Selasa, 03 Maret 2020

ترغيب التجار في الصدق، وترهيبهم من الكذب والحلف وإنْ كانوا صادقين


12 - (ترغيب التجار في الصدق، وترهيبهم من الكذب والحلف وإنْ كانوا صادقين).



 - (7) [صحيح] وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"ثلاثةٌ لا ينظُرُ الله إليهمْ يومَ القِيامَةِ: أُشَيْمَطٌ زانٍ، وعائلٌ مستكْبِرٌ، ورجلٌ جَعَل اللهَ بضاعتَهُ؛ لا يشتَري إلا بيَمينِه، ولا يَبيعُ إلا بِيَمينِه".
رواه الطبراني في "الكبير"، وفي "الصغير" و"الأوسط"؛ إلا أنَّه قال فيهما:
"ثلاثَةٌ لا يكلِّمُهم الله، ولا يُزَكِّيهِمْ، ولهمْ عذابٌ أليمٌ" فذكره.
ورواته محتج بهم في الصحيح.

(أشَيْمَطٌ) مصغَّر (أَشْمَط): وهو مَنْ ابيَضَّ بعض شعر رأسه كبراً واختلط بأسوده.
و (العَائِلُ): الفقير.

تخريج الحديث :

المعجم الكبير للطبراني (6/ 246) (6111)، المعجم الأوسط (5/ 367) (5577)، المعجم الصغير للطبراني (2/ 82) (821)، شعب الإيمان (6/ 487) (4511)

من فوائد الحديث :

شرح النووي على مسلم (2/ 117_118)
وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الشَّيْخَ الزَّانِي وَالْمَلِكَ الْكَذَّابَ وَالْعَائِلَ الْمُسْتَكْبِرَ بِالْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ :
فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ :
"سَبَبُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْتَزَمَ الْمَعْصِيَةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ بُعْدِهَا مِنْهُ وَعَدَمِ ضَرُورَتِهِ إِلَيْهَا وَضَعْفِ دَوَاعِيهَا عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ،
لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إِلَى هَذِهِ الْمَعَاصِي ضَرُورَةٌ مُزْعِجَةٌ ولا دواعى متعادة : أَشْبَهَ إِقْدَامُهُمْ عَلَيْهَا الْمُعَانَدَةَ وَالِاسْتِخْفَافَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَقَصْدَ مَعْصِيَتِهِ لَا لِحَاجَةٍ غَيْرِهَا.
* فَإِنَّ الشَّيْخَ لِكَمَالِ عَقْلِهِ وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِ بِطُولِ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ وَضَعْفِ أَسْبَابِ الْجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ لِلنِّسَاءِ وَاخْتِلَالِ دَوَاعِيهِ لِذَلِكَ عِنْدَهُ مَا يُرِيحُهُ مِنْ دَوَاعِي الْحَلَالِ فِي هَذَا وَيُخَلِّي سره منه، فكيف بالزنى الْحَرَامِ؟
وَإِنَّمَا دَوَاعِي ذَلِكَ : الشَّبَابُ، وَالْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ وَقِلَّةُ الْمَعْرِفَةِ وَغَلَبَةُ الشَّهْوَةِ لِضَعْفِ الْعَقْلِ وَصِغَرِ السِّنِّ،
* وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ لَا يَخْشَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مُدَاهَنَتِهِ وَمُصَانَعَتِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُدَاهِنُ وَيُصَانِعُ بِالْكَذِبِ وَشِبْهِهِ مَنْ يَحْذَرُهُ وَيَخْشَى أَذَاهُ وَمُعَاتَبَتَهُ أَوْ يَطْلُبُ عِنْدَهُ بِذَلِكَ مَنْزِلَةً أَوْ مَنْفَعَةً،
وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْكَذِبِ مُطْلَقًا.
* وَكَذَلِكَ الْعَائِلُ الْفَقِيرُ : قَدْ عَدِمَ الْمَالَ.
وَإِنَّمَا سَبَبُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ وَالِارْتِفَاعِ عَلَى الْقُرَنَاءِ : الثَّرْوَةُ فِي الدُّنْيَا لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا فِيهَا، وَحَاجَاتُ أَهْلِهَا إِلَيْهِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَسْبَابُهَا، فَلِمَاذَا يَسْتَكْبِرُ وَيَحْتَقِرُ غَيْرَهُ،
فَلَمْ يَبْقَ فِعْلُهُ وَفِعْلُ الشَّيْخِ الزَّانِي وَالْإِمَامُ الْكَاذِبُ إِلَّا لِضَرْبٍ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ[1]

