الحديث الثاني عشر: المؤمن
الْقَوِيِّ
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ _رضي الله عنه_ قَالَ :
قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_ :
*
"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ، وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ
الضَّعِيفِ. وَفِي كلٍّ خَيْرٌ.
*
احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ،
*
وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَز.
*
وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فعلت كذا، كان كَذَا وَكَذَا،
*
وَلَكِنْ قُلْ: قدَّر اللَّهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ
الشَّيْطَانِ"
رواه
مسلم [في "صحيحه" رقم: 2664 بعد 34]
شرح
الحديث وغرائبه :
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 492) :
*
مفردات الحديث:
-
فإنَّ "لو": أي: فإنَّ كلمة "لو" بعد وقوع شيء على خلاف
المراد.
-
تفتح عمل الشيطان: لما تُثْنِيهِ عَنْ شِدَّةِ حرصه، وحسرته على ما فات أو وقع,
وعن عدم رضائه بالقضاء، وظنه إمكان رد القدر.
-
قَدَرُ الله: بفتحتين، وهو القضاء الذي يقدِّره الله على عباده.
تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين (ص: 300) للشوكاني :
"وَالْقدر
: بِفَتْح الدَّال : عبارَة عَمَّا قضى الله وَحكم بِهِ على عباده." اهـ
الفتح
الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (19/ 184)
(1)
أي الذي منحه الله صحة في بدنه وقوة في ايمانه (2) أي ضعيف الجسم ولكنه قوى
الإيمان فالأول أفضل باعتبار ان نفعه متعد لأنه يمكنه الجهاد وكل ما يطلبه الشرع
من الأمور التي تحتاج إلى قوة الجسم والثاني نفعه قاصر على نفسه وفي كل خير
باعتبار قوة الايمان."
شرح
النووي على مسلم (16/ 215)
وَالْمُرَادُ
بِالْقُوَّةِ هُنَا عَزِيمَةُ النَّفْسِ وَالْقَرِيحَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ
فَيَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ أَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوِّ فِي
الْجِهَادِ وَأَسْرَعَ خُرُوجًا إِلَيْهِ وَذَهَابًا فِي طَلَبِهِ وَأَشَدَّ
عَزِيمَةً فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ
عَلَى الْأَذَى فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللَّهِ
تَعَالَى وَأَرْغَبَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْأَذْكَارِ وَسَائِرِ
الْعِبَادَاتِ وَأَنْشَطَ طَلَبًا لَهَا وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ
فتح الباري لابن حجر (13/
228)
وَقَالَ عِيَاضٌ :
"الَّذِي يُفْهَمُ
مِنْ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ وَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ
: أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ (لَوْ) وَ (لَوْلَا) فِيمَا يَكُونُ لِلِاسْتِقْبَالِ مِمَّا
فَعَلَهُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ وَهُوَ مِنْ بَابِ لَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي
الْبَابِ إِلَّا مَا هُوَ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَمَا هُوَ
حَقٌّ صَحِيحٌ مُتَيَقَّنٌ بِخِلَافِ الْمَاضِي وَالْمُنْقَضِي أَوْ مَا فِيهِ
اعْتِرَاضٌ عَلَى الْغَيْبِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ."
قَالَ : وَالنَّهْيُ
إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ قَالَهُ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ
ذَلِكَ لَمْ يُصِبْهُ مَا أَصَابَهُ قَطْعًا فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى
مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ ذَلِكَ مَا
وَقَعَ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا."
قَالَ :
"وَالَّذِي عِنْدِي
فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ لَكِنَّهُ
نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ
الشَّيْطَانِ أَيْ يُلْقِي فِي الْقَلْبِ مُعَارَضَةَ الْقَدَرِ فَيُوَسْوِسُ بِهِ
الشَّيْطَانُ."
وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ
: بِأَنَّهُ جَاءَ مِنَ اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي الْمَاضِي مِثْلَ قَوْلِهِ : "لَوِ
اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهديت"،[1]
فَالظَّاهِر : أن النَّهْي عَن إِطْلَاقُ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ،
وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ طَاعَة الله أَو مَا هُوَ
مُتَعَذر عَلَيْهِ مِنْهُ وَنَحْوُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ
أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيثِ."
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي
الْمُفْهِمِ :
الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ
الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ بَعْدَ وُقُوعِ
الْمَقْدُورِ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالرِّضَى بِمَا قَدَّرَ
وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الِالْتِفَاتِ لِمَا فَاتَ فَإِنَّهُ إِذا فكر فِيمَا فَاتَهُ
مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا جَاءَتْهُ
وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ فَلَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْخُسْرَانِ
فَيُعَارِضَ بِتَوَهُّمِ التَّدْبِيرِ سَابِقَ الْمَقَادِيرِ وَهَذَا هُوَ عَمَلُ
الشَّيْطَانِ الْمَنْهِيُّ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ بِقَوْلِهِ فَلَا تَقُلْ
لَوْ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَ
النُّطْقِ بِلَوْ مُطْلَقًا إِذْ قَدْ نَطَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِهَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَلَكِنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ عَنْ
إِطْلَاقِهَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا أُطْلِقَتْ مُعَارِضَةً لِلْقَدَرِ مَعَ
اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَانِعَ لَوِ ارْتَفَعَ لَوَقَعَ خِلَافُ الْمَقْدُورِ
لَا مَا إِذَا أَخْبَرَ بِالْمَانِعِ عَلَى جِهَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ
فَائِدَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ
إِطْلَاقِهِ وَلَيْسَ فِيهِ فَتْحٌ لِعَمَلِ الشَّيْطَانِ وَلَا مَا يُفْضِي إِلَى
تَحْرِيمٍ."
