الحديث الثالث :
عن أَبي رُقَيَّةَ تَمِيم
بن أوس الداريِّ - رضي الله عنه -:
أنَّ النَّبيّ - صلى الله
عليه وسلم -، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحةُ» قلنا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلهِ
وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . رواه
مسلم.
بصائر ذوي التمييز في لطائف
الكتاب العزيز (5/ 63)
بصيرة فى نصح
النصيحة : كلمة جامعة مشتقة
من مادة "ن ص ح " الموضوعةِ لمعنيين :
أَحدهما
: الخلوصُ والبَقاءُ، والثانى
: الالتئام والرفاءُ.
يقال: "نصح الشىءُ :
إِذا خَلَص"،
ويمكن أَن يكونَ النُّصْح
والنَّصِيحة من هذا المعنى، لأَنَّ الناصح يَخْلُص للمَنْصوح له عن الغش؛
والمعنى الثانى :
نَصَحَ الثوبَ نَصْحاً :
خاطَهُ وكذلك تَنْصَّحه، والنَّصَّاح والناصِح والناصِحىّ: الخَيّاط. والنِّصاح
ككتاب: الخَيْطُ. والمِنْصَحَةُ: المِخْيَطَةُ. والمِنْصَحُ: المِخْيَطَ.
"وفيه
مَتَنَصَّح لم يُصْلِحْه"، أَى : موضع خِياطَة ومُتَرَقَّعَ؛
ويمكن أَن تكون النصيحة من
هذا المعنى: لأَن الناصح يرفَأُ ويُصْلح حالَ المَنْصوح له، كما يفعل الخَياط
بالثوب المحروق،
تقول منه : نَصَحَه ونَصَحَ
له نُصْحاً ونَصِيحَةً وَنصاحَةً ونَصاحِيَةً، وفى التنزيل {وَأَنصَحُ لَكُمْ}
وقال تعالى: {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ}
قال:
قال:
نصَحْتُ بنى عَوْف فلم
يَتَقَبُّلُوا ... رَسُولى ولم تَنْجَح لَدَيْهم وَسائِلى
وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم:
"الدِّينُ النَّصِيحةُ لله ولرسوله ولأَئمَّة المُسْلمين وعامّتهم". اهـ
المفردات في غريب القرآن
(ص: 808)
نصح
النُّصْحُ: تَحَرِّي فِعْلٍ
أو قَوْلٍ فيه صلاحُ صاحبِهِ.
قال تعالى : ((لَقَدْ
أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ
النَّاصِحِينَ)) [الأعراف/ 79] ،
وقال : ((وَقاسَمَهُما
إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ)) [الأعراف/ 21] ، ((وَلا يَنْفَعُكُمْ
نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ)) [هود/ 34]
وهو من قولهم: نَصَحْتُ له
الوُدَّ.
أي: أَخْلَصْتُهُ، ونَاصِحُ
العَسَلِ: خَالِصُهُ،
أو من قولهم : "نَصَحْتُ
الجِلْدَ" : خِطْتُه،
والنَّاصِحُ : الخَيَّاطُ،
والنِّصَاحُ: الخَيْطُ،
وقوله: ((تُوبُوا إِلَى
اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً)) [التحريم/ 8]
فمِنْ أَحَدِ هذين، : إِمَّا
الإخلاصُ، وإِمَّا الإِحكامُ،
ويقال: نَصُوحٌ ونَصَاحٌ
نحو ذَهُوب وذَهَاب." اهـ كلام الراغب
بصائر ذوي التمييز في لطائف
الكتاب العزيز (5/ 64)
قال أَبو سليمان الخطَّابى :
"النَّصيحةُ كلمةٌ
جامعة، معناها : "حِيازَةُ الحظِّ للمَنْصوحِ له"،
ويقالُ: هو من وَجِيزِ
الأَسماءِ ومختصَر الكلام، فإِنَّه ليس فى كلام العرب كلمةٌ مفردة تُسْتوفَى بها
العِبارات عن معنى هذه الكلمة حتى يضمَّ إِليها شىء آخر،
كما قالوا فى "الفلاح"
: إِنَّه ليس فى كلام العرب كلمة أَجمعُ لخير الدنيا والآخرة منه،
حتَّى صارلا يَعْدِلُهُ شىءٌ من الكلام فى معناه.
قيل: الكلمة مأخوذةٌ من
نَصَح: خاطَ،
وقيل : من (نَصَح العَسَل) : صَفَّاه، شَبَّهوا تخليصَ القولِ والعَمل من شَوْب الغِشِّ والخِيانة بتخليص العَسَل من الخَلْط." انتهى ملخَّص كلامه
وأَقولُ :
"النُّصْحُ : الخُلوصُ مطلقا ولا تَقْيِيد له بالعسَل ولا بغيره كما قدّمته آنفاً. وإِعادة معنى الكلمة على معنى الخُلوص أَوْضَح." اهـ كلام الخطابي
وقيل : من (نَصَح العَسَل) : صَفَّاه، شَبَّهوا تخليصَ القولِ والعَمل من شَوْب الغِشِّ والخِيانة بتخليص العَسَل من الخَلْط." انتهى ملخَّص كلامه
وأَقولُ :
"النُّصْحُ : الخُلوصُ مطلقا ولا تَقْيِيد له بالعسَل ولا بغيره كما قدّمته آنفاً. وإِعادة معنى الكلمة على معنى الخُلوص أَوْضَح." اهـ كلام الخطابي
مقاييس اللغة (5/ 435)
(نَصَحَ)
: النُّونُ وَالصَّادُ وَالْحَاءُ :
أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى
مُلَاءَمَةٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَإِصْلَاحٍ لَهُمَا.
أَصْلُ ذَلِكَ النَّاصِحُ :
الْخَيَّاطُ. وَالنِّصَاحُ: الْخَيْطُ يُخَاطُ بِهِ، وَالْجَمْعُ نِصَاحَاتٌ،
وَبِهَا شُبِّهَتِ الْجُلُودُ الَّتِي تُمَدُّ فِي الدِّبَاغِ عَلَى الْأَرْضِ.