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 67) لأبي العباس القرطبي :
"وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة ؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحْضُ المعاندة ، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها ؛ إذْ لم يَحْمِلْهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما تدعو مَنْ لم يكنْ مثلهم.____
وبيانُ ذلك : أنَّ الشَّيْخَ لا حاجةَ له ولا داعية تدعوه إلى الزنى ؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه ، ولكمالِ عَقْلِه ، ولقربِ أجله ؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره.
ونحوٌ من ذلك : "المَلِكُ الكَذَّابُ" ؛ إذْ لا حاجةَ له إلى الكذب ؛ فإنه يمكنه أنْ يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدْق ، فإنْ خاف من الصدق مفسدةً ، وَرَّى.[2]
وأما "العَائِلُ المُسْتَكْبِرُ" : فاستحقَّ ذلك ؛ لغلبة الكِبْرِ على نفسه ؛ إذْ لا سببَ له مِنْ خارجٍ يحملُهُ على الكبر ؛ فإنَّ الكِبْرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ والجاه ، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه ؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبْرِ على نفسه ، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه ، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ : الذُّلُّ والتواضُعُ ؛ لفقره وعجزه." اهـ

·      تطريز رياض الصالحين (ص: 406)
سبب تخصيص، هؤلاء بهذا الوعيد، وإن كان لا يعذر أَحد بذنب، لأَن الشيخ قد ضعفت دواعي الشهوة فيه، والملك لا يخشى من أَحد من رعيته، والفقير قد عدم المال، وهو الداعي فصارت هذه الخصال الثلاث عزيزة في هؤلاء الثلاثة، فكان عذابهم أَشد من عذاب غيرهم.

·      تطريز رياض الصالحين (ص: 1050)
الزنى، والكذب، والكبر، حرام على كل أحد، وخص هؤلاء الثلاثة بالوعيد؛ لأن الشيخ ضعفت شهوته عن الوطء الحلال، فكيف بالحرام! وكمل عقله ومعرفته بطول ما مر عليه من الزمان، وإنما يدعو إلى الزنى غلبة الشهوة، وقلة المعرفة، وضعف العقل الحاصل من الشباب، والإمام لا يخاف من أحد وإنما يحتاج إلى الكذب من يريد مصانعة من يحذره، والعائل قد عدم المال الذي هو سبب الفخر والخيلاء، فكان إقدامهم على المعصية من المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى.

كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 571)
هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أبعد النَّاس مِمَّا تعاطوه، فَإِن شبِق الشَّبَاب يغلب أَصْحَابه فيقصدون قَضَاء الوطر لَا الْمُخَالفَة، وَالشَّيْخ إِنَّمَا يَزْنِي على تكلّف، فالمعصية فِي حَقه أقوى من الإلتذاذ. وَأما الْملك فَلَيْسَ فَوْقه أحد يحْتَاج إِلَى مكاذبته، فقد أَتَى ذبنا لَا معنى لَهُ. والعائل: الْفَقِير، والتكبر مَعَ الْفقر لَا وَجه لَهُ. وَهَذِه الذُّنُوب قبيحة مِمَّن كَانَت، وَلكنهَا من هَؤُلَاءِ أقبح، كَمَا أَن الْمعاصِي من كل أحد قبيحة، لَكِنَّهَا من الْعلمَاء أقبح.