شرح
المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3335)
وفيه
تأسف على الفائت ومنازعة للقدر وإيهام بأن ما يفعله باستبداده ومقتضى رأيه خير مما
ساقه القدر إليه، من حيث إن لو تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى؛ ولذلك
استكرهه وجعله مما يفتح عمل الشيطان.
كشف
المشكل من حديث الصحيحين (3/ 552)
الْإِشَارَة
بِالْقُوَّةِ هَا هُنَا إِلَى الْعَزْم والحزم والإحتياط لَا إِلَى قُوَّة الْبدن.
|
بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 33_38)
هذا
الحديث اشتمل على أصول عظيمة كلمات جامعة.
فمنها :
إثبات المحبة صفة لله، وأنها متعلقة بمحبوباته وبمن قام بها ودلّ على أنها تتعلق
بإرادته ومشيئته، وأيضاً تتفاضل. فمحبته للمؤمن القوي أعظم من محبته للمؤمن
الضعيف.
.........................................
ودلّ
الحديث على أن الإيمان يشمل العقائد القلبية والأقوال والأفعال، كما هو مذهب أهل
السنة والجماعة فإن "الإيمان بضع وسبعون شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ".
وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ منه.
وهذه
الشعب التي ترجع إلى الأعمال الباطنة والظاهرة كلها من الإيمان.
فمن
قام بها حق القيام، وكَمَّل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمَّل غيره
بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر: فهو المؤمن القوي الذي حاز أعلى مراتب
الإيمان. ومن لم يصل إلى هذه المرتبة: فهو المؤمن الضعيف.
..............................................
وهذا
من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص. وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه، وبحسب
أعماله.
وهذا
الأصل قد دلّ عليه الكتاب والسنة في مواضع كثيرة.
ولما
فاضل النبي صلّى الله عليه وسلم بين المؤمنين قويهم وضعيفهم خشي من توهم القدح
في المفضول، فقال: "وفي كل خير" وفي
هذا الاحتراز فائدة نفيسة، وهي أن على من فاضل بين الأشخاص أو___الأجناس أو الأعمال
أن يذكر وجه التفضيل، وجهة التفضيل.
ويحترز
بذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول، لئلا يتطرق القدح إلى المفضول وكذلك في
الجانب الآخر إذا ذكرت مراتب الشر والأشرار،
وذكر
التفاوت بينهما. فينبغي بعد ذلك أن يذكر القدر المشترك بينهما من أسباب الخير أو
الشر. وهذا كثير في الكتاب والسنة.
وفي
هذا الحديث: أن المؤمنين يتفاوتون في الخيرية، ومحبة الله والقيام بدينه، وأنهم
في ذلك درجات {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} [الأحقاف:19] ,
ويجمعهم ثلاثة أقسام :
*
السابقون إلى الخيرات، وهم الذين قاموا بالواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات
والمكروهات، وفضول المباحات وكملوا ما باشروه من الأعمال، واتصفوا بجميع صفات
الكمال.
*
ثم المقتصدون الذين اقتصروا على القيام بالواجبات وترك المحظورات.
*
ثم الظالمون لأنفسهم، الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً.
.........................
وقوله
صلّى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك واستعن
بالله" كلام جامع نافع، مُحِتوٍ على سعادة الدنيا والآخرة.
والأمور
النافعة قسمان : أمور دينية، وأمور دنيوية.
والعبد
محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية. فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد
في الأمور النافعة منهما، مع الاستعانة بالله تعالى،
فمتى
حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها، وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه
في حصولها وتكميلها : كان ذلك كمالَه، وعنوانَ فلاحِه.
ومتى
فاته واحدٌ من هذه الأمور الثلاثة : فاته من الخير بحسبها،
فمن
لم يكن حريصاً على الأمور النافعة، بل كان كسلانَ لم يدرك شيئاً.
فالكسل هو أصل الخيبة والفشل. فالكسلان لا يدرك خيراً، ولا ينال مكرمة، ولا يحظى بِدِيْنٍ
ولاَ دُنْيَا،
ومتى
كان حريصاً، ولكن على غير الأمور النافعة: إما على أمور ضارة، أو مفوتة للكمال :
كان ثمرةُ حرصِه الخيبةَ، وفواتَ الخير، وحصولَ الشرِ والضررِ،
فكم
من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلا التعبَ والعناءَ
والشقاءَ.
ثم
إذا سلك العبد الطرقَ النافعة، وحرَص عليها، واجتهد فيها: لم تتم له إلا بصدق
اللجأ إلى الله، والاستعانة به على إدراكها وتكميلها وأن لا يتكل على نفسه
وحَوْله وقوته،
بل
يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه. فبذلك تهون عليه المصاعب، وتتيسر
له___الأحوال, وتتمّ له النتائج والثمرات الطيّبة في أمر الدين وأمر الدنيا,
لكنّه
في هذه الأحوال محتاج - بل مضطر غاية الاضطرار - إلى معرفة الأمور التي ينبغي
الحرص عليها، والجد في طلبها.
فالأمور النافعة في الدين ترجع إلى أمرين: علم نافع، وعمل صالح.
أما العلم النافع : فهو العلم المزكي للقلوب والأرواح، المثمر لسعادة الدارين. وهو ما جاء
به الرسول صلّى الله عليه وسلم من حديث وتفسير وفقه، وما يعين على ذلك من علوم
العربية بحسب حالة الوقت والموضع الذي فيه الإنسان، وتعيين ذلك يختلف باختلاف
الأحوال.
والحالة
التقريبية: أن يجتهد طالب العلم في حفظ مختصر من مختصرات الفن الذي يشتغل فيه.
