الكبيرة السابعة والستون :
قال الله _تعالى_ :
{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا
عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ
يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ
عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: 1_6]
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (8/ 454)
قَالُوا:
نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ مِكْيَالَانِ: كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، إِذَا اكْتَالَ
لِنَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ، اكْتَالَ بِالْمِكْيَلِ الْكَبِيرِ، وَإِذَا كَالَ
مِنْ عِنْدِهِ لِغَيْرِهِ، اكْتَالَ بِالْمِكْيَلِ الصَّغِيرِ، فَفِي كِلْتَا
الْحَالَتَيْنِ تَطْفِيفٌ، أَيْ: تَنْقِيصٌ عَلَى النَّاسِ مِنْ حُقُوقِهِمْ.
وَالتَّقْدِيمُ
فِي افْتِتَاحِيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالْوَيْلِ لِلْمُطَفِّفِينَ، يُشْعِرُ
بِشِدَّةِ خَطَرِ هَذَا الْعَمَلِ، وَهُوَ فِعْلًا خَطِيرٌ ; لِأَنَّهُ مِقْيَاسُ
اقْتِصَادِ الْعَالَمِ وَمِيزَانُ التَّعَامُلِ، فَإِذَا اخْتَلَّ أَحْدَثَ
خَلَلًا فِي اقْتِصَادِهِ، وَبِالتَّالِي اخْتِلَالٌ فِي التَّعَامُلِ، وَهُوَ
فَسَادٌ كَبِيرٌ.
وَأَكْبَرُ
مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وُجُودُ الرِّبَا إِذَا بِيعَ جِنْسٌ بِجِنْسِهِ، وَحَصَلَ
تَفَاوُتٌ فِي الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ.
وَفِيهِ
كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [2 \ 279] .
وَلِذَا
فَقَدَ وَرَدَ ذِكْرُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَالْحَثُّ عَلَى الْعِنَايَةِ
بِهِمَا فِي عِدَّةِ مَوَاطِن
ورد الأمر بإيفاء الكيل والميزان :
في قوله _تعالى_ :
{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ
وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [الأنعام: 152]
وقوله _تعالى_ :
{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
(35)} [الإسراء: 35]
ثم جاء النهي عن بخس الناس :
في قوله _تعالى_ :
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)} [الأعراف:
85]
{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا
مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
(183)} [الشعراء: 181 - 183]
وقد عذب قوم شعيب :
{وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا
لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ
جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) } [الأعراف: 90
- 93]
|
سنن
ابن ماجه (2/ 1332)
4019
- حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ،
وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ
قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ،
وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا،
وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ،
وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا
زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا
الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ
رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ،
فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ
بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ
اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ "
قال الأرنؤوط في تعليقه على سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط (5/ 150)
وأخرجه
أبو نعيم في "حلية الأولياء" 3/ 220 و 8/ 333 - 334 من طريق خالد ابن
يزيد، بهذا الإسناد.
وأخرجه
باختصار الطبراني (13619) من طريق خالد بن يزيد ...
وله
طريق آخر يتقوى به عند الحاكم 4/ 540، والطبراني في "مسند الشاميين"
(1558)، وفي "الأوسط" (4671) من طريقين عن الهيثم بن حميد، عن أبي
مُعَيدِ حفص بن غيلان، عن عطاء بن أبي رباح قال: كنت مع عبد الله بن عمر ...
وهذا
إسناد حسن رجاله ثقات إلا أن حفص بن غيلان ينزل عن رتبة الصحيح.
شرح الحديث :
فتح
الباري لابن حجر (10/ 192)
فقد
وَقع فِي حَدِيث بن عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّاعُونَ يَنْشَأُ عَن
ظُهُور الْفَاحِشَة
فتح
الباري لابن حجر (10/ 193)
وَلِأَحْمَدَ
مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَفْشُ
فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا فَإِذَا فَشَا فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا أَوْشَكَ أَنْ
يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ
أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ يَقَعُ عُقُوبَةً بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ
==================================================
الْكَبِيرَة
الثامنة وَالسِّتُّونَ :
الْأَمْن
من مكر الله
قال
الله _تعالى_ :
{أَفَأَمِنُوا
مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)}
[الأعراف: 99]
تفسير
السمرقندي = بحر العلوم (1/ 535)
ثم
قال تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ)
يعني:
عذاب الله
(فَلا
يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ)
يعني:
عذاب الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون بالعقوبة.
