Jumat, 04 Februari 2022

الْوَجْه التَّاسِع وَالْعشْرُونَ من فضائل العلم (مفتاح دار السعادة)

 

 

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 52)

الْوَجْه التَّاسِع وَالْعشْرُونَ :

أنه _سُبْحَانَهُ_ لما اخبر مَلَائكَته بِأَنَّهُ يُرِيد أنْ يَجْعَل فِي الارض خَليفَةً، قَالُوا لَهُ : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: 30 - 32]

إلى آخر قصَّة آدم، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم، فَأبى إبليس، فلعنه، وَأخرجه من السَّمَاء.

 

وَبَيَان فضل الْعلم من هَذِه الْقِصَّة من وُجُوه :

* أحدها : أنه سُبْحَانَهُ رد على الْمَلَائِكَة لما سَأَلُوهُ : كَيفَ يَجْعَل فِي الارض من هم أطوع لَهُ مِنْهُ، فَقَالَ : (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، فَأجَاب سُؤَالهمْ بِأَنَّهُ يعلم من بواطن الأمور وحقائقها مَالا يعلمونه، وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم.

فَظهر مَنْ هَذَا الْخَلِيفَة، من خِيَار خلقه وَرُسُله وأنبيائه وصالحي عباده وَالشُّهَدَاء وَالصديقين وَالْعُلَمَاء وطبقات أهل الْعلم والايمان من هُوَ خير من الْمَلَائِكَة،

وَظهر مَنْ إبليس، من هُوَ شَرّ الْعَالمين. فَأخْرج سُبْحَانَهُ هَذَا وَهَذَا، وَالْمَلَائِكَة لم يكن لَهَا عِلْمٌ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا وَلَا بِمَا فِي خلق آدم وإسكانه الأرضَ من الحكم الباهرة.

* الثَّانِي : أنه سُبْحَانَهُ لما أراد إظهارَ تَفْضِيلِ آدمَ وتمييزِه وفضلِه، مَيَّزَهُ عَلَيْهِم بِالْعلمِ، فَعَلَّمَهُ الأسماءَ كُلَّهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة، فَقَالَ : (أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين)،

جَاءَ فِي التَّفْسِير : أَنَّهُمْ قَالُوا لن يخلق رَبنَا خلقا هُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنَّا فظنوا أنهم خير وأفضل من الْخَلِيفَة الَّذِي يَجعله الله فِي الأرض.

فَلَمَّا امتحنهم بِعلمِ مَا علَّمه لهَذَا الْخَلِيفَةِ، أقَرُّوْا بِالْعَجْزِ وَجَهْلِ مَا لم يعلموه، فَقَالُوا : (سُبْحَانَكَ لاعلم لنا إِلَّا مَا علمتنا إنك أنْتَ الْعَلِيم الْحَكِيم)

فَحِينَئِذٍ أظهَرَ لَهُم فضل آدم بِمَا خصّه بِهِ من الْعلم، فَقَالَ : (يَا آدم أنبئهم باسمائهم، فَلَمَّا انبأهم بِأَسْمَائِهِمْ)، أقرُّوا لَهُ بِالْفَضْلِ

* الثَّالِث : أنه _سُبْحَانَهُ_ لما أن عرَّفهم فضْلَ آدمَ بِالْعلمِ وعَجْزَهم عَن معرفَة مَا علَّمه، قَالَ لَهُم : (ألم أقل لكم إني أعْلَم غيب السَّمَوَات والارض وَأعْلَم مَا تبدون وَمَا كُنْتُم تكتمون) فعرَّفهم سُبْحَانَهُ نَفسه بِالْعلمِ وأنه أحاط علما بظاهرهم وَبَاطِنهمْ وبغيب السَّمَوَات والأرض،

فتعرف إليهم بِصفة الْعلم، وعرَّفهم فضلَ نبيِّه وكليمه بِالْعلمِ وعجزهم عَمَّا آتَاهُ آدم من الْعلم.