فإن تعذر أو تعسر عليه حفظه لفظاً، فليكرره كثيراً، متدبراً لمعانيه، حتى ترسخ
معانيه في قلبه.
ثم
تكون باقي كتب هذا الفن كالتفسير والتوضيح والتفريع لذلك الأصل الذي عرفه
وأدركه،
فإن
الإنسان إذا حفظ الأصول وصار له ملكة تامة في معرفتها هانت عليه كتب الفن كلها :
صغارها وكبارها. ومن ضيع الأصول حُرِمَ الوصولَ.
فمن
حرص على هذا الذي ذكرناه، واستعان بالله: أعانه الله، وبارك في علمه، وطريقه
الذي سلكه.
ومن
سلك في طلب العلم غير هذه الطريقة النافعة : فاتت عليه الأوقات، ولم يدرك إلا
العناء، كما هو معروف بالتجربة. والواقع يشهد به،
فإن
يسر الله له معلماً يحسن طريقة التعليم، ومسالك التفهيم: تم له السبب الموصل إلى
العلم.
وأما الأمر الثاني - وهو العمل الصالح -: فهو الذي جمع الإخلاص لله، والمتابعة
للرسول صلّى الله عليه وسلم،
وهو
: التقرب إلى الله: باعتقاد ما يجب لله من صفات الكمال، وما يستحقه على عباده من
العبودية، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وتصديقه وتصديق رسوله في كل خبر أخبرا به
عما مضى، وعما يستقبل عن الرسل، والكتب والملائكة، وأحوال الآخرة، والجنة
والنار، والثواب والعقاب وغير ذلك،
ثم
يسعى في أداء ما فرضه الله على عباده: من حقوق الله، وحقوق خلقه،
ويكمل
ذلك بالنوافل والتطوعات، خصوصاً المؤكدة في أوقاتها، مستعيناً بالله على فعلها،
وعلى تحقيقها وتكميلها، وفعلها على وجه الإخلاص الذي لا يشوبه غرض من الأغراض
النفسية.
وكذلك
يتقرب إلى الله بترك المحرمات، وخصوصاً التي تدعو إليها____النفوس، وتميل إليها.
فيتقرب
إلى ربه بتركها لله، كما يتقرب إليه بفعل المأمورات،
فمتى
وفّق العبد بسلوك هذا الطريق في العمل، واستعان الله على ذلك أفلح ونجح. وكان
كماله بحسب ما قام به من هذه الأمور، ونقصه بحسب ما فاته منها.
...........................
وأما الأمور النافعة في الدنيا : فالعبد لا بد له من طلب الرزق.
فينبغي
أن يسلك أنفع الأسباب الدنيوية اللائقة بحاله. وذلك يختلف باختلاف الناس، ويقصد
بكسبه وسعيه القيام بواجب نفسه، وواجب من يعوله ومن يقوم بمؤنته، وينوي الكفاف
والاستغناء بطلبه عن الخلق.
وكذلك
ينوي بسعيه وكسبه تحصيل ما تقوم به العبوديات المالية: من الزكاة والصدقة،
والنفقات الخيرية الخاصة والعامة مما يتوقف على المال،
ويقصد
المكاسب الطيبة، متجنباً للمكاسب الخبيثة المحرمة.
فمتى
كان طلب العبد وسعيه في الدنيا لهذه المقاصد الجليلة، وسلك أنفع طريق يراه
مناسباً لحاله كانت حركاته وسعيه قربةً يتقرب إلى الله بها.
ومن تمام ذلك : أن
لا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته، وحذقه بمعرفة الأسباب وإدارتها،
بل يستعين بربه متوكلاً عليه، راجياً منه أن ييسره لأيسر الأمور وأنجحها،
وأقربها تحصيلاً لمراده. ويسأل ربه أن يبارك له في رزقه،
فأول
بركة الرزق : أن يكون مؤسساً على التقوى والنية الصالحة.
ومن
بركة الرزق : أن يوفق العبد لوضعه في مواضعه الواجبة والمستحبة،
ومن
بركة الرزق : أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة، كما قال تعالى: {وَلاَ
تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237] , بالتيسير على الموسرين، وإنظار
المعسرين، والمحاباة عند البيع والشراء، بما تيسر من قليل أو كثير. فبذلك ينال
العبد خيراً كثيراً.
.............................
فإن قيل: أي المكاسب أولى وأفضل؟
قيل:
قد اختلف أهل العلم في ذلك :
*
فمنهم من فضل الزراعة والحراثة.
*
ومنهم من فضل البيع والشراء.
*
ومنهم من فضل القيام بالصناعات والحرف ونحوها.
وكل
منهم أدلى بحجته. ولكن هذا الحديث هو الفاصل للنزاع، وهو أنه _صلّى الله عليه
وسلم_ قال : "احرص على ما ينفعك، واستعن
بالله"
والنافع
من ذلك معلوم أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
فمنهم
: من تكون الحراثة والزراعة أفضل في حقه،
ومنهم
: من يكون البيع والشراء والقيام بالصناعة التي يحسنها أفضل في حقه. فالأفضل من
ذلك وغيره الأنفع.___
فصلوات
الله وسلامه على من أعطي جوامع الكلم ونوافعها.
.....................................
ثم
إنه صلّى الله عليه وسلم حضّ على الرضا بقضاء الله وقدره، بعد بذل الجهد،
واستفراغ الوسع في الحرص على النافع.
فإذا
أصاب العبد ما يكرهه : فلا ينسبْ ذلك إلى ترك بعض الأسباب التي يَظن نفعَها لو
فعلها، بل يسكن إلى قضاء الله وقدره ليزداد إيمانه، ويسكن قلبه وتستريح نفسه؛
فإن
"لو" في هذه الحال تفتح عمل الشيطان بنقص إيمانه بالقدر، واعتراضه
عليه، وفتح أبواب الهم والحزن والمضعف للقلب.