قَالَ:
فَتَرَى الْقَوْمَ نَشَاوَى
كُلُّهُمْ ... مِثْلَمَا مُدَّتْ نِصَاحَاتُ الرُّبَحْ
وَمِنْهُ النُّصْحُ
وَالنَّصِيحَةُ : خِلَافُ الْغِشِّ.
وَنَصَحْتُهُ أَنْصَحُهُ. وَهُوَ نَاصِحُ الْجَيْبِ لِمَثَلٍ، إِذَا وُصِفَ
بِخُلُوصِ الْعَمَلِ،
وَالتَّوْبَةُ النَّصُوحِ مِنْهُ،
كَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ لَيْسَ فِيهَا خَرْقٌ وَلَا ثُلْمَةٌ وَيُقَالُ: أَنْصَحْتُ
الْإِبِلَ، إِذَا أَرَوَيْتَهَا فَنَصَحَتْ، أَيْ رَوِيَتْ. وَهُوَ مِنَ
الْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَنَاصِحُ الْعَسَلِ: مَاذِيُّهُ، كَأَنَّهُ
الْخَالِصُ الَّذِي لَا يَتَخَلَّلُهُ مَا يَشُوبُهُ. وَنَصَحْتُ لَهُ
وَنَصَحْتُهُ بِمَعْنًى. وَقَمِيصٌ مَنْصُوحٌ: مَخِيطٌ.
النهاية في غريب الحديث
والأثر (5/ 63) لابن الأثير الجزري :
النَّصِيحَةُ: كَلِمَةٌ
يُعَبِّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةٍ، هِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ،
وَلَيْسَ يُمكنُ أَنْ يُعَبَّر هَذَا الْمَعْنَى بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَجْمَع
مَعْنَاهُ غَيْرِهَا.
وَأَصْلُ النُّصْحِ فِي
اللُّغَةِ: الخُلوص. يُقَالُ: نَصَحْتُهُ، ونَصَحْتُ لَهُ. وَمَعْنَى نَصِيحَةُ
اللَّه: صِحَّةُ الِاعْتِقَادِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، وإخلاصُ النِيَّة فِي
عبادتِه.
والنَّصِيحَةُ لِكِتَابِ
اللَّه: هُوَ التَّصْدِيقُ بِهِ والعمَلُ بِمَا فِيهِ.
ونَصِيحَةُ رَسُولِهِ:
التَّصْدِيقُ بنُبُوَّته ورسالتِه، والانْقياد لِمَا أمَر بِهِ ونَهَى عَنْهُ.
ونَصِيحَةُ الْأَئِمَّةِ:
أَنْ يُطِيعَهم فِي الْحَقِّ، وَلَا يَرى الخروجَ عَلَيْهِمْ إِذَا جارُوا.
ونَصِيحَةُ عَامَّةِ
الْمُسْلِمِينَ: إرشادُهم إِلَى مصالِحِهم.
كشف المشكل من حديث
الصحيحين (4/ 219)
الْمَعْنى أَن النَّصِيحَة
أفضل الدّين وأكمله، كَمَا يُقَال: المَال الْإِبِل، وَمعنى النَّصِيحَة إِرَادَة
الْحَظ للمنصوح. وَفِي اشتقاق النَّصِيحَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه من قَوْلهم:
نصح الرجل ثَوْبه: إِذا خاطه، وَكَأن الناصح جمع الصّلاح للمنصوح جمع الناصح
ثَوْبه بالخياطة. وَالثَّانِي: أَنه من قَوْلهم: نصحت الْعَسَل: إِذا صفيته من
الشمع، فَشبه خلوص النصح من شوب الْغِشّ والخيانة بخلوص الْعَسَل من كدره.
وَاعْلَم أَن النَّصِيحَة
لله عز وَجل المناضلة عَن دينه والمدافعة عَن الْإِشْرَاك بِهِ وَإِن كَانَ غَنِيا
عَن ذَلِك، لَكِن نَفعه عَائِد على العَبْد، وَكَذَلِكَ النصح لكتابه الذب عَنهُ
والمحافظة على تِلَاوَته، والنصيحة لرَسُوله إِقَامَة سنته وَالدُّعَاء إِلَى
دَعوته، والنصيحة لأئمة الْمُسلمين طاعتهم، وَالْجهَاد مَعَهم، والمحافظة على
بيعتهم، وإهداء النصائح إِلَيْهِم دون المدائح الَّتِي تغر. والنصيحة لعامة
الْمُسلمين إِرَادَة الْخَيْر لَهُم، وَيدخل فِي ذَلِك تعليمهم وتعريفهم
اللَّازِم، وهدايتهم إِلَى الْحق.
فتح الباري لابن حجر (1/
138)
قَوْلُهُ : ((الدِّينُ
النَّصِيحَةُ)) :
* يُحْتَمَلُ : أَنْ
يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، أَيْ : مُعْظَمُ
الدِّينِ : النَّصِيحَةُ، كَمَا قِيلَ فِي حَدِيثِ : (الْحَجُّ
عَرَفَةُ)،
وَيُحْتَمَلُ : أَنْ
يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ،
لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَمْ
يُرِدْ بِهِ عَامِلُهُ الْإِخْلَاصَ
فَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ :
"النَّصِيحَةُ : مُشْتَقَّةٌ
مِنْ (نَصَحْتُ الْعَسَلَ) : إِذَا صَفَّيْتُهُ. يُقَالُ : (نَصَحَ الشَّيْءَ)
إِذَا خَلُصَ.
(وَنَصَحَ لَهُ الْقَوْلَ) :
إِذَا أَخْلَصَهُ لَهُ
أَوْ مُشْتَقَّة من النصح
وَهِي الْخياطَة المنصحة : وَهِيَ الْإِبْرَةُ،
وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ
يَلُمُّ شَعَثَ أَخِيهِ بِالنُّصْحِ كَمَا تَلُمُّ الْمِنْصَحَةَ،
وَمِنْهُ (التَّوْبَةُ
النَّصُوحُ) : كَأَنَّ الذَّنْبَ
يُمَزِّقُ الدِّينَ وَالتَّوْبَةُ تَخِيطُهُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ
النَّصِيحَةُ كِلْمَةٌ جَامِعَةٌ مَعْنَاهَا حِيَازَةُ الْحَظِّ للنصوح لَهُ
وَهِيَ مِنْ وَجِيزِ الْكَلَامِ بَلْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ كِلْمَةٌ مُفْرَدَةٌ
تُسْتَوْفَى بِهَا الْعِبَارَةَ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ."