تفسير
الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/ 578)
قال
أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفأمن، يا محمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله،
ويجحدون آياته، استدراجَ الله إيّاهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحّة الأبدان
ورخاء العيش، كما استدرج الذين قصَّ عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، (2) فإنّ مكر
الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا، مع مقامهم على كفرهم،
وإصرارهم على معصيتهم= (إلا القوم الخاسرون) وهم الهالكون.
==================================================
قال
الله _تعالى_ :
{فَلَمَّا
نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى
إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ
مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]
تفسير
ابن كثير ت سلامة (3/ 256)
{فَلَمَّا
نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أَيْ: أَعْرَضُوا عَنْهُ وَتَنَاسَوْهُ وَجَعَلُوهُ
وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أَيْ:
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الرِّزْقِ مِنْ كُلِّ مَا يَخْتَارُونَ، وَهَذَا
(3) اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ تَعَالَى وَإِمْلَاءٌ لَهُمْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ
مَكْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} أَيْ: مِنَ
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَرْزَاقِ {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أَيْ: عَلَى
غَفْلَةٍ {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} أَيْ: آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.
قَالَ
الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُبْلِسُ: الْآيِسُ.
وَقَالَ
الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أَنَّهُ
يَمْكُرُ بِهِ، فَلَا رَأْيَ لَهُ. وَمَنْ قَتَر عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أَنَّهُ
يَنْظُرُ لَهُ، فَلَا رَأْيَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا
بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا
أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} قَالَ الْحَسَنُ:
مَكَرَ بِالْقَوْمِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ؛ أُعْطُوا حَاجَتَهُمْ ثُمَّ أُخِذُوا.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ
قَتَادَةُ: بَغَت القومَ أمرُ اللَّهِ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ قَوْمًا قَطُّ إِلَّا
عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ وَغَرَّتِهِمْ وَنَعِيمِهِمْ (4) فَلَا تَغْتَرُّوا
بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَا يَغْتَرُّ بِاللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا.
وَقَالَ
مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}
قَالَ: إِرْخَاءُ (5) الدُّنْيَا وَسَتْرُهَا.
سلسلة
الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 773)
413
- " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج
ثم
تلا:
* (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما
أوتوا
أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) * ".
أخرجه
أحمد (4 / 145) عن رشدين بن سعد وابن جرير في " التفسير " (7 / 115)
==================================================
وقال
_تعالى_ :
{إِنَّ
الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا
بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ
النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)} [يونس: 7، 8]
زاد المسير في علم التفسير (2/ 318)
قوله
تعالى: (لا يَرْجُونَ لِقاءَنا)
قال
ابن عباس: لا يخافون البعث.
(وَرَضُوا
بِالْحَياةِ الدُّنْيا) :
اختاروا
ما فيها على الآخرة وَاطْمَأَنُّوا بِها: آثروها. وقال غيره: ركنوا إِليها، لأنهم
لا يؤمنون بالآخرة (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ)
فيها
قولان:
أحدهما:
أنها آيات القرآن ومحمّد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس.
والثاني:
ما ذكره في أول السورة من صنعه، قاله مقاتل.
فأما
قوله تعالى: (غافِلُونَ)
فقال
ابن عباس : مكذِّبون. وقال غيره: مُعْرِضون.
قال
ابن زيد: وهؤلاء هم الكفار.
قوله
تعالى: (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)
قال
مقاتل: من الكفر والتكذيب.
Tidak ada komentar:
Posting Komentar