شرح المصابيح لابن الملك (5/ 351)
"كِبْره _مع انعدام سبب فيه من المال أو الجاه_ يدل على كون طبعه لئيمًا."[3]

مجموع الفتاوى (18/ 14) لشيخ الإسلام :
فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ اشْتَرَكُوا فِي هَذَا الْوَعِيدِ وَاشْتَرَكُوا فِي فِعْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ مَعَ ضَعْفِ دَوَاعِيهِمْ؛ فَإِنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَا فِي الشَّيْخِ ضَعِيفَةٌ،
وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الْكَذِبِ فِي الْمَلِكِ ضَعِيفَةٌ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الْكِبْرِ فِي الْفَقِيرِ
فَإِذَا أَتَوْا بِهَذِهِ الذُّنُوبِ مَعَ ضَعْفِ الدَّاعِي دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَنْ الْوَعِيدِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُمْ.
وَقَلَّ أَنْ يَشْتَمِلَ الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ عَلَى جُمَلٍ إلَّا لِتَنَاسُبِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَخْفَى التَّنَاسُبُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَالْكَلَامُ الْمُتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ يُسَمَّى حَدِيثًا وَاحِدًا.

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (3/ 140) // لمحمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي :
"فلم يبق في زنا الأول، وكذب الثاني، واستكبار الثالث إلَّا ضربًا من الاستخفاف بحق الله تعالى، ومعاندة نواهيه وأوامره، وقلة الخوف من وعيده إذ لم يبق ثم حامل لهم على هذا سواه مع سبق القدر لهم بالشقاء، فهؤلاء الثلاثة إن استحلوا ذلك فقد خرجوا من الملة فلا إيمان لهم، وإلا فهم عاصون بارتكاب الكبائر فلا بد من معاقبتهم على ذلك إن لم يتوبوا، ولم يسمح الله لهم،

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 184)
وَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَبُغْضُهُ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ.
أَوَّلُهَا: يُبْغِضُ الْفُسَّاقَ، وَبُغْضُهُ لِلشَّيْخِ الْفَاسِقِ أَشَدُّ.
وَالثَّانِي: يُبْغِضُ الْبُخَلَاءَ، وَبُغْضُهُ لِلْغَنِيِّ الْبَخِيلِ أَشَدُّ.
وَالثَّالِثُ: يُبْغِضُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَبُغْضُهُ لِلْفَقِيرِ الْمُتَكَبِّرِ أَشَدُّ.
وَيُحِبُّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَحُبُّهُ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ:
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَحُبُّهُ لِلشَّابِّ التَّقِيِّ أَشَدُّ.
وَالثَّانِي: يُحِبُّ الْأَسْخِيَاءَ، وَحُبُّهُ لِلْفَقِيرِ السَّخِيِّ أَشَدُّ.
وَالثَّالِثُ: يُحِبُّ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَحُبُّهُ لِلْمُتَوَاضِعِ الْغَنِيِّ أَشَدُّ "

الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 127_128)
* في هذا الحديث من الفقه: أن الفواحش قد تغلظ في صورة معينة؛
كما أن___الزنا من كل أحد قبيح، ولكنه من الشيخ الذي قد ضعفت قوته وعدمت أو كادت شهوته، أقبح.
والكذب من كل أحد قبيح، إلا أنه من الملك الذي لا يخاف إذا صدق ولا يبالي بأحد إذا هو صدع بالحق، أقبح.
وكذلك الكبر من كل أحد قبيح، إلا أنه من العائل، أي: الفقير الذي ليس من أحواله ما يناسب الكبر، أقبح، فكانت هذه المعاصي في حق هؤلاء أغلظ منها في حق غيرهم، لهذه المعاني التي بيناها؛ فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم).