الذريعة الى مكارم الشريعة
(ص: 211) // المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى:
502هـ) :
"النصح
:
النصح: أصله من نصحت الثوب
إذا خطته، وهو إخلاص المحبة لغيره في إظهار ما فيه صلاحه، وهو دون المحبة المختصة
بالفضيلة ودون محبة النفع واللذة،
وقد عظم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره فقال: " الدين النصيحة " فقيل: لمن يا رسول اللَّه، فقال: " للَّه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم "
فبين - صلى الله عليه وسلم - أن النصح واجب لكافة الناس، وذلك بأن تتحرى مصلحتهم في جميع أمورهم بقدر وسعك.
وقد عظم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره فقال: " الدين النصيحة " فقيل: لمن يا رسول اللَّه، فقال: " للَّه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم "
فبين - صلى الله عليه وسلم - أن النصح واجب لكافة الناس، وذلك بأن تتحرى مصلحتهم في جميع أمورهم بقدر وسعك.
وأول النصح أن ينصح الإنسان
نفسه فمن غشها فقلما ينصح غيره، وحق من استنصح أن يبذل غاية النصح وإن كان ذلك في
شيء يضره، ويتحرى فيه قول اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا
قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)
وقال تعالى: (وَإِذَا
قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)
وقال ابن عباس - رضي الله
عنها -: لا يزال الرجل يزداد في صحة رأيه ما نصح لمستشيره، فإذا غشه سلبه اللَّه نصحه
ورأيه،
ولا يلتفتن إلى من قال: إذا
نصحت الرجل فلم يقبل منك فتقرب إلى اللَّه بغشه، فذلك قول ألقاه الشيطان على
لسانه، اللَّهم إلا أن يريد بغشه السكوت عنه، فقد قيل: كثرة النصيحة تورث الظنة.
شرح الحديث من كلام ابن رجب الحنبلي _رحمه الله_
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/
215)
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ
الْكِتَابِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ
الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْفِقْهُ.___
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ:
هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَأْنٌ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ
أَنَّهُ أَحَدُ أَرْبَاعِ الدِّينِ.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/
216)
وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ
كَثِيرَةٍ النُّصْحُ لِلْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، وَفِي بَعْضِهَا النُّصْحُ
لِوُلَاةِ أُمُورِهِمْ، وَفِي بَعْضِهَا: نُصْحُ وُلَاةِ الْأُمُورِ
لِرَعَايَاهُمْ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ : - وَهُوَ النُّصْحُ لِلْمُسْلِمِينَ
- عُمُومًا، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى
إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» .
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتٌّ فَذَكَرَ مِنْهَا:
وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ»........._____
وَأَمَّا الثَّانِي : وَهُوَ النُّصْحُ لِوُلَاةِ
الْأُمُورِ، وَنُصْحُهُمْ لِرَعَايَاهُمْ، فَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ
وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ»
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/
218)
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى
أَنَّ النَّصِيحَةَ تَشْمَلُ خِصَالَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ
الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَسَمَّى ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا،
فَإِنَّ النُّصْحَ لِلَّهِ يَقْتَضِي الْقِيَامَ بِأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ عَلَى
أَكْمَلِ وُجُوهِهَا، وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ، فَلَا يَكْمُلُ النُّصْحُ
لِلَّهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بِدُونِ كَمَالِ الْمَحَبَّةِ
الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ، وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ فِي التَّقَرُّبِ
إِلَيْهِ بِنَوَافِلِ الطَّاعَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَتَرْكِ
الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/
219)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّصِيحَةُ
كَلِمَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةٍ هِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ
لَهُ، قَالَ: وَأَصْلُ النُّصْحِ فِي اللُّغَةِ الْخُلُوصُ، يُقَالُ: نَصَحْتُ
الْعَسَلَ: إِذَا خَلَّصْتُهُ مِنَ الشَّمْعِ. فَمَعْنَى النَّصِيحَةِ لِلَّهِ
سُبْحَانَهُ: صِحَّةُ الِاعْتِقَادِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/
220)
فِي عِبَادَتِهِ، وَالنَّصِيحَةُ
لِكِتَابِهِ: الْإِيمَانُ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ، وَالنَّصِيحَةُ
لِرَسُولِهِ: التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ، وَبَذْلُ الطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا
أَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنْهُ، وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ:
إِرْشَادُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ. انْتَهِي.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/
220)
وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو
عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ "
تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ " عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ
فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ، وَنَحْنُ نَحْكِيهِ
هَاهُنَا بِلَفْظِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: قَالَ
بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ :
جِمَاعُ تَفْسِيرِ النَّصِيحَةِ : هُوَ
عِنَايَةُ الْقَلْبِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ مَنْ كَانَ،
وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا فَرْضٌ، وَالْآخَرُ
نَافِلَةٌ،
فَالنَّصِيحَةُ الْمُفْتَرِضَةُ لِلَّهِ: هِيَ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ
مِنَ النَّاصِحِ بِاتِّبَاعِ مَحَبَّةِ اللَّهِ فِي أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ،
وَمُجَانَبَةِ مَا حَرَّمَ.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ الَّتِي هِيَ
نَافِلَةٌ، فَهِيَ إِيثَارُ مَحَبَّتِهِ عَلَى
مَحَبَّةِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْرِضَ أَمْرَانِ. أَحَدُهُمَا : لِنَفْسِهِ،
وَالْآخَرُ : لِرَبِّهِ، # فَيَبْدَأُ بِمَا كَانَ لِرَبِّهِ، وَيُؤَخِّرُ مَا
كَانَ لِنَفْسِهِ،
فَهَذِهِ جُمْلَةُ تَفْسِيرِ
النَّصِيحَةِ لِلَّهِ، الْفَرْضُ مِنْهُ وَالنَّافِلَةُ، وَلِذَلِكَ تَفْسِيرٌ،
وَسَنَذْكُرُ بَعْضَهُ لِيَفْهَمَ بِالتَّفْسِيرِ مَنْ لَا يَفْهَمُ
بِالْجُمْلَةِ.