وهذه
الحال التي أرشد إليها النبي صلّى الله عليه وسلم هي أعظم الطرق لراحة القلب،
وأدعى لحصول القناعة والحياة الطيبة،
وهو
الحرص على الأمور النافعة، والاجتهاد في تحصيلها، والاستعانة بالله عليها، وشكر
الله على ما يسره منها، والرضى عنه بما فات، ولم يحصل منها.
واعلم
أن استعمال "لو" يختلف باختلاف ما قصد بها :
*
فإن استعملت في هذه الحال التي لا يمكن استدراك الفائت فيها فإنها تفتح على
العبد عمل الشيطان، كما تقدم.
*
وكذلك لو استعملت في تمني الشر والمعاصي فإنها مذمومة، وصاحبها آثم، ولو لم
يباشر المعصية. فإنه تمنى حصولها.
وأمّا
إذا استعملت في تمنّي الخير أو في بيان العلم النافع فإنّها محمودة؛ لأنّ
الوسائل لها أحكام المقاصد.
وهذا
الأصل الذي ذكره النبي صلّى الله عليه وسلم - وهو الأمر بالحرص على الأمور
النافعة،
ومن
لازمِه : اجتناب الأمور الضارة مع الاستعانة بالله - يشمل استعماله والأمر به في
الأمور الجزئية المختصة بالعبد ومتعلقاته، ويشمل الأمور الكلية المتعلقة بعموم
الأمة.
فعليهم
جميعاً أن يحرصوا على الأمور النافعة. وهي المصالح الكلية والاستعداد لأعدائهم
بكل مستطاع مما يناسب الوقت، من القوة المعنوية والمادية، ويبذلوا غاية مقدورهم
في ذلك، مستعينين بالله على تحقيقه وتكميله، ودفع جميع ما يضاد ذلك. وشرح هذه
الجملة يطول وتفاصيلها معروفة.
وقد
جميع النبي صلّى الله عليه وسلم في هذا الحديث :
*
بين الإيمان بالقضاء والقدر،
*
والعمل بالأسباب النافعة،
وهذان
الأصلان دلّ عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة. ولا يتم الدين إلا بهما. بل
لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما، لأن قوله "احرص على ما ينفعك"
أمر بكل____سبب ديني ودنيوي، بل أمر بالجد والاجتهاد فيه والحرص لعيه، نية وهمة،
فعلاً وتدبيراً.
وقوله:
"واستعن بالله" إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي هو
الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح ودفع المضار، مع الثقة
التامة بالله في نجاح ذلك.
فالمتبع
للرسول صلّى الله عليه وسلم يتعين عليه أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه،
وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته والله المستعان." اهـ
|
تطريز
رياض الصالحين (ص: 90_91)
المؤمنُ
القوي، هو من يقوم بالأوامر ويترك النواهي بقوة ونشاط، ويصبر على مخالطة الناس
ودعوتهم، ويصبر على أذاهم.___
وفي
الحديث: الأمر بفعل الأسباب والاستعانة بالله.
وفيه:
التسليم لأمر الله، والرضا بقدر الله.
المفهم لما أشكل من تلخيص
كتاب مسلم (15/ 83)
فالواجب عند وقوع المقدور
التسليم لأمر الله ، وترك الاعتراض على الله ، والاعراض عن الالتفات إلى ما فات .
فيجوز النطق بـ (( لو )) عند السلامة من تلك الآفات . والله أعلم ." اهـ
الإفصاح عن معاني الصحاح
(8/ 44)
في هذا الحديث : ما يدل على
أن من المؤمنين القوي والضعيف؛ فإن في كل خير؛ إلا أن المؤمن القوي أحب إلى الله
من المؤمن الضعيف، وذلك لأن المؤمن القوي ينفع نفسه وينفع غيره؛ وربما تعدت منفعته
إلى أهله وقومه وإمة دهره.
والمؤمن الضعيف قد يقتصر
بنفعه على نفسه، وأخاف على ضعفه أيضا أن يضعف على حفظ نفسه؛ ولأن المؤمن القوي
يعرضه أن يكسر حزب الشيطان بقوله إذا قال، وبفعله إذا فعل.
والمؤمن الضعيف أخاف عليه
في مواطن يضعف فيها؛ فيكون كاسرا لحزب الحق،
والقوة في الإيمان أن يعمل
المؤمن بعزائم الشرع في مواطنها، وأن لا يجبن على الأخذ برخص الشرع في مواطنها،
وأن لا يترك المسلمين من يده حفاظا لدينهم، ومهتما بهم، ذَكَرِهِمْ وأُنْثَاهُمْ،
عالمهم وجاهلهم، مهتما بتدبير العامة، عالما بأسرار الخاصة، إن كان ذا أمر، وإلا
قال لكل ذي لب إنه يصلح أن يكون ذا إمرة.
وأما المؤمن الضعيف فعلى ضد
ذلك قانعا بأن يسلم بنفسه.
فأما قوله : (ولا تعجز) فإنه لا يحسن بالمؤمن أن
يعجز؛ وقد بقي في الأمر مطلع لاحتيال.
وقوله: (إذا أصابك شيء) يعين إذا احتلت ولم تفد
فقد أعذرت ولا يترك___الاحتياط؛ لأن تارك الاحتياط لا يربح إلا الحسرة.
وفيه ما يدل على أنه يستحب للإنسان أن لا يكثر من قول: (لو) فإنها تفتح عمل
الشيطان، ولكن ليتعض منها بذكر (قدر الله عز وجل ومشيئته)، ونعم العوض ذلك.