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (23/ 113_114)
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ الفقير المتكبّر
(ومنها):___ذمّ الزاني الكبير السنّ
(ومنها): ذمّ الملك الكذاب (ومنها): أن مرتكبي المعاصي تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي الحاملة لهم على ارتكابها، فمن كان له داع يحمله، ويقهره على ارتكابها، كان أخف جُرْمًا ممن لا داعي له إلى ذلك، وهذا فضل عظيم من ربّ رحيم، حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور، وأما من ليس كذلك، فإنه يعظم عقابه، حيث كان حامله على الارتكاب مجرّد الاستخاف بأمر اللَّه تعالى، وقلّة خوفه منه. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

·      تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص: 618_619)//للمؤلف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (المتوفى: 1233هـ) :
"قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله" . نفي كلام الرب _تعالى وتقدس_ عن هؤلاء العصاة دليل على أنه يكلم من أطاعه، وأن____الكلام صفة من صفات كماله، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أظهر شيء وأبينه، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من المحققين قيام الأفعال بالله سبحانه، وأن الفعل يقع بمشيئته تعالى وقدرته شيئًا فشيئًا ولم يزل متصفًا به، فهو حادث الآحاد قديم النوع، كما يقول ذلك أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 1. فأتى بالحروف الدّالة على الاستقلال، والأفعال الدالة على الحال والاستقبال أيضًا، وذلك في القرآن كثير.[4]

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (2/ 273) للشيخ الفوزان :
بيّنهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدما أجملهم، وذكر وعيدَهم ولما تطلّعت الأنظار إلى معرفتهم من أجل أن يُجتنب ما هم عليه، لأجل أن لا يكون الإنسان مثلَهم وبينهم.

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (2/ 273_274) للفوزان :
والزنا قبيح، وكبيرةٌ من كبائر الذّنوب، قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)} ، فهو قبيح، مستهجَن، ومرض فتّاك في المجتمعات، مدمِّرٌ للأخلاق، مدمٍّرٌ للمجتمع، مضيع للنسل، إلى غير ذلك من الآفات التي في الزنا، وهو موجبٌ لغضب الله، وموجبٌ للعقوبة الآجلة والأمراض الفتّاكة في المجتمع.
فالزّنا قبيح بكلّ معاني القُبح، ولكنّه يقبُح من بعض النّاس أكثر وأكثر، فالزنا من مثل هذا الأُشيمِط قبيح، لأنّ الأُشيمِط لَمّا أصابَه الشيب كان الواجب أن يكون___أبعد النّاس عن الزّنا، لأنّه ضعُفت فيه الشهوة وداعي الزنا، وأيضاً هو يتطلّع إلى الموت والانتقال إلى الدّار الآخرة، فكان الواجب عليه التّوبة والاستعداد للآخرة، والاستعداد للقاء الله، فإذا زنى وهو في هذه السنّ فهذا دليلٌ على قُبح أخلاقِه، وعلى أنّ الزنى سجيّةٌ فيه.
أمّا الشّاب وإنْ كان الزنا في حقِّه حرام وقبيح، لكن فيه دافع الشهوة وقوّة الشهوة.

=================================
1789 - (8) [صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"ثلاثَةٌ [5]لا يكلِّمُهم الله يومٍ القِيامَةِ، ولا ينطُرُ إليْهِمْ، ولا يُزَكِّيهِمْ، ولهمْ عَذابٌ أليمٌ :
رجلٌ على فضْلِ ماءٍ بفلاةٍ يمنَعُه ابنَ السبيلِ، ورجلٌ بايعَ رجلاً بسِلْعَتِه بعد العصْرِ فحلَف بالله لأَخَذها بكَذا وكذا، فصَدَّقَهُ فأخَذها؛ وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايَع إماماً لا يبايِعُه إلا للدنيا؛ فإنْ أعطاهُ منها ما يريدُ وفي لهُ، وإنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ".
وفي رواية نحوه، وقال:
"ورجُلٌ حلَفَ على سِلْعَتِه لقد أُعْطِيَ بها أكثرَ ممّا أُعطِيَ؛ وهو كاذِبٌ، ورجلٌ حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ العصْر ليْقتَطعَ بها مالَ امْرئٍ مسلمٍ، ورجلٌ منعَ فضْلَ ماءٍ، فيقولُ الله له: اليومَ أمنَعُكَ فضْلي، كما منعْتَ فضلَ ما لَمْ تعمَلْ يداكَ".