فَالْفَرْضُ مِنْهَا : مُجَانَبَةُ
نَهْيِهِ، وَإِقَامَةُ فَرْضِهِ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ مَا كَانَ مُطِيقًا لَهُ،
# فَإِنْ عَجَرَ عَنِ الْإِقَامَةِ بِفَرْضِهِ لِآفَةٍ حَلَّتْ بِهِ مِنْ
مَرَضٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، : عَزَمَ عَلَى أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ
عَلَيْهِ مَتَى زَالَتْ عَنْهُ الْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ لَهُ،
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا
عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ
إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}
[التوبة: 91] (التَّوْبَةِ: 91) ،
فَسَمَّاهُمْ مُحْسِنِينَ
لِنَصِيحَتِهِمْ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ لِمَا مَنَعُوا مِنَ الْجِهَادِ
بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا عَنِ الْعَبْدِ فِي
بَعْضِ الْحَالَاتِ، وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ النُّصْحُ لِلَّهِ، # فَلَوْ كَانَ
مِنَ الْمَرَضِ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ عَمَلٌ بِشَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِهِ
بِلِسَانٍ وَلَا____غَيْرِهِ، غَيْرَ أَنَّ عَقْلَهُ ثَابِتٌ : لَمْ يَسْقُطْ
عَنْهُ النُّصْحُ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ، وَهُوَ أَنْ يَنْدَمَ عَلَى ذُنُوبِهِ،
وَيَنْوِيَ إِنْ صَحَّ أَنْ يَقُومَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ،
وَيَجْتَنِبَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، # وَإِلَّا كَانَ غَيْرَ نَاصِحٍ لِلَّهِ
بِقَلْبِهِ.
وَكَذَلِكَ النُّصْحُ لِلَّهِ
وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَى
النَّاسِ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ،
وَمِنَ النُّصْحِ الْوَاجِبِ
لِلَّهِ أَنْ لَا يَرْضَى بِمَعْصِيَةِ الْعَاصِي، وَيُحِبَّ طَاعَةَ مَنْ
أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ الَّتِي هِيَ
نَافِلَةٌ لَا فَرْضٌ : فَبَذْلُ الْمَجْهُودِ بِإِيثَارِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ
مَحْبُوبٍ بِالْقَلْبِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي
النَّاصِحِ فَضْلٌ عَنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ النَّاصِحَ إِذَا اجْتَهَدَ، لَمْ
يُؤْثِرْ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَقَامَ بِكُلِّ مَا كَانَ فِي الْقِيَامِ بِهِ
سُرُورُهُ وَمَحَبَّتُهُ، فَكَذَلِكَ النَّاصِحُ لِرَبِّهِ،
وَمَنْ تَنَفَّلَ لِلَّهِ بِدُونِ
الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ نَاصِحٌ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ، غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ
لِلنُّصْحِ بِكَمَالِهِ.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ
لِكِتَابِ اللَّهِ،
:
فَشِدَّةُ حُبِّهِ وَتَعْظِيمُ
قَدْرِهِ، إِذْ هُوَ كَلَامُ الْخَالِقِ، وَشِدَّةُ الرَّغْبَةِ فِي فَهْمِهِ،
وَشِدَّةُ الْعِنَايَةِ لِتَدَبُّرِهِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ لِطَلَبِ
مَعَانِي مَا أَحَبَّ مَوْلَاهُ أَنْ يُفْهِمَهُ عَنْهُ، أَوْ يَقُومَ بِهِ لَهُ
بَعْدَ مَا يُفْهِمُهُ،
وَكَذَلِكَ النَّاصِحُ مِنَ
الْعِبَادِ يَفْهَمُ وَصِيَّةَ مَنْ يَنْصَحُهُ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ
مِنْهُ، عُنِيَ بِفَهْمِهِ لِيَقُومَ عَلَيْهِ بِمَا كَتَبَ بِهِ فِيهِ
إِلَيْهِ،
فَكَذَلِكَ النَّاصِحُ لِكِتَابِ
رَبِّهِ، يُعْنَى بِفَهْمِهِ لِيَقُومَ لِلَّهِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ كَمَا
يُحِبُّ وَيَرْضَى، ثُمَّ يَنْشُرُ مَا فَهِمَ فِي الْعِبَادِ وَيُدِيمُ
دِرَاسَتَهُ بِالْمَحَبَّةِ لَهُ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ، وَالتَّأَدُّبِ
بِآدَابِهِ.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ
لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ، :
فَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي
طَاعَتِهِ وَنُصْرَتِهِ وَمُعَاوَنَتِهِ، وَبَذْلُ الْمَالِ إِذَا أَرَادَهُ
وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى مَحَبَّتِهِ، # وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ:
فَالْعِنَايَةُ بِطَلَبِ سُنَّتِهِ، وَالْبَحْثُ عَنْ أَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ،
وَتَعْظِيمُ أَمْرِهِ، وَلُزُومُ الْقِيَامِ بِهِ، وَشِدَّةُ الْغَضَبِ
وَالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ تَدَيَّنَ بِخِلَافِ سُنَّتِهِ، وَالْغَضَبُ عَلَى مَنْ
ضَيَّعَهَا لِأَثَرَةِ___دُنْيَا، -وَإِنْ كَانَ مُتَدَيِّنًا بِهَا-، وَحُبُّ
مَنْ كَانَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ صِهْرٍ، أَوْ هِجْرَةٍ أَوْ
نُصْرَةٍ، أَوْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عَلَى الْإِسْلَامِ
وَالتَّشَبُّهِ بِهِ فِي زِيِّهِ وَلِبَاسِهِ.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ
لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ :
فَحُبُّ صَلَاحِهِمْ وَرُشْدِهِمْ
وَعَدْلِهِمْ، وَحُبُّ اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِمْ، وَكَرَاهَةُ
افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّدَيُّنُ بِطَاعَتِهِمْ فِي طَاعَةِ
اللَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_، وَالْبُغْضُ لِمَنْ رَأَى الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ،
وَحُبُّ إِعْزَازِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ
لِلْمُسْلِمِينَ :
فَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ
لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُشْفِقَ عَلَيْهِمْ،
وَيَرْحَمَ صَغِيرَهُمْ، وَيُوَقِّرَ كَبِيرَهُمْ، وَيَحْزَنَ لِحُزْنِهِمْ،
وَيَفْرَحَ لِفَرَحِهِمْ، -وَإِنْ ضَرَّهُ ذَلِكَ فِي دُنْيَاهُ كَرُخْصِ أَسْعَارِهِمْ،
وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ فَوَاتُ رِبْحِ مَا يَبِيعُ مِنْ تِجَارَتِهِ-،
وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَضُرُّهُمْ عَامَّةً، وَيُحِبُّ
صَلَاحَهُمْ وَإِلْفَتَهُمْ وَدَوَامَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ،
وَنَصْرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَدَفْعَ كُلِّ أَذًى وَمَكْرُوهٍ عَنْهُمْ.
