
فتح الباري لابن رجب (1/ 226)
كله ومنه: ما تحليله وتحريمه من جهة كسبه كالبيع والنكاح والهبة والهدية وكالربا والقمار والزنا والسرقة والغصب والخيانة وغير ذلك.
القسم الثاني: ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة؛ لخفاء دلالة النص عليه ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال أو من الحرام؟
وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم؛ بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم
أما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه فهو مشتبه عليه؛ فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حله وحرمه واجتنبه فقد استبرأ لدينه وعرضه،
بمعنى أنه طلب لهما البراءة مما يشينهما، وهذا معنى الحديث الآخر: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى، كما في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس (2) .
وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها م الحرام وبعدها عنه.
وقد يقع_____الاشتباه في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حله وحرمته، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا؟ وما يشك في زوال ملكه عنه. وهذا قد يرجع فيه إلى الأصل فيبني عليه، وقد يرجع في كثير منه إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ويقع التردد عند تساوي الأمرين. وقد يقع الاشتباه لاختلاط الحلال بالحرام في الأطعمة والأشربة من المائعات . وغيرها من المكيلات، والموزونات والنقود.
فكل هذه الأنواع من كان عنده فيها علم يدله على حكم الله ورسوله فيها فتبعه فهو المصيب،
* ومن اشتبهت عليه فإن اتقاها واجتنبها فقد فعل الأولى واستبرأ لدينه وعرضه فسلم من تبعتها في الدنيا والآخرة،
* ومن اشتبهت عليه فلم يتقها؛ بل وقع فيها فمثله كمثل راع يرعى حول الحمى، فإنه يوشك أن يواقعه.
وفي رواية: " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ".
ومعنى هذا: أن من وقع في الشبهات كان جديرا بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛
ولهذا جاء في رواية: " ومن خالط الريبة يوشك أن يجسُر"، [د س]
يعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه.
ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزا من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال____ولم يتعدوه،
وأما من وقع في المشتبه فإنه لا يبقى له إلا الوقوع في الحرام المحض، فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر.
وقوله: " ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه "،
وفي رواية: " ألا وإن حمى الله محارمه " :
ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ويمنع الناس من الدخول إليه،
فمن تباعد عنه : فقد توقى سخط الملك وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى : فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى؛
* وفي هذا دليل على سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات كما يحرم الخلوة بالأجنبية، وكما يحرم شرب قليل ما يسكر كثيره، وكما ينهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خشية الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وكما يمنع مَنْ تُحَرِّكُ القُبْلَةُ شهوتَه في صيامه من القبلة، وكما يؤمر من يباشر امرأته في حال حيضها أن يباشرها من فوق إزار ما بين سرتها وركبتها، وكما يضمن من سيب دابته نهارا بقرب زرع غيره فتفسده، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم فصاد فيه فإنه يضمن في الصورتين على الأصح.
* وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها.
* وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير____إلى ما أداه إليه اجتهاده وطلبه.
ثم ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده،
فإذا صلح القلب : صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح، فتنبعث إلى طاعة الله واجتناب سخطه فقنعت بالحلال عن الحرام.
وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها وانبعث في معاصي الله عز وجل وما فيه سخطه ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق، فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره،
وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه.
والقلب الفاسد : هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس؛
فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره،
* فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره،
* وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه.
وقد بوب البخاري على هذا الحديث: باب " فضل من استبرأ لدينه ".
والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن من اتقى الأمور____المشتبهة عليه التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام؟ فإنه مستبرىء لدينه،
بمعنى : أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه؛
ويلزم من ذلك :
أن من لم يتق الشبهات : فهو معرض دينه للدنس والشين والقدح،
فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيا نزها بريا، وتارة يكون دنسا متلوثا. والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة، وتارة بالرقة والضعف، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن وتارة بأنه غير حسن، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى.
هذا كله إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخص شخص،
فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسه من حيث هو هو، فإنه يوصف بالنزاهة.
قال أبو هريرة: الإيمان نزه، فإن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان. خرجه الإمام أحمد في كتاب " الإيمان "
ومن كلام يحيى بن معاذ: "الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك".

تطريز رياض الصالحين (ص: 390)
هذا الحديث: أصل عظيم من أصول الشريعة، وأجمع العلماء على عظم موقعه، وكثرة فوائده.
قوله: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» ، فيه إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
قال بعض العلماء: المكروه: عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح: عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر من المباح تطرق إلى المكروه.
قوله: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلح الجسد كله» ، أي: إذا صلح القلب بالإِيمان والعرفان، صلح بالأعمال والأحوال.
وما أحسن قول القائل:
وإذا حلت العناية قلبًا ...  ... نشطت للعبادة الأعضاءُ ...

فالقلب كالملك، والأعضاء كالرعية، وبصلاح الملك تصلح الرعية، وبفساده تفسد." اهـ كلام آل مبارك _رحمه الله_

فتح الباري لابن حجر (1/ 127)
قَوْلُهُ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَيْ لَا يَعْلَمُ حُكْمَهَا وَجَاءَ وَاضِحًا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الْحَلَالِ هِيَ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ كَثِيرٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِهَا مُمْكِنٌ لَكِنْ لِلْقَلِيلِ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ فَالشُّبُهَاتُ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ وَقَدْ تَقَعُ لَهُمْ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهُمْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ

فتح الباري لابن حجر (1/ 127)
* وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَوَقَّ الشُّبْهَةَ فِي كَسْبِهِ وَمَعَاشِهِ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلطَّعْنِ فِيهِ
* وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أُمُورِ الدِّينِ وَمُرَاعَاةِ الْمُرُوءَةِ،
فتح الباري لابن حجر (1/ 127)
وَحَاصِلُ مَا فَسَّرَ بِهِ الْعُلَمَاءُ الشُّبُهَاتِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ :
أَحَدُهَا : تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ،
ثَانِيهَا : اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ وَهِيَ مُنْتَزَعَةٌ مِنَ الْأُولَى،
ثَالِثُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا : مُسَمَّى الْمَكْرُوهِ، لِأَنَّهُ يَجْتَذِبُهُ جَانِبَا الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ،
رَابِعُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُبَاحُ، وَلَا يُمْكِنُ قَائِلُ هَذَا أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى مُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَكُونَ مِنْ قِسْمٍ خِلَافَ الْأَوْلَى، بِأَنْ يَكُونَ مُتَسَاوِيَ الطَّرَفَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ رَاجِحَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارج،
وَنقل بن الْمُنِيرِ فِي مَنَاقِبِ شَيْخِهِ الْقَبَّارِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ :
"الْمَكْرُوهُ عَقَبَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحَرَامِ، فَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْمَكْرُوِهِ تَطَرَّقَ إِلَى الْحَرَامِ، وَالْمُبَاحُ عَقَبَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكْرُوهِ، فَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهُ تَطَرَّقَ إِلَى الْمَكْرُوِهِ."
وَهُوَ مَنْزَعٌ حَسَنٌ وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة بن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ ذَكَرَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ : ((اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلَالِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ، وَمَنْ أَرْتَعَ فِيهِ كَانَ كَالْمُرْتِعِ إِلَى جَنْبِ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ))
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَلَالَ حَيْثُ يُخْشَى أَن يؤول فِعْلُهُ مُطْلَقًا إِلَى مَكْرُوهٍ أَوْ مُحَرَّمٍ، يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ كَالْإِكْثَارِ مَثَلًا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَإِنَّهُ يُحْوِجُ إِلَى كَثْرَةِ الِاكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي أَخْذِ مَا لَا يُسْتَحَقُّ أَوْ يُفْضِي إِلَى بَطَرِ النَّفْسِ،
وَأَقَلُّ مَا فِيهِ : الِاشْتِغَالُ عَنْ مَوَاقِفِ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ مُشَاهَدٌ بِالْعِيَانِ،
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحَانُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْأَوْجُهِ مُرَادًا وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ :
فَالْعَالِمُ الْفَطِنُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَمْيِيزُ الْحُكْمِ فَلَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْمُبَاحِ أَوِ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَرَّرَ قَبْلُ،
وَدُونَهُ تَقَعُ لَهُ الشُّبْهَةُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُسْتَكْثِرَ مِنَ الْمَكْرُوِهِ تَصِيرُ فِيهِ جُرْأَةٌ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ يَحْمِلُهُ اعْتِيَادُهُ ارْتِكَابَ الْمَنْهِيِّ غَيْرِ الْمُحَرَّمِ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ الْمُحَرَّمِ : إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ فِيهِ :
وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَعَاطَى مَا نُهِيَ عَنْهُ يَصِيرُ مُظْلِمَ الْقَلْبِ لِفِقْدَانِ نُورِ الْوَرَعِ فَيَقَع فِي____الْحَرَامِ وَلَوْ لَمْ يَخْتَرِ الْوُقُوعَ فِيهِ،
وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ :
"فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ لَهُ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ."
وَهَذَا يُرَجِّحُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ كَمَا أَشرت إِلَيْهِ.

عون المعبود وحاشية ابن القيم (9/ 127)
وَفِيهِ تَقْسِيمٌ لِلْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَهُوَ تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ يَنُصُّ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ لَا يَنُصُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالْأَوَّلُ الْحَلَالُ الْبَيِّنُ وَالثَّانِي الْحَرَامُ الْبَيِّنُ وَالثَّالِثُ الْمُشْتَبَهُ لِخَفَائِهِ فَلَا يُدْرَى أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّبِعَةِ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عَلَى التَّرْكِ لِهَذَا الْقَصْدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَظْرًا وَإِبَاحَةً
وَهَذَا التَّقْسِيمُ قَدْ وَافَقَ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ مِنَ الْمُشَبَّهَاتِ كَذَا فِي النَّيْلِ

شرح صحيح البخارى لابن بطال (1/ 117)
وفيه دليل أن من لم يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك حرمتها فقد أوجد السبيل إلى عرضه ودينه، وأنه يمكن أن يُنال من عرضه بذلك فى حديث رواه، أو شهادة يشهد بها، لقوله (صلى الله عليه وسلم) : تمت فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه -.
وفيه: أن الراسخين فى العلم يمكن أن يعلموا بعض هذه الشبهات لقوله: تمت لا يعلمها كثير من الناس - فدل أنه يعلمها قليل منهم، كما قال تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83] ، وسأتقصى فى الكلام على هذا الحديث فى أول كتاب البيوع، إن شاء الله. وفيه: أن العقل والفهم إنما هو فى القلب وموطنه، وما فى الرأس منه إنما هو عن القلب ومنه سببه.

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي (2/ 656)
ذكر أن حمى الله محارمه؛ ليعلم أن التجنب من مقاربة حدود الله، والحذر من التخوض في حماه: أحق وأجدر من مجانبة حمى كل ملك، وأن النفس الأبية الأمارة بالسوء إذا أخطأتها السياسة في ذلك الموطن، كانت أسوأ عاقبة من كل بهيمة خليع العذار.[2]
وفي قوله: (ألا إن في الجسد مضغة ..... إلى تمام الحديث).
إشارة إلى أن صلاح القلب وفساده منوط باستعمال الورع وإهماله.

جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 210)
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صَلَاحَ حَرَكَاتِ الْعَبْدِ بِجَوَارِحِهِ، وَاجْتِنَابَهُ الْمُحَرَّمَاتِ وَاتِّقَاءَهُ لِلشُّبَهَاتِ بِحَسَبَ صَلَاحِ حَرَكَةِ قَلْبِهِ. فَإِذَا كَانَ قَلْبُهُ سَلِيمًا، لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَحَبَّةُ اللَّهِ وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَخَشْيَةُ اللَّهِ وَخَشْيَةُ الْوُقُوعِ فِيمَا يَكْرَهُهُ، صَلَحَتْ حَرَكَاتُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا، وَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ كُلِّهَا، وَتَوَقٍّ لِلشُّبَهَاتِ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ. وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ فَاسِدًا، قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ اتِّبَاعُ هَوَاهُ، وَطَلَبُ مَا يُحِبُّهُ، وَلَوْ كَرِهَهُ اللَّهُ، فَسَدَتْ حَرَكَاتُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا، وَانْبَعَثَتْ إِلَى كُلِّ الْمَعَاصِي وَالْمُشْتَبِهَاتِ بِحَسَبِ اتِّبَاعِ هَوَى الْقَلْبِ. وَلِهَذَا يُقَالُ: الْقَلْبُ مَلِكُ الْأَعْضَاءِ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ جُنُودُهُ، وَهُمْ مَعَ هَذَا جُنُودٌ طَائِعُونَ لَهُ، مُنْبَعِثُونَ فِي طَاعَتِهِ، وَتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، لَا يُخَالِفُونَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ صَالِحًا كَانَتْ هَذِهِ الْجُنُودُ صَالِحَةً، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا كَانَتْ جُنُودُهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَاسِدَةً، وَلَا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْقَلْبُ السَّلِيمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89] (الشُّعَرَاءِ: 88 - 89)

المعين على تفهم الأربعين ت دغش (ص: 163)
المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804 هـ) :
في فوائِدِهِ:
الأولى: الحثُّ علي فِعْلِ الحَلالِ واجْتِنَاب الحرامِ، والإمساكُ عن الشُّبهات، والاحتياطُ للدِّين والعِرض، وعَدَمُ تعاطي الأمور المُوجِبةِ لسُوءِ

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 211)
المؤلف: القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي (ت 685هـ) :
إن من هجم عن الشبهات وتخطى خططها ولم يتوقف دونها وقع في الحرام, إذ الغالب أن ما وقع فيه من الشبهات لا يخلو عن المحارم, كما أن الراعي إذا رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.____
الظنِّ والوقوعِ في المَحْذُورِ.
وقِسْمَةُ الحديث إلى الأقسام الثلاثة -الحلال، والحرام، والمشتبه- صحيحة؛ لأنه إِنْ نَصَّ فيه علي الفعل فالجَوَاز، أو المنع فالحرام، أو سكت عنه فهو المُشْتَبه، فإنْ نَصَّ عليه فيهما، وإن عُلِمَ المُتأخر فالأول منسوخ وإلَّا فهو المشتبه.
تقسيم الشيء إنما يحرم لمعنى في عينه -كما قسّم بينها-، أو لخلل في وجه اكتسابه، وجميع ما ينتفع به من المعادن والنبات والحيوان، فالأول -المعادن- حلال ما لم يضر، والثاني كذلك، والثالث ما لا يؤكل حرام وما يؤكل حلال.
والثاني الحرام المحض.
ثانيها: الأخذ بالورع -وهو أصلٌ فيه- كما أسلفناه.
الثالثة: أنه لا ورعَ في تركِ المُباح؛ عملًا بقوله: "الحَلالُ بَيِّن والحرام بيِّنٌ" وهو الظاهر، وإن كانت مسألة خلافية كما أوضحتها في "شرح العُمْدَة"
الرابعة: سدُّ الذرائع، وقد أَكْثَرَتْ مِنْهُ المالِكِيَّةُ
الخامسة: تعظيمُ القَلبِ والسَّعي فيما يُصْلِحُهُ ويُفْسِدُهُ، وهل الحواس مع العقل كالحُجَّاب معَ المَلِك أو كالطاقات؟ على قولين.
السادسة: أنَّ العَقْلَ فِيهِ -أي القلب- وهو مذهبنا خلافًا لأبي حنيفة حيثُ قال: في الدِّماغ.____
وقيل: إنه مشتركٌ.
السابعة: أن العقوبة مِن جِنْسِ الجِنايَةِ.
وضَرْبُ الأمثالِ للمعاني الشرعيَّةِ العَمَلِيَّة.
وأَنَّ الأعمالَ القلبيَّةَ أفضلُ مِنَ البَدَنِيَّةِ، وأنها لا تصلحُ إلَّا بهِ، وغير ذلكَ مِمَّا هوَ موَضَّحٌ في "شرحي للعُمْدَة" فراجِعْهُ مِنْهُ

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 212)
ولما كان التورع والتهتك مما يتبع ميلان القلب إلى الصلاح والفجور نبه على ذلك بقوله: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله " ليقبل المكلف عليه فيصلحه, ويمنعه عن الانهماك في الشهوات والإسراع إلى تحصيل المشتبهات, حتى لا يبادر إلى الشبهات, ولا يستعمل جوارحه في اقتراف المحرمات.

شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 47)
وفيه دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها يدل عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس.

شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 47)
وأما قوله: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" فذلك يكون بوجهين أحدهما:
أن من لم يتق الله وتجرأ على الشبهات أفضت به إلى المحرمات ويحمله التساهل في أمرها على الجرأة على الحرام كما قال بعضهم: الصغيرة تجر الكبيرة والكبيرة تجر الكفر وكما روي "المعاصي بريد الكفر".
الوجه الثاني: أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه لفقدان نور العلم ونور الورع فيقع في الحرام وهو لا يشعر به وقد يأثم بذلك إذا تسبب منه إلى تقصير.

شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 47_48)
وقوله صلى الله عليه وسلم: "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" هذا مثل ضربه لمحارم الله عز وجل، وأصله أن العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها وتخرج بالتوعد بالعقوبة لمن قربها فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته عن ذلك الحمى لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع فيه لأنه قد تنفرد الفاذة1 وتشذ الشاذة ولا ينضبط فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة يأمن فيها وقوع ذلك وهكذا محارم الله عز وجل من القتل والربا والسرقة وشرب__الخمر والقذف والغيبة والنميمة ونحو ذلك لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها.[3]

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1582)
وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنها ينبغي أن تكون حلالًا، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك الشبهات؛ فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وإن في الجسد مضغة ... " إلى آخره، فتبين أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه.