من فوائد الحديث :

فتح الباري لابن حجر (13/ 203)
وَالْمُرَادُ بِابْنِ السَّبِيلِ الْمُسَافِرُ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْمَاءِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ إِذَا أَصَرَّا عَلَى الْكُفْرِ فَلَا يَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ لَهُمَا،
وَخَصَّ بَعْدَ الْعَصْرِ بِالْحَلِفِ لِشَرَفِهِ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا الَّذِي بَايَعَ الْإِمَامَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ،
فَاسْتِحْقَاقُهُ هَذَا الْوَعِيدَ لِكَوْنِهِ غَشَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ لَازِمِ غِشِّ الْإِمَامِ غَشُّ الرَّعِيَّةِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسَبُّبِ إِلَى إِثَارِهِ الْفِتْنَةَ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّبَعُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى مُلَخَّصًا،
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ :
خَصَّ وَقْتَ الْعَصْرِ بِتَعْظِيمِ الْإِثْمِ فِيهِ وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مُحَرَّمَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِأَنَّ اللَّهَ عَظَّمَ شَأْنَ هَذَا الْوَقْتِ بِأَنْ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ تَجْتَمِعُ فِيهِ وَهُوَ وَقْتُ خِتَامِ الْأَعْمَالِ وَالْأُمُورُ بِخَوَاتِيمِهَا،
فَغَلُظَتِ الْعُقُوبَةُ فِيهِ لِئَلَّا يُقْدِمَ عَلَيْهَا تَجَرُّؤًا فَإِنَّ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَيْهَا فِيهِ اعْتَادَهَا فِي غَيْرِهِ،
وَكَانَ السَّلَفُ يَحْلِفُونَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَجَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا."

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 68)
وقوله : رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ ، يعني بـ فَضْلِ المَاءِ : ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخْذِ حاجتِهِ منه ؛ فمَنْ كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك ، تعلَّق به هذا الوعيد.
و ابنُ السَّبِيل : هو المسافر ، والسبيلُ : الطريق ، وسمِّي المسافرُ بذلك ؛ لأنَّ الطريقَ تُبْرِزه وتُظْهِره ، فكأنَّها وَلَدَتْهُ ، ، وقيل : سمِّي بذلك ؛ لملازمتِهِ إياه ، كما يقالُ في الغراب : ابنُ دَأْيَة ؛ لملازمتِهِ دَأْيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنْقُرَهَا.
و الفَلاَةُ : القَفْر ، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن منعه بقوله : لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ ، وسيأتي الكلامُ عليه إنْ شاء الله.
وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك ؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِنْ مستَحِقِّهِ ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه ، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا ، أُقِيدَ منه عند مالك ؛ لأنَّه قتلَهُ ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح.

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 69)
وقوله : فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا ، يعني : أنَّه كذَبَ فزاد في الثَّمَنِ الذي به اشتَرَى ؛ فكَذَبَ واستخَفَّ باسمِ الله تعالى حين حَلَفَ به على الكذب ، وأخَذَ مالَ غيرِهِ ظُلْمًا ؛ فقد جمع بين كبائر ، فاستَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديد.
وتخصيصُهُ بـ "ما بَعْدَ العَصْر" : يَدُلُّ على أنَّ لهذا الوقتِ من الفضلِ والحُرْمةِ ما ليس لغيره مِنْ ساعات اليوم.