وَقَالَ أَبُو
عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ : النَّصِيحَةُ
كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَتَضَمَّنُ قِيَامَ النَّاصِحِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ
بِوُجُوهِ الْخَيْرِ إِرَادَةً وَفِعْلًا. فَالنَّصِيحَةُ
لِلَّهِ تَعَالَى : تَوْحِيدُهُ وَوَصْفُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ
وَالْجَلَالِ، وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا يُضَادُّهَا وَيُخَالِفُهَا، وَتَجَنُّبُ
مَعَاصِيهِ، وَالْقِيَامُ بِطَاعَتِهِ وَمَحَابِّهِ بِوَصْفِ الْإِخْلَاصِ،
وَالْحُبُّ فِيهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ، وَجِهَادُ مَنْ كَفَرَ بِهِ تَعَالَى وَمَا
ضَاهَى ذَلِكَ، وَالدُّعَاءُ إِلَى ذَلِكَ، وَالْحَثُّ عَلَيْهِ.
وَالنَّصِيحَةُ
لِكِتَابِهِ :
الْإِيمَانُ بِهِ وَتَعْظِيمُهُ وَتَنْزِيهُهُ، وَتِلَاوَتُهُ حَقَّ
تِلَاوَتِهِ،____وَالْوُقُوفُ مَعَ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَتَفَهُّمُ
عُلُومِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَتَدَبُّرُ آيَاتِهِ، وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ، وَذَبِّ
تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَطَعْنِ الْمُلْحِدِينَ عَنْهُ.
وَالنَّصِيحَةُ
لِرَسُولِهِ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ : الْإِيمَانُ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَتَوْقِيرُهُ
وَتَبْجِيلُهُ، وَالتَّمَسُّكُ بِطَاعَتِهِ، وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ وَاسْتِثَارَةُ
عُلُومِهَا وَنَشْرُهَا وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُ وَعَادَاهَا، وَمُوَالَاةُ
مَنْ وَالَاهُ وَوَالَاهَا، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ، وَالتَّأَدُّبُ
بِآدَابِهِ، وَمَحَبَّةُ آلِهِ وَصَحَابَتِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالنَّصِيحَةُ
لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ :
مُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ، وَتَذْكِيرُهُمْ بِهِ،
وَتَنْبِيهُهُمْ فِي رِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَمُجَانَبَةُ الْوُثُوبِ عَلَيْهِمْ،
وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَحَثُّ الْأَغْيَارِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالنَّصِيحَةُ
لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ :
إِرْشَادُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ، وَتَعْلِيمُهُمْ أُمُورَ دِينِهِمْ
وَدُنْيَاهُمْ، وَسِتْرُ عَوْرَاتِهِمْ، وَسَدُّ خَلَّاتِهِمْ، وَنُصْرَتُهُمْ
عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَالذَّبُّ عَنْهُمْ، وَمُجَانَبَةُ الْغِشِّ، وَالْحَسَدُ
لَهُمْ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا
يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ.
وَمِنْ أَنْوَاعِ نُصْحِهِمْ
بِدَفْعِ الْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ عَنْهُمْ : إِيثَارُ فَقِيرِهِمْ وَتَعْلِيمُ جَاهِلِهِمْ، وَرَدُّ
مَنْ زَاغَ مِنْهُمْ عَنِ الْحَقِّ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ بِالتَّلَطُّفِ فِي
رَدِّهِمْ إِلَى الْحَقِّ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَحَبَّةً لِإِزَالَةِ فَسَادِهِمْ وَلَوْ
بِحُصُولِ ضَرَرٍ لَهُ فِي دُنْيَاهُ،
كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : وَدِدْتُ
أَنَّ هَذَا الْخَلْقَ أَطَاعُوا اللَّهَ وَإِنَّ لَحْمِي قُرِضَ
بِالْمَقَارِيضِ،
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ
الْعَزِيزِ يَقُولُ : "يَا لَيْتَنِي عَمِلْتُ فِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ
وَعَمِلْتُمْ بِهِ، فَكُلَّمَا عَمِلْتُ فِيكُمْ بِسُنَّةٍ، وَقَعَ مِنِّي
عُضْوٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ شَيْءٍ مِنْهَا خُرُوجُ نَفْسِي.