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1585)
وقد عظم الشارع أمر القلب؛ لصدور الأفعال الاختيارية عنه، وعما يقوم به من الاعتقادات والعلوم، ورتب الأمر فيه على المضغة، والمراد: المتعلق بها، فلا شك أن صلاح الأعمال باعتبار العلم والاعتقاد بالمفاسد، فيتعين حماية مركزهما من الفساد وإصلاحه، وهو القلب.

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1586)
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: الحث على الحلال وتبينه.
ومنها: الحث على اجتناب الحرام وتبينه.
ومنها: الإمساك عن الشبهات.
ومنها: الاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء الظن بالإنسان؛ لما فيها من تأذية وجر الأذى إلى الناس بوقوعهم فيه بسبب عدم احتياطه لنفسه.
ومنها: الأخذ بالورع والعمل به، وهذا الحديث أصل فيه.
وقد روى الترمذي حديثًا حسنًا من رواية عائذ بن عمرو الصحابي - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبلُغ أحدٌ أن يكونَ من المتقين حَتَّى يدع ما لا بأسَ بهِ، حذرًا لِما به بَأسٌ"[4]
وهذا الحديث -أيضًا- أصل أصيل في الورع وترك الشبهات...____
ومنها: ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العلمية.
ومنها: التنبيه على عظمة الله -سبحانه وتعالى-، واجتناب محارمه التي مصالحها ونفعها عائد علينا؛ لأنه الغني المطلق، ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7].
ومنها: التنبيه بما يشاهده العبد على ما غاب عنه لتقريب المعاني إلى ذهنه.
ومنها: التنبيه على مرتبة العلم والعلماء وشرفهما.
ومنها: إلحاق المشتبه بالممنوع منه، إلى أن يستبين أمره.
ومنها: أن ارتكابه سبب للوقوع في الممنوع منه.
ومنها: تبيين مرتبة القلب من الجسد، وأن بصلاحه يصلح الجسد، وبفساده يفسد؛ فهو كالملك إذا صلح صلحت الرعية، وإذا فسد فسدت الرعية.
ومنها: أن الأعمال القلبية أفضل من الأعمال البدنية، وأنها لا تصلح الأعمال البدنية إلا بالقلبية.
ومنها: أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، فيما كان العمل مقيدًا بهما؛ فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، وقد يلزم عن أحدهما أعمال بسبب الآخر، والله أعلم.

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (5/ 395) للعثيمين :
فيه: دليلٌ على سدِّ الذراع، والتباعدِ عمَّا يحاذر، وإن ظن السلامةَ في مقاربته.[5]

سبل السلام (2/ 643)
وَفِيهِ إرْشَادٌ إلَى الْبُعْدِ عَنْ ذَرَائِعِ الْحَرَامِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهَا الْوُقُوعُ فِيهِ فَمَنْ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَا يَقْرَبُ الشُّبُهَاتِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي الْمَعَاصِي

جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 195)
وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ الْكِتَابَ، وَبَيَّنَ فِيهِ لِلْأُمَّةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] (النَّحْلِ: 89) قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: كُلُّ شَيْءٍ أَمَرُوا بِهِ أَوْ نَهَوْا عَنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ (الْآيَةَ: 176) الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] (الْأَنِعَامِ: 119) ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] (التَّوْبَةِ: 115) وَوَكَّلَ بَيَانَ مَا أَشْكَلَ مِنَ التَّنْزِيلِ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] (النَّحْلِ: 44) وَمَا قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ، وَلِهَذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] (الْمَائِدَةِ: 3) . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَرَكْتُكُمْ عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ» . وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا طَائِرٌ يُحَرِّكُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا وَقَدْ ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا.

جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 204)
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الشُّبُهَاتِ، فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْقَدْحِ فِيهِ وَالْطَّعْنِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ، فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ

جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 204)
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْبَرَاءَةِ لِلْعِرْضِ مَمْدُوحٌ كَطَلَبِ الْبَرَاءَةِ لِلدِّينِ

سبل السلام (2/ 642)
وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْحَلَالِ بِأَنَّهُ بَيِّنٌ إعْلَامٌ بِحِلِّ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي وُجُوهِ النَّفْعِ كَمَا أَنَّ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ إعْلَامٌ بِاجْتِنَابِهِ

سبل السلام (2/ 644)
وَتَسْخِيرُ الْأَعْضَاءِ وَالْحَوَاسِّ لِلْقَلْبِ يُشْبِهُ مِنْ وَجْهٍ تَسْخِيرَ الْمَلَائِكَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُمْ جُبِلُوا عَلَى طَاعَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ خِلَافًا وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَالِمَةٌ بِطَاعَتِهَا لِلرَّبِّ وَالْأَجْفَانُ تُطِيعُ الْقَلْبَ بِالِانْفِتَاحِ وَالِانْطِبَاقِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْخِيرِ وَإِنَّمَا افْتَقَرَ الْقَلْبُ إلَى الْجُنُودِ مِنْ حَيْثُ افْتِقَارُهُ إلَى الْمَرْكَبِ وَالزَّادِ لِسَفَرِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَطْعُ الْمَنَازِلِ إلَى لِقَائِهِ فَلِأَجْلِهِ خُلِقَتْ الْقُلُوبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وَإِنَّمَا مَرْكَبُهُ الْبَدَنُ وَزَادُهُ الْعِلْمُ وَإِنَّمَا الْأَسْبَابُ الَّتِي تُوَصِّلُهُ إلَى الزَّادِ وَتُمَكِّنُهُ مِنْ التَّزَوُّدِ مِنْهُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ثُمَّ أَطَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَا يَحْتَمِلُ مُجَلَّدَةً لَطِيفَةً وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إلَى كَلَامِهِ لِيُعْلَمَ مِقْدَارُ الْكَلَامِ النَّبَوِيِّ وَأَنَّهُ بَحْرٌ قَطَرَاتُهُ لَا تُنْزَفُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَحَلَّ الْعَقْلِ أَوْ مَحَلُّهُ الدِّمَاغُ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ عِلْمِ الْآثَارِ حَتَّى يُشْتَغَلَ بِذِكْرِهَا وَذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا.

التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية (ص: 19_20)
المؤلف : الشيخ إسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ) :
يستفاد منه:
1 - الحث على فعل الحلال.
2 - اجتناب الحرام والشبهات.___
3 - أن للشبهات حكما خاصا بها، عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس وإن خفي على الكثير.
4 - المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
5 - أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه، ويعتبر هذا الحديث من أصول الجرح والتعديل لما ذكر.
6 - سد الذرائع إلى المحرمات، وأدلة ذلك في الشريعة كثيرة.
7 - ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية.
8 - التنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على إصلاحه، فإن أمير البدن بصلاحه يصلح، وبفساده يفسد.
9 - إن لطيب الكسب أثرا في إصلاحه." اهـ (من ط. مطبعة دار نشر الثقافة – الإسكندرية)

شرح الأربعين النووية للعثيمين (ص: 109_113)
فوائد هذا الحديث:

. 1أن الأشياء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حلال بيّن، حرام بيّن، مشتبه، وحكم كل نوع ومثاله أن نقول:

* الحلال البين لا يلام أحد على فعله، ومثاله التمتع بما أحل الله من الحبوب والثمار، فهذا حلال بين ولا معارض له.

* الحرام البيّن وهذا يلام كل إنسان على فعله، ومثاله كالخمر والميتة والخنزير وما أشبه ذلك، فهذا حكمه ظاهر معروف.

* وهناك أمور مشتبهة: وهذه محل الخلاف بين الناس، فتجد الناس يختلفون فيها فمنهم من يحرم، ومنهم من يحلل، ومنهم من يتوقف، ومنهم من يفصّل.

مثال المشتبه: شرب الدخان كان من المشتبه في أول ظهوره، لكن تبين الآن بعد تقدم الطب، وبعد أن درس الناس حال هذا الدخان قطعاً بأنه حرام، ولا إشكال عندنا في ذلك، وعلى هذا فالدخان عند أول ظهوره كان من الأمور المشتبهة ولم يكن من الأمور البينة، ثم تحقق تحريمه والمنع منه.

. 2أسباب الاشتباه أربعة:

. 1قلة العلم: فقلة العلم توجب الاشتباه، لأن واسع العلم يعرف أشياء لا يعرفها الآخرون.

. 2قلة الفهم: أي ضعف الفهم، وذلك بأن يكون صاحب علمٍ واسعٍ كثير، ولكنه لا يفهم، فهذا تشتبه عليه الأمور.

. 3التقصير في التدبر: بأن لا يتعب نفسه في التدبر والبحث ومعرفة المعاني بحجة عدم لزوم ذلك.____
4وهو أعظمها: سوء القصد: بأن لا يقصد الإنسان إلا نصر قوله فقط بقطع النظر عن كونه صواباً أو خطأً، فمن هذه نيته فإنه يحرم الوصول إلى العلم، نسأل الله العافية، لأنه يقصد من العلم اتباع الهوى.

وهذا الاشتباه لا يكون على جميع الناس بدليلين: أحدهما من النص وهو قوله صلى الله عليه وسلم: لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ يعني كثيراً يعلمهن، والثاني من المعنى فلو كانت النصوص مشتبهة على جميع الناس، لم يكن القرآن بياناً ولبقي شيء من الشريعة مجهولاً، وهذا متعذر وممتنع.

. 3الثالثة من فوائد الحديث حكمة الله عزّ وجل في ذكر المشتبهات حتى يتبين من كان حريصاً على طلب العلم ومن ليس بحريص.

. 4الرابعة من فوائد الحديث: أنه لا يمكن أن يكون في الشريعة مالا يعلمه الناس كلهم، لقوله: لاَ يعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ.

. 5الحث على اتقاء الشبهات، لكن هذا مشروط بما إذا قام الدليل علىالشبهة، أما إذا لم يقم الدليل على وجود شبهة اتقاء الشبهات كان ذلك وسواساً وتعمقاً، لكن إذا وجد ما يوجب الاشتباه فإن الإنسان مأمور بالورع وترك المشتبه، أما مالا أصل له فإن تركه تعمّق.

مثال ذلك: ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنه أن قوماً أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سَمُّوْا أَنْتُمْ وَكُلُوا قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر____
. 6أن الواقع في الشبهات واقع في الحرام، لقوله: مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ (2) .

. 7حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة لتتبين بها المعاني المعقولة، وهذا هو طريقة القرآن الكريم، قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: 43)
فمن حسن التعليم أن المعلم يقرب الأشياء____
المعقولة بالأشياء المحسوسة، لقوله: كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ.

. 8هل يؤخذ من قوله: يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى إقراره بالحمى؟

والجواب: أن هذا من باب الإخبار والوقوع، ولايدل على حكم شرعي. والنبي صلى الله عليه وسلم قد يذكر الأشياء لوقوعها لا لبيان حكمها.

ولهذا أمثلة أخرى:

قول النبي صلى الله عليه وسلم: لَتَركبُنّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ (1) فلا يعني ذلك أن ركوبنا سنن من كان قبلنا جائز، بل هو إخبار عن الواقع.

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الظعينة أي المرأة تسير من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله، فلا يعني هذا أنه يجوز لها أن تسافر بلا محرم، لكن هذا ضرب مثل.