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 70_71)
قال الشيخ ، ـ رحمه الله ـ : ويظهرُ لي أنْ يقال : إنما كان ذلك ؛ لأنَّه عَقِيبَ الصلاةِ الوُسْطَى - كما يأتي النصُّ عليه - ولمَّا كانتْ هذه الصلاةُ لها مِنَ الفضلِ وعظيمِ القَدْرِ أكثَرُ مما لغيرها ، فينبغي لمصلِّيها أن يَظْهَرَ عليه عَقِيبَهَا -من التحفُّظِ على دينه ، والتحرُّزِ على إيمانِهِ- أكثَرُ مما ينبغي له عَقِيبَ غيرها ؛ لأنَّ الصلاةَ حَقُّهَا : أن تَنْهَى عن الفحشاء والمنكر ؛ كما قال الله تعالى : {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ، أي : تَحْمِلُ على الامتناعِ مِنْ ذلك ، بما يحدُثُ في قلب المصلِّي بسببها من النُّورِ والانشراح ، والخوفِ من الله تعالى والحياءِ منه ؛ ولهذا أشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : مَنْ لم تَنْهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمُنْكَرِ ، لم يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا ، وإذا كان هذا في الصلواتِ كلِّها ، كانتِ الصلاةُ الوسطى بذلك أولَى ، وحقُّها مِنْ ذلك أكبَرَ وأوفَى ؛ فمَنِ اجترَأَ بعدها على اليمينِ الغَمُوسِ التي يأكُلُ بها مالَ الغير ، كان إثمُهُ أشدَّ وقلبُهُ أَفْسَدَ ، والله تعالى أعلم.
وهذا الذي ظهَرَ لي : أَوْلَى مما قاله القاضي أبو الفَضْل ؛ فإنَّه قال : "وإنَّما كان ذلك لاجتماعِ ملائكةِ الليلِ وملائكةِ النهار في ذلك الوَقْتِ" ؛ لوجهَيْن :
أحدهما : أنَّ هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر ؛ لأنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ العَصْرِ وَصَلاَةِ الفَجْرِ ؛ وعلى هذا : فتبطُلُ خصوصيَّةُ العصر ؛ لمساواةِ الفجرِ لها في ذلك.____
وثانيهما : أنَّ حضورَ الملائكةِ واجتماعَهُمْ إنما هو في حالِ فعل هاتَيْنِ الصلاتين لا بعدهما ؛ كما قد نَصَّ عليه في الحديثِ حين قال : فَيَجْتَمِعُونَ في صلاةِ الفَجْرِ وصَلاَةِ العَصْرِ ، ولقولِ الملائكةِ : أتيناهُمْ وهم يُصَلُّونَ ، وتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ هؤلاءِ الملائكةَ لا يشاهدون من أعمالِ العبادِ إلا الصلواتِ فَقَطْ ، وبها يَشْهَدون.
فتدبَّرْ ما ذكرتُهُ ؛ فإنَّه الأنسَب الأسلَمُ ، والله أعلم .

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 71)
وقوله : وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا ؛ إنَّما استَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ ؛ لأنَّه لم يَقُمْ لله تعالى بما وجَبَ عليه مِنَ البَيْعةِ الدينيَّة ، فإنَّها من العباداتِ التي تجبُ فيها النيَّةُ والإخلاص ، فإذا فَعَلَهَا لغيرِ اللهِ تعالى مِنْ دنيا يَقْصِدها ، أو غَرَضٍ عاجلٍ يقصده ، بَقِيَتْ عهدتُهَا عليه ؛ لأنَّه منافقٌ مُرَاءٍ غَاشٌّ للإمامِ وللمسلمين ، غيرُ ناصحٍ لهم في شيء من ذلك.
ومَنْ كان هكذا ، كان مُثِيرًا للفتن بين المسلمين ؛ بحيثُ يَسْفِكُ دماءَهُمْ ، ويستبيحُ أموالهم ، ويَهْتِكُ بلادهم ، ويَسْعَى في إهلاكهم ؛ لأنَّه إنما يكونُ مع مَنْ يبلِّغُهُ إلى أغراضه ، فيبايعُهُ لذلك ويَنْصُرُهُ ، ويغضَبُ له ويقاتلُ مخالفَهُ ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد.
وقد يكونُ هذا يخالفُهُ في بعضِ أغراضه ، فينكُثُ بيعتَهْ ، ويطلُبُ هَلَكَتَهْ ، كما هو حالُ أكثر أهلِ هذه الأزمانْ ، فإنَّهم قد عمَّهم الغَدْرُ والخِذْلاَنْ.