وَمِنْ أَنْوَاعِ النُّصْحِ لِلَّهِ
تَعَالَى وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ - وَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْعُلَمَاءُ
- : رَدُّ
الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبَيَانُ دَلَالَتِهِمَا
عَلَى مَا يُخَالِفُ الْأَهْوَاءَ كُلَّهَا_____
وَكَذَلِكَ رَدُّ الْأَقْوَالِ
الضَّعِيفَةِ مِنْ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، وَبَيَانُ دَلَالَةِ الْكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ عَلَى رَدِّهَا،
وَمِنْ ذَلِكَ : بَيَانُ مَا صَحَّ
مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا لَمْ يَصِحَّ
مِنْهُ بِتَبْيِينِ حَالِ رُوَاتِهِ وَمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَاتُهُ مِنْهُمْ،
وَمَنْ لَا تُقْبَلُ، # وَبَيَانُ غَلَطِ مَنْ غَلَطَ مِنْ ثِقَاتِهِمُ
الَّذِينَ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ
النُّصْحِ :
أَنْ يَنْصَحَ لِمَنِ اسْتَشَارَهُ فِي أَمْرِهِ،
كَمَا قَالَ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ : «إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَنْصَحْ
لَهُ»
وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ :
«إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْصَحَ لَهُ إِذَا
غَابَ»
وَمَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ إِذَا
ذُكِرَ فِي غَيْبِهِ بِالسُّوءِ أَنْ يَنْصُرَهُ، وَيَرُدَّ عَنْهُ، وَإِذَا
رَأَى مَنْ يُرِيدُ أَذَاهُ فِي غَيْبِهِ، كَفَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ
النُّصْحَ فِي الْغَيْبِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النُّصْحِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ النُّصْحُ فِي حُضُورِهِ
تَمَلُّقًا، وَيَغُشُّهُ فِي غَيْبِهِ.
[من فضائل النصيحة]
* وَقَالَ الْحَسَنُ : إِنَّكَ لَنْ
تَبْلُغَ حَقَّ نَصِيحَتِكَ لِأَخِيكَ حَتَّى تَأْمُرَهُ بِمَا تَعْجِزُ عَنْهُ.
* قَالَ الْحَسَنُ: وَقَالَ بَعْضُ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ شِئْتُمْ لَأُقْسِمَنَّ لَكُمْ بِاللَّهِ : إِنَّ أَحَبَّ
عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ،
وَيُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ
بِالنَّصِيحَةِ.
* وَقَالَ فَرْقَدٌ السَّبْخِيُّ،
قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ : "الْمُحِبُّ لِلَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_
أَمِيرٌ مُؤَمَّرٌ عَلَى الْأُمَرَاءِ، زُمْرَتُهُ أَوَّلُ الزُّمَرِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَمَجْلِسُهُ أَقْرَبُ الْمَجَالِسِ فِيمَا هُنَاكَ،
وَالْمَحَبَّةُ فِيمَا هُنَاكَ وَالْمَحَبَّةُ مُنْتَهَى الْقُرْبَةِ
وَالِاجْتِهَادِ، وَلَنْ يَسْأَمَ الْمُحِبُّونَ مِنْ طُولِ اجْتِهَادِهِمْ ____لِلَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ، يُحِبُّونَهُ وَيُحِبُّونَ ذِكْرَهُ، وَيُحَبِّبُونَ إِلَى
خَلْقِهِ، يَمْشُونَ بَيْنَ عِبَادِهِ بِالنَّصَائِحِ، وَيَخَافُونَ عَلَيْهِمْ
مِنْ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ تَبْدُو الْفَضَائِحُ، أُولَئِكَ
أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَهْلُ صَفْوَتِهِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا رَاحَةَ لَهُمْ دُونَ
لِقَائِهِ.
* وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ فِي
قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ : "مَا فَاقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِصَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَلَكِنْ بِشَيْءٍ كَانَ فِي قَلْبِهِ"،
قَالَ : "الَّذِي كَانَ فِي
قَلْبِهِ الْحُبُّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالنَّصِيحَةُ فِي خَلْقِهِ."
* وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ
: "مَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا مَنْ أَدْرَكَ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ
وَالصِّيَامِ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا بِسَخَاءِ الْأَنْفُسِ،
وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَالنُّصْحِ لِلْأُمَّةِ."
* وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ:
أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ : النُّصْحُ لِلَّهِ.
* وَقَالَ مَعْمَرٌ : "كَانَ
يُقَالُ : أَنْصَحُ النَّاسِ لَكَ مَنْ خَافَ اللَّهَ فِيكَ."
[فضل النصيحة بالسر]
وَكَانَ السَّلَفُ إِذَا
أَرَادُوا نَصِيحَةَ أَحَدٍ، وَعَظُوهُ سِرًّا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ فِيمَا
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَهِيَ نَصِيحَةٌ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ
فَإِنَّمَا وَبَّخَهُ.
* وَقَالَ الْفُضَيْلُ : "الْمُؤْمِنُ
يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيُعَيِّرُ."
* وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
أَبِي رَوَّادٍ : كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إِذَا رَأَى الرَّجُلُ مِنْ
أَخِيهِ شَيْئًا، يَأْمُرُهُ فِي رِفْقٍ، فَيُؤْجَرُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، #
وَإِنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ يَخْرِقُ بِصَاحِبِهِ فَيَسْتَغْضِبُ أَخَاهُ
وَيَهْتِكُ سِتْرَهُ.
* وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ _رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا_، عَنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِهِ عَنِ
الْمُنْكَرِ، فَقَالَ : "إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا وَلَابُدَّ، فَفِيمَا بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ."
* وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ _رَحِمَهُ
اللَّهُ_ : "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ نُصْحُ الذِّمِّيِّ، وَعَلَيْهِ
نُصْحُ الْمُسْلِمِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«وَالنُّصْحُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَأَنْ يَنْصَحَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ
وَعَامَّتِهِمْ» .
|
تطريز رياض الصالحين (ص: 144_115)
هذا الحديث: عليه مدار
الإسلام، والنصيحةُ عماد الدين وقوامه.
فالنصيحة لله: الإيمان به،
ونفي الشريك عنه، ووصفه بصفات الكمال، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه،
والبعض فيه، وشكره على نعمه.
والنصيحة لكتابه: الإيمان
بأنه تنزيله، وتلاوته، والعمل به، وتفهم علومه، وأمثاله.___
والنصيحة لرسوله: تصديقه،
وطاعته ونصرُ سنته.
والنصيحة لأئمة المسلمين:
معاونتهم على الحق، وطاعتهم، وتنبيههم، وتذكيرهم برفق، وترك الخروج عليهم، والدعاء
لهم.
والنصيحة لعامتهم: إرشادهم
لمصالحهم في دينهم ودنياهم، وإعانتهم، وستر عوراتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن
المنكر برفق.