المفاتيح في شرح المصابيح
(5/ 309) للزيداني :
مَن صبر على مجالسة الناس،
وتحمُّل أذيتهم، وتعليمهم الخير، وإرشادهم إلى الهدى، فهو أحب إلى الله من المؤمن
الذي يفر من الناس، ولا ينفع إلا نفسَه.
دليل الفالحين لطرق رياض
الصالحين (2/ 317)
ففيه التنبيه على الدواء
عند وقوع المقدور وذلك بالتسليم لأمر الله والرضا بقدرالله، والإعراض عن الالتفات
لما مضى وفات بألا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، لأن ذلك يئول به إلى الخسران،
من توهم أن التدبير يعارض سوابق المقادير، وهذا عمل الشيطان
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
(7/ 492_496)
* ما يؤخذ من الحديث:
1 - فيه استحباب القوة في
الأعمال؛ لأنَّه يحصل فيها من الفائدة والثمرة ما لا يحصل من الضعف؛ فإنَّ الضعيف
لا ينتج عنه إلاَّ ضَعْفٌ وقلَّة؛ قال الله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ
اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} [القصص]، وقال تعالى: {خُذُوا مَا
آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]، وقال تعالى: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ
بِقُوَّةٍ} [مريم: 12].
2 - قال شيخ الإسلام في
السياسة الشرعية: القوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوَّة___في إمارة الحرب: ترجع إلى
شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والقوةُ في الحُكم بين الناس: ترجع إلى العلم
بالعدل الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.___
أمور دينه وأمور دنياه، وهو
محتاج إلى معرفة الأحوال والأمور والوسائل التي تبلغه إلى مقصوده، وتوصله إلى
مطلوبه، ومن أقوى الوسائل إلى ذلك وأنفع السبل: العلوم النافعة؛ فإنَّها الصراط
المستقيم إلى خير الدنيا والآخرة.
6 - قوله: "واستعن
بالله":
قال ابن القيم في مدارج
السالكين؛ الاستعانة: طلب العون من الله تعالى، وإذا التزم العبد بمعبودية ربه،
أعانه الله تعالى عليها؛ فكان التزامه بها سببًا لنيل الإيمان، فكلما كان العبد
أتم عبودية لربه، كانت الإعانة من الله له أعظم، وأنفعُ الدعاء طلب العون من الله
على مرضاته، وأفضلُ المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها
على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه.
قال شيخ الإسلام: تأمَّلْتُ
أنفع الدعاء، فإذا هو سؤاِل العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: {إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}، والعبد مع استعانته بربه، فهو محتاج إلى
عمل الأسباب النافعة، والطرق الموصلة.
قال بعضهم: إنَّ كل عمل
يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن
تكون مؤدية إليه، وقد مكَّن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والعون من دفع
بعض الموانع، وكسب بعض الأسباب، وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في
استطاعتنا من ذلك، ونبذل الجهد في إتقان أعمالنا بكل ما نستطيع من حول وقوَّة.
ونفوِّض الأمر فيما وراء
كسبنا إلى القادر على كل شيء، ونلجأ إليه تعالى وحده، ونطلب منه المعونة المتمِّمة
للعمل، والموصِّلة لثمرته منه
واجتماع القدرة والقوة
والأمانة في الناس قليل، فإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشدَّ، قُدِّم
الأمين مثل حفظ الأموال ونحوها، فأما استخراجها فلابد فيه من قوَّة وأمانة،
فيولَّى عليها قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته.
ومن ذلك السَّعي في إصلاح
الأحوال حتى يكمل في الناس ما لابد لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها؛
فإنَّ ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب.
3 - أما الحديث هنا،
فالمراد في أعمال الآخرة التي يحصل منها إقدامٌ على الجهاد، وصلابة في الأمر
بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وصبرٌ على الأذى، وتحمُّلٌ للمشاق في أمر الله،
والقيام بحقوقه من الطاعات.
4 - أما الضَّعيف: فهو
بالعكس من ذلك؛ فلا يحصل منه كمال المطلوب إلاَّ أنَّ وجود الإيمان معه لا يحرمه
من الخير؛ فإنَّ الإيمان أساس الخير والبركة، ولابد له من فائدة مهما كانت.
5 - قوله: "احرص على
ما ينفعك" في أمر الدين والدنيا، وأهم المنافع والمطالب هو ما يطلب من طاعة
الله تعالى التي فيها السعادة الأبدية؛ فهذه هي المنفعة الكبيرة، والمطلب العظيم،
الذي لمثله فليعمل العاملون، وفي الحصول عليه فليتنافس المتنافسون؛ فهذا هو النفع
العظيم، والكسب الكبير.
والعبد محتاج إلى الأمور
الدنيوية؛ كما هو محتاج إلى أموره الدينية، ومأمور بأن يسلك الطرق الموصلة،
والوسائل القوية التي تبلغه حاجته في____سبحانه وتعالى دون سواه؛ إذ لا يقدر على
ما وراء الأسباب الممنوحة لكل بشر إلاَّ مسبِّب الأسباب، ورب العباد.
7 - وقوله: "ولا
تعجز" العجز يكون بأمرين:
الأول: هو ترك العمل وإهمال
القيام بالأسباب الموصِّلة إلى المطلوب، والوسائل المبلغة إلى المقصود، والركون
إلى الكسل والعجز.
الثاني: عدم الاستعانة
بالله تعالى، والاتكال عليه بالإعانة على المهام والمقاصد، وصرف همه وحده
بالاعتماد على حوله وقوَّته وسعيه؛ فإنَّ حرص العبد بغير الاستعانة بالله تعالى لا
ينفعه، ولا يجديه شيئًا.