فتح الباري لابن حجر (13/ 203)
وَفِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ فِي نَكْثِ الْبَيْعَةِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَلِمَا فِي الْوَفَاءِ مِنْ تَحْصِينِ الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ وَحَقْنِ الدِّمَاءِ وَالْأَصْلُ فِي مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ أَنْ يُبَايِعَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِالْحَقِّ وَيُقِيمَ الْحُدُودَ وَيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَمَنْ جَعَلَ مُبَايَعَتَهُ لِمَالٍ يُعْطَاهُ دُونَ مُلَاحَظَةِ الْمَقْصُودِ فِي الْأَصْلِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ وَحَاقَ بِهِ إِنْ لَمْ يَتَجَاوَزِ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَأُرِيدَ بِهِ عَرَضُ الدُّنْيَا فَهُوَ فَاسِدٌ وَصَاحبه آثم وَالله الْمُوفق

سبل السلام (2/ 592)
فَهَذَا ارْتَكَبَ أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ وَالْكَذِبَ فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ وَخَصَّ بَعْدَ الْعَصْرِ لِشَرَفِ الْوَقْتِ وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ غَلُظَ بِالزَّمَانِ

شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/ 279)
فى هذا الحديث : وعيد شديد فى الخروج على الأئمة ونكث بيعتهم لأمر الله بالوفاء بالعقود؛ إذ فى ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتيت الألفة.
وفيه : فساد الأعمال إذا لم يرد بها وجه الله وأريد بها عرض الدنيا،

الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 347)
* في هذا الحديث ما يدل على أن مبايعة الإمام ينبغي ألا تكون راجعة إلى الدنيا؛ بل إلى مصلحة الدين.
* وفيه أيضًا: أنه لا يحل لأحد أن يغدر بمن يبايعه؛ لأن المبايعة مفاعلة لا تكون إلا بين الاثنين؛ فإذا بايع الإنسان فقد بايع طاعته ونصره بثواب الله عز وجل، والمبايعة كحبل له طرفان: أحدهما في الدنيا، والآخر في الآخرة. فالإمام نائب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا بايعه الناس فقد باعوه أنفسهم، يجاهدون بها في سبيل الله بين يديه، وأعطوه مقادتهم، وولوه أمرهم، وكان ثمن ذلك الجنة من الله سبحانه وتعالى، فعلق الرهن، وانعقد العقد، ولم يبق لعاقده فكاك منه في هذه الحياة الدنيا." اهـ

كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 453) لابن الجوزي :
"اعلم أَن الْمُبَايعَة يَنْبَغِي____أَن تكون للدّين لَا للدنيا، فَإِذا عكس الْأَمر وَقعت الْعقُوبَة." اهـ