بصائر ذوي التمييز في لطائف
الكتاب العزيز (5/ 67_68)
والنَّصيحة واجبة لجميع
الخَلْق مسلمين وغيرهم، وهو معنى قولِه وعامَّتهم، فيقال للكافر اتَّقِ الله
تعالَى ويُدْعَى إِلى الإِسلام، ويُنْهَى عن ظُلْمه، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَاْ
لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} .
قال الآجُرِّى: ولا يكون
ناصحاً لله تعالى ولِرَسُوله، ولأَئمة المسلمين وعامَّتِهم إِلاَّ من بدأَ
بالنَّصِيحة لنَفْسه، واجتهد فى طلب العِلْم والفِقْه لِيَعْرِف به ما يجب عليه،
ويعلم عداوَةَ الشيطان له وكيف الحذر منه، ويعلم قبيح ما تميل إِليه النفس حتى
يخالِفَها بعِلْم.
وقال الحَسنُ: مازال لِلهِ
تعالى نُصحاء ينصحون للهِ فى عِباده،____
وينصحون لِعبادِ الله فى
حقَّ الله، ويعلمون لله تعالى فى الأَرض بالنَّصيحة، أُولئك خلفاءُ اللهِ فى
الأَرْض.
وحاصل الأَمر أَنَّ
السّلامة من جِهَة النُّطِق بالنصّيحة فى أَحد أَمْرَيْن:
الأَوّل: أَنْ تتكلم إِذا
اشتهيت أَن تَسْكُت، وتَسْكُتَ إِذا اشتهيتَ أَن تتكلَّم.
والأَمر الثانى: أَلاَّ
تتكلَّم إِلاَّ فيما إِنْ سكتَّ عنه كنتَ عاصِياً، وإِنْ لم فلا. وإِياك الكلام عندما
يُستحسَنُ كلامُك، فإِنّ الكلام فى ذلك الوقت من أَكبر الأَمراضِ، وماله دواءٌ
إِلاَّ الصّمت. والله أَعلم.
فتح الباري لابن حجر (1/
138)
وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ
أُخْرَى مِنْهَا أَنَّ الدِّينَ يُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ لِكَوْنِهِ سَمَّى
النَّصِيحَةَ دِينًا وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَنَى الْمُصَنِّفُ أَكْثَرَ
كِتَابِ الْإِيمَانِ وَمِنْهَا جَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ
الْخِطَابِ مِنْ قَوْلِهِ قُلْنَا لِمَنْ وَمِنْهَا رَغْبَةُ السَّلَفِ فِي طَلَبِ
عُلُوِّ الْإِسْنَادِ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قِصَّةِ سُفْيَانَ مَعَ سُهَيْلٍ
فتح الباري لابن حجر (1/ 137_138)
وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قُلْتُ لِسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ إِنَّ عَمْرًا
حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِيكَ بِحَدِيثٍ وَرَجَوْتُ أَنْ تُسْقِطَ
عَنِّي رَجُلًا أَيْ فَتُحَدِّثَنِي بِهِ عَنْ أَبِيكَ قَالَ :
فَقَالَ__سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي -كَانَ
صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ- وَهُوَ عَطَاءُ
بْنُ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ الْحَدِيثَ."
|
تنبيه الغافلين بأحاديث سيد
الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 483)
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ
اللَّهُ: أَمَّا النَّصِيحَةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ،
وَتَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ
مُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَأَنْ تُصَدِّقَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَعْمَلَ
بِسُنَّتِهِ، وَتَدُلَّ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ،
تنبيه الغافلين بأحاديث سيد
الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 484)
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ
لِكِتَابِهِ، فَهُوَ أَنْ تَقْرَأَهُ، وَتَعْمَلَ بِمَا فِيهِ، وَتَتَمَنَّى أَنْ
يَقْرَأَهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ
لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْ تُطِيعَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُ، وَتَنْتَهِيَ
عَمَّا نَهَوْهُ، وَتَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ،
وَلَا تَخْرُجَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ،
فَهُوَ أَنْ تُحِبَّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا
تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَكُونُوا، فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى
الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
كَمْ مِنْ نَائِمٍ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّينَ، وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ
مُسْتَيْقِظٍ يُكْتَبُ مِنَ النَّائِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ، الرَّجُلَ إِذَا كَانَ
مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَقُومَ وَقْتَ السَّحَرِ وَيَتَوَضَّأَ، وَيُصَلِّي حَتَّى
يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَنَامَ لَيْلَةً عَلَى تِلْكَ النِّيَّةِ، فَغَلَبَهُ
النَّوْمُ حَتَّى أَصْبَحَ فَاسْتَيْقَظَ، حَزِنَ لِذَلِكَ وَاسْتَرْجَعَ،
فَإِنَّهُ يُكْتَبُ مُصَلِّيًا وَيَبْلُغُ ثَوَابَ الْقَائِمِينَ بِنِيَّتِهِ،
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ بِاللَّيْلِ فَظَنَّ أَنَّهُ
قَدْ أَصْبَحَ فَقَامَ، وَتَوَضَّأَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ لَمْ
يُصْبِحْ فَجَعَلَ يَنْتَظِرُ الصُّبْحَ وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ عَلِمْتُ
أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، لَمْ أَقُمْ مِنْ فِرَاشِي، فَهَذَا الَّذِي
يُكْتَبُ مِنَ النَّائِمِينَ، وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ.
بحر الفوائد المسمى بمعاني
الأخبار للكلاباذي (ص: 83)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ
الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ :
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ
أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ :
"النُّصْحُ فِي
الْجُمْلَةِ عِنْدِي هُوَ: فِعْلُ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ الصَّلَاحُ
وَالْمُلَاءَمَةُ، :
مَأْخُوذٌ مِنَ
النَّصَاحَةِ، وَهِيَ : السُّلُوكُ الَّتِي يُخَاطُ بِهَا، وَتَصْغِيرُهَا
نُصَيْحَةٌ ,
يَقُولُ الْعَرَبُ: (هَذَا
قَمِيصٌ مَنْصُوحٌ) أَيْ: مَخِيطٌ، وَنَصَحْتُهُ أَنْصَحُهُ نُصْحًا إِذَا
خِطْتُهُ،
* وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ (النُّصْحُ)
فِي الْأَشْيَاءِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْأَشْيَاءِ:
فَالنُّصْحُ لِلَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ هُوَ: وَصْفُهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا هُوَ لَيْسَ
بِأَهْلٍ لَهُ عَقْدًا وَقَوْلًا، وَالْقِيَامُ بِتَعْظِيمِهِ، وَالْخُضُوعُ لَهُ
ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَالرَّغْبَةُ فِي مَحَابِّهِ، وَالْبُعْدُ مِنْ
مَسَاخِطِهِ، وَمُوَالَاةُ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَصَاهُ،
وَالْجِهَادُ فِي رَدِّ الْعَاصِينَ إِلَى طَاعَتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا.