ونواميس الله تعالى الكونية
لا تفضِّل أحدًا دون أحد، فمن أخذ بها، وصل إلى مقصوده، ولكنْ هناك أمورٌ وراء
الأسباب والنواميس لا يقدر عليها إلاَّ هو، ولا تطلب إلاَّ منه تعالى.
8 - ومن العجز: أن يدعو
العبدُ الله تعالى ويطلب منه تعالى قضاء حاجاته، وتسهيل مهماته، فلا يرى الإجابة
الظاهرة، فيكسل، ويعجز عن مواصلة الدعاء.
قال ابن القيم في الجواب
الكافي: ومن الآفات التي تمنع ترتيب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد ويستبطيء،
ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذَر بذرًا، أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهد ويسقيه، فلما
استبطأ كماله وإدراكه، تركه وأهمله.
وفي صحيح البخاري (6340)
ومسلم (2735) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
"يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي".
9 - قوله: "وإن
أصابك شيء ... إلخ".
يبيِّن -صلى الله عليه
وسلم- بهذه الجملة: أنَّ الإنسان إذا بذل الجهد، واستفرغ طاقته ووسعه،____ثم جاء
الأمر بخلاف مطلوبه، بأن فاته مطلوبه، أو حصل له ضرر لم يتوقعه: فعليه بالإيمان
بالقضاء، وأن لا يقول: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا؛ فإنَّ "لو" تفتح
عمل الشيطان، فتُحْدِث للإنسان الأسف، والحزن على الأمور التي فاتته، وتوجب له عدم
الصبر بما قدَّره الله عليه، وتجعل عنده "لو" احتمالاً أنَّه لو فعل
ذلك، لم يصبه ما وقع عليه.
10 - أما استعمال
"لو" في تمنِّي الخير، أو في بيان العلم النافع، فإنَّها محمودة؛ لأنَّ
الوسائل لها أحكام المقاصد، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبلتُ من
أمري ما استدبرتُ، ما سُقت الهَدْي، ولأحللتُ معكم" [رواه البخاري (505)
ومسلم (218)].
شرح رياض الصالحين (2/ 78)
الأفعال تنقسم إلى ثلاثة
أقسام: قسم ينفع الإنسان، وقسم يضره، وقسم لا ينفع ولا يضر.
شرح رياض الصالحين (2/ 79)
وهذا حديث عظيم ينبغي
للإنسان أن يجعله نبراساً له في عمله الديني والدنيوي، لأن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (احرص على ما ينفعك) وهذه الكلمة كلمة جامعة عامة، (على ما ينفعك) أي
على كل شيء ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة
الدنيا فقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع
فساد الدين فإنها تفسد.
مشارق الأنوار الوهاجة
ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه (2/ 483)
في فوائده:
1 - (منها): ما ترجم له
المصنّف رحمه الله، وهو بيان وجوب الإيمان بالقدر.
2 - (ومنها): بيان فضل
المؤمن القويّ على غير القويّ؛ لأنه ينفع نفسه، وينفع المؤمنين.
3 - (ومنها): بيان فضل
الإيمان، وإن كان صاحبه ضعيفًا.
4 - (ومنها): الحثّ على
الحرص على تحصيل ما ينفع المؤمن من خير الدنيا والآخرة، وعدم التواني في طلب ذلك.
5 - (ومنها): الحثّ على
الاستعانة بالله سبحانه وتعالى في تحقيق ما يريده؛ لأن مجرّد الحرص لا يُجدي شيئًا
إلا بعون من الله تعالى على حصوله، بل يكون حرصه وبالًا عليه، ولقد____أحسن من
قال، وأجاد في المقال [من الطويل]:
إِذَا كَانَ عَوْنُ الله
لِلْمَرْءِ مُسْعِفَا ... تَهَيَّا لَهُ في كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ
مِنَ الله لِلْفَتَى ... فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
6 - (ومنها): ذمّ العجز،
والتواني في طلب المنافع.
7 - (ومنها): أنه إذا وقع
بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه، لا ينبغي له التأسّف، وقولُ "لو أني
فعلتُ كذا كان كذا" تسخّطًا لقدر الله تعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه
وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما
حرص عليه خيرًا إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله عز وجل: {وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ
شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، بل
الواجب عليه حينئذ أن يقول: "قدّر الله، وما شاء فعل".
8 - (ومنها): أن قول
العبد "لو فعلت كذا" يفتح عليه باب الشيطان؛ إذ يحمله على تسخّط ما قدر
الله تعالى عليه، والتبرّم منه، وعدم الرضا بالقضاء، وسوء الظنّ بربه سبحانه
وتعالى، وكلها من نزغات الشيطان، فلا ينبغي للعبد أن يفتح بابها؛ إذ يخسر دنياه
وآخرته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم: {إِنَّ
عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} الآية [الحجر: 42] وقال: {إِنَّهُ
لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}
[النحل: 99]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
فتح ذي الجلال والإكرام
بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 432)
هذا الحديث فيه: حث على
مكارم الأخلاق، أولاً: قوله: "لو تفتح عمل الشيطان" أي: فإن قول الإنسان
"لو" في الأمر المقدر تفتح عمل الشيطان، فما هو عمل الشيطان؟ عمل
الشيطان ما يحدثه في قلب الإنسان من الندم والحسرة، وهي لا تفيد؛ لأن ما وقع لا
يمكن رفعه.