وَكفى بِهَذَا شرفا للْعلم :

* الرَّابِع : أنه سُبْحَانَهُ جعل فِي آدم____ من صِفَات الْكَمَال مَا كَانَ بِهِ أفْضلَ من غَيره من الْمَخْلُوقَات،

وَأَرَادَ سُبْحَانَهُ أن يظْهر لملائكته فَضله وشرفه فأظهر لَهُم أحسن مَا فِيهِ وَهُوَ علمه، فَدلَّ على أن الْعلم أشرف مَا فِي الانسان وأن فَضله وشرفه إِنَّمَا هُوَ بِالْعلمِ،

وَنَظِير هَذَا مَا فعله بِنَبِيِّهِ يُوسُف _عَلَيْهِ السَّلَام_ لما أَرَادَ إظهار فَضله وشرفه على أهل زَمَانه كلهم، أظهر للْملك وأهل مصر مِنْ عِلْمِهِ بِتَأْوِيل رُؤْيَاهُ مَا عجز عَنهُ عُلَمَاء التَّعْبِير،

فَحِينَئِذٍ قدَّمه ومكَّنه وَسلَّم إليه خَزَائِن الأرض، وَكَانَ قبل ذَلِك قد حَبسه على مَا رَآهُ من حسن وَجهه وجمال صورته.

وَلما ظهر لَهُ حسن صُورَة علمه وجمال مَعْرفَته، أطلقه من الْحَبْس، ومكنه فِي الأرض. فَدلَّ على أن صُورَة الْعلم عِنْد بني آدم أبهى وأحسن من الصُّورَة الحسية، وَلَو كَانَت أجمل صُورَة.

وَهَذَا وَجه مُسْتَقل فِي تَفْضِيل الْعلم مُضَاف الى مَا تقدم فتم بِهِ ثَلَاثُونَ وَجها " اهـ

 

زاد المسير في علم التفسير (1/ 53)

وفي الأسماء التي علَّمه قولان: أحدهما: أنه علمه كل الأسماء، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. والثاني: أنه علمه أسماء معدودة لمسميات مخصوصة. ثم فيها أربعة أقوال: أحدها: أنه علمه أسماء الملائكة، قاله أبو العالية. والثاني: أنه علَّمه أسماء الأجناس دون أنواعها، كقولك: إِنسان وملك وجني وطائر، قاله عكرمة. والثالث: أنه علمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب والهوام والطير، قاله الكلبي ومقاتل ابن قتيبة. والرابع: أنه علمه أسماء ذريته، قاله ابن زيد.

 

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 53)

الْوَجْه الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ انه سُبْحَانَهُ ذمّ اهل الْجَهْل فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من كِتَابه،

فَقَالَ تَعَالَى : {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } [الأنعام: 111]،

وَقَالَ : {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37]،

وَقَالَ تَعَالَى : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]،

 

فَلم يقْتَصر _سُبْحَانَهُ_ على تَشْبِيه الْجُهَّال بالأنعام حَتَّى جعلهم أضلَّ سَبِيلا مِنْهُم،

 

وَقَالَ : {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22]

أخبر أنَّ الْجُهَّال شَرُّ الدَّوَابِّ عِنْده على اخْتِلَاف أصنافها من الْحمير وَالسِّبَاع وَالْكلاب والحشرات وَسَائِر الدَّوَابّ.

فالجهال شَرّ مِنْهُم، وَلَيْسَ عَلي دين الرُّسُل أضرُّ من الْجُهَّال، بل أعداؤُهم على الْحَقِيقَة،

وَقَالَ تَعَالَى لنَبيه وَقد أعاذه : {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35]،

وَقَالَ كليمه مُوسَى _عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام_ : {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [البقرة: 67]،

وَقَالَ لأوّل رسله نوح _عَلَيْهِ السَّلَام_  : {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46]،

 

فَهَذِهِ حَال الْجَاهِلين عِنْده، والأول حَال أهل الْعلم عِنْده،

وَاخْبَرْ سُبْحَانَهُ عَن عُقُوبَته لأعدائه : أنه مَنعهم علم كِتَابه ومعرفتَه وفِقْهَهُ، فَقَالَ تَعَالَى

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء: 45، 46]،

 

وَأمر نبيه بالإعراض عَنْهُم، فَقَالَ : {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ،

 

وأثنى على عباده بالإعراض عَنْهُم ومتاركتهم كَمَا فِي قَوْله : {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } [القصص: 55]

وَقَالَ تَعَالَى : {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]،

وكل هَذَا يدل على قبح الْجَهْل عِنْده وبغْضِه للْجَهْل وَأَهلِه، وَهُوَ كَذَلِك عِنْد النَّاس، فَإِن كل أحد يتبرأ مِنْهُ، وَإِن كَانَ فيه." اهـ

 

Tidak ada komentar:

Posting Komentar