إذاً نقول: هذا الحديث لا يدل على جواز الحمى لأنه ضرب مثل لواقع. ولكن لا بأس أن نقول الحمى نوعان:

الأول: حمى لمصالح المسلمين، فهذا جائز

الثاني: حمى يختصّ به الحامي، فهذا حرام، لأنه ليس له أن يختص فيما كان عاماً.

- مثال الأول: أن تحمي هذه الأرض من أجل أن يُركز فيها أنابيب لإخراج الماء، فهذا جائز بلا شك، أو تُحَمى أرض خصبة لدواب المسلمين، كدواب الزكاة والخيل للجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك.

- مثال الثاني: إذا حماه لنفسه.

. 9ومن فوائد هذا الحديث: سد الذرائع، أي أن كل ذريعة توصل إلى محرم يجب____
أن تغلق لئلا يقع في المحرّم. وسد الذرائع دليل شرعي، فقد جاءت به الشريعة، ومن ذلك قول الله تعالى:) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: من الآية108)
فنهى عن سبّ آلهة المشركين لأنها ذريعة إلى سبّ الله تعالى، مع أن سبّ آلهة المشركين سبٌّ بحق، وسب الله تعالى عدوٌ بغير علم.

. 10أن من عادة الملوك أن يحموا، لقوله: أَلاَ وَإِنَّ لَكُلِّ مَلِكٍ حِمىً وقد سبق حكم الحمى آنفاً.

. 11تأكيد الجمل بأنواع المؤكدات إذا دعت الحاجة إلى هذا، فإذا قال قائل: إن التأكيد فيه تطويل، فنقول: التوكيد تطويل، ولكن إذا دعت الحاجة صار من البلاغة، لقوله: ألا. .. ألا.

. 12أن المدار في الصلاح والفساد على القلب، إذا صلح صلح الجسد كلّه، وإذا فسد فسد الجسد كله.

ويتفرّع علىهذه الفائدة: أنه يجب العناية بالقلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، لأن القلب عليه مدار الأعمال، والقلب هو الذي يُمتحن عليه الإنسان يوم القيامة، كما قال الله تعالى: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات: 9-10) وقال تعالى: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ* يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: 8-9 (

فطهّر قلبك من الشرك والبدع والحقد على المسلمين والبغضاء، وغير ذلك من الأخلاق أو العقائد المنافية للشريعة، فإن القلب هو الأصل.

. 13في الحديث ردٌّ على العصاة الذين إذا نهوا عن المعاصي قالوا: التقوى هاهنا وضرب أحدهم على صدره، فاستدل بحق على باطل، لأن الذي قال: التَّقْوَى هَاهُنَا (1) هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه في الحديث: إذا اتقى ما هاهنا اتّقت الجوارح، ....
. 14أن تدبير أفعال الإنسان عائد إلى القلب، لقوله: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ.

فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله (ص: 43)
مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1 بيان تقسيم الأشياء في الشريعة إلى حلال بيِّن، وحرام بيِّن، ومشتبه متردّد بينهما.
2 أنَّ المشتبه لا يعلمه كثير من الناس، وأنَّ بعضَهم يعلم حكمَه بدليله.
3 ترك إتيان المشتبه حتى يُعلم حلُّه.
4 ضرب الأمثال لتقرير المعاني المعنوية بتشبيهها بالحسيَّة.
5 أنَّ الإنسانَ إذا وقع في الأمور المشتبهة هان عليه أن يقع في الأمور الواضحة.___
6 بيان عظم شأن القلب، وأنَّ الأعضاءَ تابعةٌ له، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده.
7 أنَّ فسادَ الظاهر دليلٌ على فساد الباطن.
8 أنَّ في اتِّقاء الشبهات محافظة الإنسان على دينه من النقص، وعرضه من العيب والثلب.