[1] قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/ 383_384)
خص هؤلاء الثلاثة بأليم العذاب وعقوبة الإبعاد لالتزام كل واحد منهم المعصية التى ذكر على بعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحدٌ بذنبٍ، ولا فى معصيته الله تعالى، لكن لما لم تدعُهم إلى هذه المعاصى ضرائر مزعجة، ولا دواعٍ معتادة، ولا حملتهم عليها أسبابٌ لازمةٌ، أشبه إقدامُهم عليها المعاندةَ، والاستخفاف بحق المعبود، محضًا، وقصد معصيته لا لغير معصيته ، فإن الشيخ مع كمال عقله، وإعذار الله له فى عمره، وكثرة معرفته بطول ما مَرَّ عليه من زمنه، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبَرد مِزاجِه، وإخلاق جديده، وعنده من ذلك ما يُريحه من دواعى الحلال فى هذا الباب من ذاته، ويخلى سره منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟! إذ دواعى ذلك الكبرى الشبابُ، وحرارةُ الغريزة، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة بضعف العقل، وصِغَرِ السِنّ.
وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، إذ___إنما يُداهن الإنسان ويصانع بالكذب وشبهه من يحذرُه ويخشى معاقبته، أو أذاه ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلةً أَو منفعةً، فهو غنى عن الكذب جملة.
وكذلك العائلُ الفقيرُ، قد عدم بعدمه المال ولعاعة الدنيا سبَبَ الفخر، والخُيلاء، والاستكبار على القُرناء، إذ إنما يكون ذلك بأسباب الدنيا والظهور فيها وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا يستكبر ويستحقر غيره؟ فلم يبق إلا أنَّ فى استكبار هذا، وكذب الثانى، وزنا الثالث، ضربًا من الاستخفاف بحق الله تعالى، ومعاندة نواهيه، وأوامره، وقلة الخوف من وعيده إذ لم يبق ثَمَّ حاملٌ لهم على هذا سواه، مع سبق القدَرِ لهم بالشقاء." اهـ
[2] وقال ابن العطار في العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام (3/ 1695)
في رواية من هذا الحديث: "ولا غادِرَ أعظمُ غدْرًا من أميرِ عامَّةٍ" [م]
ويحتمل أنه ورد في نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا، ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه، وإذا صدر من الأئمة والولاة ما يشق عليهم، صبروا عليهم ما أقاموا الصلاة فيهم، كما ثبت في الصحيح. ولهذا قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59]، والله أعلم.
وفي الحديث دليل: على غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره؛ لأنه غدره يتعدَّى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على الوفاء، كما ثبت في الحديث الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثةٌ لا يكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامة ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليم: ملكٌ كذاب، وشيخٌ زانٍ، وعائلٌ مستكبِرٌ".". اهـ
[3] انظر : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3190) لعلي بن سلطان القاري _رحمه الله_
[4] وقال الشيخ الفوزان _حفظه الله_ في إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (2/ 272_273) :
"فهذا فيه: إثبات الكلام لله عزّ وجلّ، وأنّ الله يكلِّم عبادَه، ويتكلّم بما شاء من أمرِه سبحانه وتعالى.
والكلام من صفاته سبحانه، وهو من صفات الأفعال التي يفعلُها إذا شاء سبحانه.__
وكلامُه قديمُ النّوع حادثُ الآحاد، بمعنى: أنّ نوع كلامه سبحانه قديم بقدمه سبحانه، ليس له بداية كسائر أفعاله، وحادث الآحاد بمعنى: أنه يتكلّم إذا شاء سبحانه وتعالى.
ونُثبتُ ذلك لله عزّ وجلّ، ومن كلامه: القرآن الكريم، فإنّه كلامُ الله جل وعلا.
[5] الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (6/ 346_347) :
* قوله: (ثلاثة) يعني: ثلاثة أصناف من الناس، كل واحد منهم صنف في جنس عمله :
* أحدهم: مانع فضل الماء بالفلاة، يعني أنه بالفلاة التي هي غير مملوكة؛ لأن حكم ما في الأرض المملوكة يخالف حكم غيره؛ لأن لصاحب الأرض المملوكة أن يمنع الدخول إليها، فإذا كان في فلاة فليس لأحد أن يتخصص به، وعلى هذا لم يقنع هذا بأن يأخذ حاجته من ابن السبيل المحتاج إليه؛ فكان هذا قد منع فاضلًا عن حاجته إنسانًا محتاجًا إلى ذلك الفاضل.
* وقوله: (رجع بايع رجلًا بسلعة بعد العصر) (70/ ب)، وتلك هي الصلاة الوسطى التي أمر بالمحافظة عليها، وذلك الوقت وقت فراغ أصحاب الأعمال، واجتماع الأندية وشهود الناس، فإذا حملت إنسانًا جرأته على الله تعالى أن يحلف به كاذبًا في مشهد من المسلمين؛ فقد تعرض لسخط الله.
* وقوله: (بايع إمامًا لدنيا) يعني: لأجل دنيا، فهو ينوي وقت بيعه أنه إن أعطاه من الدنيا وفي له، وإن لم يعطه منها لم يف له؛ فذلك الذي لا ينظر الله إليه، فأما إذا بايعه قاصدًا بذلك الحق، وجمع كلمة الإسلام؛ فإنه لم يبق له خيار أعطاه أو منعه.

Tidak ada komentar:

Posting Komentar