ففي هذا الحديث فوائد :
منها: أن الأيمان يتفاوت،
يؤخذ ذلك من قوله: "المؤمن القوي خير وأحب، إلى الله من المؤمن الضعيف"،
فإن قال الإنسان: بماذا يتفاوت الإيمان؟ قلنا: يتفاوت بأسباب متعددة؛ أولاً:
يتفاوت باليقين، فبعض الناس يكون إيمانه إيمان يقين كأنما يرى الجنة
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح
بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 433)
والنار واليوم الآخر، بل قد
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه"، وهذا أعلى ما
يكون من درجات اليقين هذا من الأسباب، وهل لهذا - أي: زيادة اليقين - دليل على أنه
ربما يزداد وينقص؟ نقول: نعم فيه دليل من القرآن: {وإذ قال إبرهيم رب أرني كيف
تحيى الموتي قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى} [البقرة: 260] أي: ليزداد
ثباتاً، وله دليل من الواقع أيضاً، فمثلاً: إذا أتاك رجل ثقة بحبر تثق بخبزه لصدقه
وأمانته وإدراكه الأمور على ما هي عليه أتاك بخبر صار عندك إيمان، أتاك رجل آخر
بنفس الخبر فيزداد الأيمان، وكلما كثرت طرق الخبر ازداد الإنسان قوة، كذلك أيضاً
يقوى الإيمان بكثرة اللجوء إلي الله عز وجل، بمعنى: أن يكون قلبك دائماً متعلقا
بالله، إن ذكرت الله تذكره في قلبك قبل ان تذكره بلسانك، إن تركت شيئاً لله تذكر الله
تعالى بقلبك قبل أن تتركه، وهكذا يكون قلبك دائماً مع الله، حتى في لبس الثوب،
تذكر أن الله هو الذي أنعم به عليك ويسره لك، وكذلك الأكل والشرب والنكاح والمسكن،
كل ذلك اذكر الله عز وجل يزداد بذلك اليقين، مما يزيد اليقين: العمل الصالح. لقوله
تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتهم تقواهم} [محمد: 17]. وكلما كثر العمل
الصالح ازداد الإيمان قوة، ولهذا يقال: إن الأعمال الصالحة بمنزلة الماء للشجرة
كلما أكثرت من سقيها ازدادت نمواً وحياة.
ومن فوائد الحديث: إثبات
تفاضل الناس حسب قوة إيمانهم، يؤخذ ذلك من قوله: "خير"، هذا عائد على
المؤمن.
ومن فوائد الحديث: إثبات
محبة الله عز وجل لقوله: "أحب إلى الله"
ومن فوائده أيضاً: أن محبة
الله تعالى تتفاوت بحسب أعمال العبد؛ لأن الله علق زيادة المحبة بقوة الإيمان.
ومن فوائد الحديث: حسن
التعبير في حطاب النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في كلام الله لقوله: "وفي
كل خير".
ومن فوائد الحديث: أنه
ينبغي للإنسان إذا أراد أن يفاضل بين شخصين وفي كل منهما خير أن يذكر الخير في
الجميع حتى لا تهبط قيمة الأخر من قلوب الناس.
ومن فوائد الحديث: إرشاد
النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرص على ما ينفع؛ لقوله: "احرص على ما
ينفعك" وهو لما قلنا في الشرح شامل لما ينفع في الدين أو في الدنيا.
ومن فوائد الحديث: أنه لا
ينبغي للإنسان أن يحرص على ما لا نفع فيه، يؤخذ ذلك من قوله: "على ما
ينفعك" يعنى: وأما ما لا ينفعك فلا تحرص عليه، ولكن هل يجوز ذلك أن تمارسه
أولاً؟ ينظر، فإن كان شيئاً محرماً فإنه لا يجوز، وان كان لغواً فإن الأولى حفظ
النفس واللسان عنة.____
فتح ذي الجلال والإكرام
بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 434)
ومن فوائد الحديث: وجوب
الاستعانة بالله عز وجل مع فعل الأسباب، أين السبب؟ قوله: "احرص على ما
ينفعك"، الاستعانة "واستعن بالله".
ومن فوائده: أن فعل الأسباب
مقدم على التوكل والاستعانة؛ لأنه قال "احرص" "واستعن".
فإن قال قائل: لا نسلم لهذه
الفائدة؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب.
قلنا: نعم هي لا تقتفي
لكنها لا تنافي الترتيب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: {إن
الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158]. قال حين دنا من الصفا: "أبدأ
بما بدأ الله به"، قررنا أن الفعل يتقدم على الاستعانة لئلا يكون الإنسان
متواكلاً لا متكلاً، يعني: لو قدم الاستعانة بالله على شيء لم يفعله فإنه لا
يستقيم ولكن يقال: الأولى أن تكون الاستعانة مقارنة للفعل، بمعنى: أنه من حين أن
يقوم بالفعل ينوي الاستعانة بالله لئلا يعجب بنفسه في أول الفعل، فالاستعانة - إذن
- إما أن تسبق أو تتأخر أو تقارن، فأيهما المطلوب؟ المقارنة.
ومن فوائد الحديث: أنك إذا
حرصت على ما ينفعك فلا تستعن يغير الله، نعم يقال: إنك إذا استعنت بغير الله فغيه
تفصيل: إن كان لا تمكن الاستعانة به كما لو كان ميتاً أو غائباً فهذا لا يجوز، وهو
من الشرك، وأن كان تمكن الاستعانة به فهذا دخل في قوله: "احرص على ما
ينفعك"، فيكون من السبب، والاستعانة إنما هي لله عز وجل.
ومن فوائد الحديث: النهي عن
الكسل والخمول، وهو يستلزم الثبات والاستمرار، يؤخذ من قوله: "لا تعجز"
أي: لا تفتر عن العمل، وتترك العمل بل اثبت واستمر، ولهذا قال الله عز وجل: {يأيها
الذين امنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلم تفلحون} [الأنفال:
45].