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (34/ 90)
المؤلف: محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي :
فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحثّ عَلَى اجتناب الشبهات فِي الكسب.
(ومنها): بيان عظم موقع هَذَا الْحَدِيث، وأنه ذو شأن، ونباهة، فلذا قد توارد أكثر أئمة الْحَدِيث الذين خرّجوه عَلَى إيراده فِي "كتاب البيوع"؛ لأن الشبهة فِي المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله أيضًا تعلّق بالنكاح، وبالصيد، والذبائح، والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك، منْ أبواب المعاملات، كما لا يخفى عَلَى منْ تأمّل ذلك.
(ومنها): بيان أن الحلال، والحرام بيّنان واضحان لكلّ منْ له علم بالنصوص الشرعيّة.
(ومنها): أن بين الحلال والحرام مرتّبة ينبغي التنبّه لها، وأخذ الحذر منها، ألا وهي الشبهات، فعلى العاقل أن يُحاسب نفسه عندها، ويأخذ حذره منها، فإنه إذا___أرخى العنان لنفسه فيها، جرّه ذلك إلى التجاوز إلى الحرام، فليتّق الله تعالى عند الشبهات، ليسهل عليه البد عن المحرّمات، وإلا وقع فِي المهلكات.
(ومنها): ضرب المثل لإيضاح الأحكام.
(ومنها): أن منْ وقع فِي الشبهات، فقد عرّض دينه، وعرضه للطعن.
(ومنها): أن فيه تقسيمَ الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيحٌ؛ لأن الشيء إما أن يُنصّ عَلَى طلبه مع الوعيد عَلَى تركه، أو يُنصّ عَلَى تركه، مع الوعيد عَلَى فعله، أو لا ينصّ عَلَى واحد منهما، فالأول الحلال البيّن، والثاني الحرام البيّن، فمعنى قوله: "الحلال بيّن": أي لا يحتاج إلى بيانه، ويشترك فِي معرفته كلّ أحد. والثالث: مشتبه؛ لخفائه، فلا يُدرى هل هو حلالٌ، أو حرامٌ، وما كَانَ هَذَا سبيله يبغي اجتنابه؛ لأنه إن كَانَ فِي نفس الأمر حرامًا، فقد برىء منْ تبعتها، وإن كَانَ حلالاً، فقد أُجر عَلَى تركها بهذا القصد؛ لأن الأصل فِي الأشياء مختلف فيه حظرًا، واباحةً، والأولان قد يردان جميعًا، فإن عُلم المتأخّر منهما، وإلا فهو منْ حيّز القسم الثالث. قاله فِي "الفتح" 5/ 8 "كتاب البيوع" رقم 2051.
(ومنها): أن فيه دليلاً عَلَى جواز الجرح والتعديل، قاله البغويّ فِي "شرح السنّة".
(ومنها): أن بعضهم استنبط منه منع إطلاق الحلال والحرام عَلَى ما لا نصّ فيه؛ لأنه منْ جملة ما لم يستبن. لكن قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يعلمها كثير منْ النَّاس" يُشعر بأن منهم منْ يعلمها". قاله فِي "الفتح" 5/ 9. "كتاب البيوع". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 308_309) للعثيمين :
ومن فوائد الحديث: أن القلب هو المدبر للجسد لقوله: «إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب».
ومن فوائده: الرد على من قال: إن المراد بالقلب هو العقل الذي محله في الدماغ على زعمه، فنقول: إن الرسول قال: «في الجسد مضغة» وهي القلب، وهذا ليس معقولا، بل هو شيء محسوس، ومن ثم وقع النزاع بين علماء الشريعة وعلماء الطبيعة والفلسفة هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ وطال النزاع من قديم الزمان، قال الإمام أحمد: العقل في القلب وله اتصال في الدماغ، وهذا هو ما دل عليه القرآن، قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} وأين القلوب؟ في الصدور، قال الله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]. فالقرآن والسنة كلاهما يدل على أن محل العقل وتدبير البدن هو القلب وهذا هو الذي دلت عليه النصوص. فإن قال قائل: أليس الرجل إذا اختل دماغه اختل عقله؟ قلنا: بلى، لكن لا مانع أن يكون أصل العقل في القلب، ثم يصدر الأوامر إلى المخ من أجل أن تدير هذه المملكة العظيمة، لأن جسد الإنسان مملكة عظيمة فيها من جميع الآلات، وأظن بعضكم يعرف أن في بدنه حديداً، كل المواد موجودة في البدن، وكل المعادن موجودة في البدن، ولهذا قال الله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21، 20]. هذا الجسد هو دولة في الواقع، فلابد للملك الذي يدير من جنود، فالمدبر الملك وهو القلب، والجنود الدماغ والأعضاء، فأقرب ما يقال في تصوير المسألة أن أصل التدبير في القلب والمخ مساعد.____
فإذا قال قائل: التصور الآن المعروف أن التصور يكون في الرأس يكاد الإنسان يلمسه لمساً. فيقال: نعم، سكرتير الملك يعمل المعاملات ويمحصها ويدققها، ثم يبعث بها إلى الملك من أجل التوقيع فيوقع، ومن ينفذ؟ الجنود، فالمسألة تصورها في المحسوس أمر ظاهر، ونحن وإن لم ندرك الشيء بتصويره في الأمر الظاهر المحسوس يكفينا قول الله ورسوله: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 18)
فَالشُّبُهَاتُ بَرْزَخٌ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ كُلِّ مُتَبَايِنَيْنِ بَرْزَخًا، كَمَا جَعَلَ الْمَوْتَ وَمَا بَعْدَهُ بَرْزَخًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَجَعَلَ الْمَعَاصِيَ بَرْزَخًا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ. وَجَعَلَ الْأَعْرَافَ بَرْزَخًا بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

عيوب النفس (ص: 35_36)
المؤلف: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري، أبو عبد الرحمن السلمي (المتوفى: 412هـ)
"وَمن عيوبها تنَاول الرخيص بِالشُّبُهَاتِ،____ومداواتها اجْتِنَاب الشُّبُهَات،
وَأَنَّهَا تُؤدِّي إِلَى فعل الْحَرَام أَلا ترى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا مُشْتَبهَات فَمن اجتنبهن فَهُوَ أسلم لدينِهِ وَعرضه وَمن واقعهن وَقع فِي الْحَرَام كَالرَّاعِي حول الْحمى يُوشك أَن يخالط الحما أَلا وَإِن لكل ملك حما وَإِن حما الله مَحَارمه


======================

صحيح الترغيب والترهيب (2/ 322)
1732 - (2) [صحيح] ورواه الطبراني (2) من حديث ابن عباسٍ، ولفظه:
"الحلال بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبين ذلك شُبُهاتٌ، فَمنْ؛ أوْقَعَ بِهِنَّ؛ فَهُوَ قَمِنٌ أَنْ يأْثَمَ، ومَنِ اجْتَنَبُهنَّ؛ فهو أوْفَرُ لدِينِه، كمُرتعٍ إلى جنبِ حِمىً، وحِمى الله الحرامُ".
(رتَعَ الحِمى): إذا رعى من حوله وطاف (3) به.
(أوْشَكَ) بفتح الألف والشين أي: كاد وأسرع.
و (اجْتَرَأ) مهموز أي: أقدم.
و (قَمِنٌ) في حديث ابن عباس؛ هو بفتح القاف وكسر الميم أي: جدير وحقيق.
__________
(1) أخرجه في أول "البيوع" من طريق أخرج غير طريق ابن أبي زائدة، وأما النسائي فلم يخرجها، كما جزم بذلك الحافظ الناجي (162/ 2).
(2) قلت: وإسناده صحيح؛ رجاله كلهم ثقات، ولم يعرف أحدهم الهيثمي، وقلده المعلقون الثلاثة، فخرجته في "الصحيحة" (3361).
(3) كذا قال، وإنما هو: (أطاف به)، قال الجوهر: "أي: ألمَّ به وقاربه".



[1] قال الأمير الصنعاني _رحمه الله_ في سبل السلام (2/ 643)
"وَقَسَّمَ الْغَزَالِيُّ الْوَرَعَ أَقْسَامًا وَرَعُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى حِلِّهِ، وَوَرَعُ الْمُتَّقِينَ وَهُوَ مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَخَافُ أَنْ يَجُرَّ إلَى الْحَرَامِ، وَوَرَعُ الصَّالِحِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ مَوْقِعٌ وَإِلَّا فَهُوَ وَرَعُ الْمُوَسْوَسِينَ.
قُلْت: وَرَعُ الْمُوَسْوَسِينَ قَدْ بَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسْوَاسَ فِي الشُّبُهَاتِ) كَمَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ الصَّيْدِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ انْفَلَتَ مِنْ إنْسَانٍ وَكَمَنْ تَرَكَ شِرَاءَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَجْهُولٍ لَا يَدْرِي أَمَالُهُ حَرَامٌ أَمْ حَلَالٌ وَلَا عَلَامَةَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَكَمَنْ تَرَكَ تَنَاوُلَ شَيْءٍ لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَيَكُونُ دَلِيلُ إبَاحَتِهِ قَوِيًّا وَتَأْوِيلُهُ مُمْتَنِعٌ أَوْ مُسْتَبْعَدٌ وَالْكَلَامُ فِي الْحَدِيثِ مُتَّسِعٌ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ." اهـ كلامه
[2] وفي جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 209) :
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: تَمَامُ التَّقْوَى أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ الْعَبْدُ، حَتَّى يَتَّقِيَهُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، وَحَتَّى يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يَرَى أَنَّهُ حَلَالٌ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَازَالَتِ التَّقْوَى بِالْمُتَّقِينَ حَتَّى تَرَكُوا كَثِيرًا مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ الْحَرَامِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِنَّمَا سُمُّوا الْمُتَّقِينَ لِأَنَّهُمُ اتَّقَوْا مَالَا يُتَّقَى.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَدَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلَالِ لَا أَخْرِقُهَا.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: لَا يَسْلَمُ لِلرَّجُلِ الْحَلَالُ حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ حَاجِزًا مِنَ الْحَلَالِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَا يُصِيبُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ حَاجِزًا مِنَ الْحَلَالِ، وَحَتَّى يَدَعَ الْإِثْمَ وَمَا تَشَابَهَ مِنْهُ." اهـ كلامه
·       قال مقيده (أبو فائزة) _غفر الله له ولوالديه ومشايخه_ :
ما روي عن ابن عمر _رضي الله عنه_ فقد ورد ما يؤيده من رواية ابن حبان في صحيحه كما في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (8/ 138/ رقم : 5543) بسنده :
عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ , أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول:
((اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلَالِ , مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ , وَمَنْ أَرْتَعَ فِيهِ؛ كَانَ كَالْمُرْتِعِ إِلَى جَنْبِ الْحِمَى , يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ , وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى , وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي الْأَرْضِ مَحَارِمُهُ)).
= (5569) [63: 1]
قال الشيخ الألباني : حسن - ((الصحيحة)) (896).
[3] وقال ابن رجب _رحمه الله_ في جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 207_208) :
"وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَأَنَّهُ يَقْرُبُ وُقُوعَهُ فِي الْحَرَامِ الْمَحْضِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَأَضْرِبُ لَكُمْ مَثَلًا ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْمُحَرَّمَاتِ كَالْحِمَى الَّذِي يَحْمِيهِ الْمُلُوكُ، وَيَمْنَعُونَ غَيْرَهُمْ مِنْ قُرْبَانِهِ...____
وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَمَى هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنَعَ عِبَادَهُ مِنْ قُرْبَانِهَا وَسَمَّاهَا حُدُودَهُ، فَقَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] (الْبَقَرَةِ: 187) ،
وَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ حَدَّ لَهُمْ مَا أَحَلَّ لَهُمْ وَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَقْرَبُوا الْحَرَامَ، وَلَا يَعْتَدُوا الْحَلَالَ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] (الْبَقَرَةِ: 229) ، وَجَعَلَ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى وَقَرِيبًا مِنْهُ جَدِيرًا بِأَنْ يَدْخُلَ الْحِمَى وَيَرْتَعَ فِيهِ، فَلِذَلِكَ مَنْ تَعَدَّى الْحَلَالَ، وَوَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَارَبَ الْحَرَامَ غَايَةَ الْمُقَارَبَةِ، فَمَا أَخْلَقَهُ بِأَنْ يُخَالِطَ الْحَرَامَ الْمَحْضَ، وَيَقَعَ فِيهِ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّبَاعُدُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَاجِزًا." اهـ كلامه
[4] رواه الترمذي (2451)، كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع، باب: (19)، وابن ماجه (4215)، كتاب: الزهد، باب: الورع والتقوى، والحاكم في "المستدرك" (7899)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 335)، عن عطية السعدي - رضي الله عنه -.
تنبيه :
وفي " هداية الرواة " برقم " 2706 " قال الشيخ رحمه الله: - بعد قول الترمذي " حسن غريب " _ قال الشيخ :
(قلت: وليس كما قال! ويبدو أنني كنت اغتررت به في الطبعة السابقة فحسنته، وذلك وهم مني، عفا الله تعالى عني، فإن في سنده ضعيفا لم يوثق، والتفصيل في " غاية المرام " رقم 178 ".
وانظر " ضعيف الترغيب - المعارف - 1081 -، وابن ماجه 4215 والترمذي 2451.
[5] وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 209) :
وَيَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَتَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ إِلَيْهَا،
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ تَحْرِيمُ قَلِيلِ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ، وَتَحْرِيمُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَتَحْرِيمُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَمَنْعُ الصَّائِمِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ إِذَا كَانَتْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، وَمَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ فِيمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، كَمَا «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ امْرَأَتَهُ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَتَّزِرَ، فَيُبَاشِرُهَا مِنْ فَوْقِ الْإِزَارِ» .

Tidak ada komentar:

Posting Komentar