ومن فوائد الحديث: ان
الإنسان إذا فعل ما يلزمه من الأسباب النافعة واستعان بالله ثم صار الأمر على خلاف
ما أراد، فهنا يجب عليه التفويض المطلق، وإلا فالواجب أن يفعل السبب، فمثلاً: لو
إن أناساً يقاتلون عدواً ونفدت أجهزة القتال معهم أو تكسرت فهنا. ما بقي عليهم إلا
التفويض الى الله عز وجل، يفوضون تماماً؛ لأنهم ما يستطيعون أن يفعلوا الأسباب،
أما مع إمكان فعل الأسباب فإن الواجب فعل السبب؛ ولهذا نقول: إن من الاستهتار أن
يذهب إنسان يقاتل بعصاه آو بسكين مطبخه مع أناس يقاتلونه بالدبابات والرشاشات
ويقول: أنا متوكل على الله! ! هذا غلط، نعم لو أنك حوصرت ولم تستطع الفرار حينئذ
قاتل ما استعطت بأي سلاح معك.___
فتح ذي الجلال والإكرام
بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 435)
ومن فوائد الحديث: النهى عن
قول: "لو" يعنى: إذا فعلت الأسباب ولكن لم يحصل المقصود لا تقل: لو،
وكما تعلمون أن الحديث يدل على ان النهي عن قول: "لو" إنما هو ني هذه
الصورة المعية، وهي أن يكون الإنسان قد حرص على ما ينفع وبذل الأسباب واستعان
بالله ثم اختلفت الأمور، منها لا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا مثال ذلك: رجل سافر
إلي مكة لأداء العمرة واستعان بالله عز وجل، ثم أصيب بحادث قي أثناء الطريق فهل له
أن يقول: لو أني ما سافرت لسلمت؟ لا؛ لأن الرجل ما ذهب ليصاب بالحادث، إنما ذهب
لفعل ينفعه مستعينا بربه مستمراً على ما أراد، فحصل الأمر على خلاف المراد، فحينئذ
يفوض الأمر إلى الله ولا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، وأما استعمال لو من
حيث هو ففيه تفصيل: إن استعملت لمجرد الخبر فهي جائزة وليس فيها شيء مثل: أن تقول
لصاحبك: لو جئتني لأكرمك، هذا ليس فيه شيء، بل خبر محض ومنه قول الرسول صلى الله
عليه وسلم "لو استقبلت من أمر ما استدبرت ما سقت الهدي"، الثاني: أن
يقولها - أي: له - للتمني، فهذا على حسب ما تمناه، مثل أن يقول: لو أن لي مثل مال
فلان لعلمت فيه مثل عمله، فهذا الذي تمناه إن كان خيراً فقول: "لو" خير
وإن كان شراً فقول: "لو" شر، الثالث: أن يقولها على سبيل التحسر والندم،
فهذه منهيٌ عنها كما في هذا الحديث.
ومن فوائد الحديث: أن قدر
الله 0 تبارك وتعالى 0 فوق كل الأسباب، وأنها قد تأتي الأسباب تامة؛ ولكن قدر الله
يحول بينها وبين مسبباتها؛ لقوله: "ولكت قل قدر الله".
ومن فوائد الحديث: إثبات
القدر، وأنه سابق لإرادات كل مريد؛ لقوله: "ولكن قل قدر الله"/ وهل
القول هنا باللسان ـو باللسان والقلب؟ باللسان والقلب.
ومن فوائد الحديث: إثبات
الهيئة لله عز وجل وإثبات الفعل؛ لقوله: "وما شاء فعل"، واثبات الفعل
لله عز وجل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، فهم يثبتون لله الأفعال الاختيارية
ويقولون: إن الله يفعل ما يشاء، والذين ينكرون الأفعال الاختيارية يقولون: لو قام
بالرب فعل لكان حادثاً؛ لأن الفعل حادث، والحادث لا يقوم إلا بحادث، فيقال لهم: من
قال لكم هذا بل قيام الأفعال بالله عز وجل تدل على كماله، وأنة يفعل ما يريد
ويرزق، ويحيي ويميت ويعز ويذل، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل.
ومن فوائد الحديث: أن
الشيطان قد يسلط على الإنسان لقوله: "فإن لو تفتح عمل الشيطان"، ولا شك
أن الشيطان يسلط على المرء في إدخال الأحزان عليه وإدخال التحسر عليه وتشتيته في
أمور لا أصل لها وتخيله أموراً لا حقيقة لها، كل ذلك من أجل إدخال الحزن على
الإنسان، وإلي هذا يشير قوله تعالى: (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين امنوا
وليس___
فتح ذي الجلال والإكرام
بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 436)
بضارهم شيئاً} [المجادلة:
10]. ومنه: الحلم في المنام, فقد يرى الشيطان حلماً يكدره وينغص عليه حياته ويأتيه
التعبير من كل وجه يكدره في نفسه, وكل هذا من الشيطان.
ومن فوائد الحديث: بيان شدة
عداوة الشيطان للإنسان حيث يفتح عليه باب اللو.
مجموع الفتاوى (7/ 653)
وَأَمَّا طَرِيقُ
الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ[2]: فَبِالِاجْتِهَادِ فِي فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ
وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ
"وقوله _عليه
الصلاة والسلام_ في حديث فسخ الحج إلى العمرة :
"لو
أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أَسُقِ الهَدْيَ" : ليس من هذا القبيل,
وإنما هو كلام قصد به تطييب قلوبهم, وتحريضهم على التحلل, وأعمال العمرة, والله
أعلم." اهـ كلام البيضاوي
Tidak ada komentar:
Posting Komentar