وَإِرَادَةُ النَّصِيحَةِ
لِكِتَابِهِ : إِقَامَتُهُ فِي التِّلَاوَةِ، وَتَحْسِينُهُ
عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَتَفَهُّمُ مَا فِيهِ وَاسْتِعْمَالُهُ، وَالذَّبُّ عَنْهُ
مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَرِّفِينَ، وَطَعْنِ الطَّاعِنِينَ.
وَالنَّصِيحَةُ لِلرَّسُولِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
مُؤَازَرَتُهُ وَنُصْرَتُهُ، وَالْحِمَايَةُ مِنْ ذَوِيهِ حَيًّا وَمَيِّتًا،
وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ بِالطَّلَبِ، وَإِحْيَاءُ طَرِيقَتِهِ فِي بَثِّ
الدَّعْوَةِ، وَتَأْلِيفِ الْكَلِمَةِ، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ
الظَّاهِرَةِ.
وَالنَّصِيحَةُ لِلْأَئِمَّةِ
: مُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى مَا تَكَلَّفُوا الْقِيَامَ بِهِ، وَفِي
بَعْضُ النُّسَخِ «عَلَى مَا تَكَلَّفُوا الْقِيَامَ بِهِ» فِي تَنْبِيهِهِمْ
عِنْدَ الْغَفْلَةِ، وَتَقْوِيمِهِمْ عِنْدَ الْهَفْوَةِ، وَسَدِّ خَلَّتِهِمْ
عِنْدَ [ص:84] الْحَاجَةِ، وَنُصْرَتِهِمْ فِي جَمِيعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِمْ،
وَرَدِّ الْقُلُوبِ النَّاضِرَةِ إِلَيْهِمْ. وَالنَّصِيحَةُ لِجَمَاعَةِ
الْمُسْلِمِينَ: الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، وَتَوْقِيرُ كَبِيرِهِمْ، وَرَحْمَةُ
صَغِيرِهِمْ، وَتَفْرِيجُ كُرَبِهِمْ، وَالسَّعْيُ فِيمَا يَعُودُ نَفْعُهُ
عَلَيْهِمْ فِي الْآجِلِ، وَدَعْوَتُهُمْ إِلَى مَا يُسْعِدُهُمْ، وَتَوَقِّي مَا
يَشْغَلُ خَوَاطِرَهُمْ، وَفَتَحَ بَابَ الْوَسْوَاسِ عَلَيْهِمِ، وَإِنْ كَانَ
فِي نَفْسِهِ حَقًّا وَحَسَنًا،
وَمِنَ النَّصِيحَةِ
لِلْمُسْلِمِينَ : رَفْعُ مُؤْنَةِ بَدَنِهِ وَنَفْسِهِ
وَحَوَائِجِهِ عَنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قوت القلوب في معاملة
المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد (2/ 445)
فانظر رحمك الله إلى النصح
للمسلمين الذي يتعذر فعله علي كثير من المسلمين، إنما جعله رسول الله صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شرط صحة الإسلام وكان يبايع عليه، إلاّ إنه جعله من فضائل
الدين، ولا نهاية لقرب المتّقين، لأنه قال: الدين النصيحة الدين النصيحة ثلاثاً،
ثم سوّى بين طبقات الناس فيه فقال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم.
أعلام الحديث (شرح صحيح
البخاري) (1/ 190_191) للخطابي :
وقوله: (الدين النصيحة
ثلاثا)، يريد أن عماد أمر الدين وقوامه إنما هو النصيحة، وبها ثباته وقوته، كقوله
صلى الله عليه وسلم: (الأعمال بالنيات) أي ثباتها وصحتها بالنيات، وكما قال: (الحج
عرفة) أي عماد الحج ومعظمه___عرفة، لأن من أدركها فقد أدرك الحج، وأمكنه أن يجبر
سائر الفوات من أعماله، ومن لم يدركه فاته الحج، فلم يستدركه بشيء، وكما يقال:
الناس تميم، والمال الإبل ونحوها من الكلام.
شرح النووي على مسلم (2/
39)
قال بن بَطَّالٍ _رَحِمَهُ
اللَّهُ_ فِي هَذَا الْحَدِيثِ :
"أَنَّ النَّصِيحَةَ
تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَأَنَّ الدِّينَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا
يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ قَالَ وَالنَّصِيحَةُ فَرْضٌ يُجْزِي فِيهِ مَنْ قَامَ
بِهِ وَيَسْقُطُ عَنِ الْبَاقِينَ
قَالَ : وَالنَّصِيحَةُ
لَازِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ
نُصْحُهُ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ فَإِنْ خَشِيَ
عَلَى نَفْسِهِ أَذًى فَهُوَ فِي سَعَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ."
إكمال المعلم بفوائد مسلم
(7/ 46)
وأما النصيحة، فمرغب فيها
غير واجبة، لكنه إذا استنصح كان مندوباً إلى أن ينصح؛ لأنه حض - عليه السلام - على
النصيحة لكل مسلم، فإذا استنصح؛ وجب عليه النصيحة___ولا يداهن فى ذلك."
المفهم لما أشكل من تلخيص
كتاب مسلم (2/ 10)
وقد تقدَّم القولُ على
قولِهِ : لاَ يُؤْمِنُ أحدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
وإذا كان هذا في حَقِّ المسلمين ، فالأمراءُ والأئمَّةُ بذلك أولى.
شرح صحيح البخارى لابن بطال
(1/ 129_130)
والنصيحة فرض يجزئ فيه من
قام به، ويسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل
نصحه ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه. وأما إن خشى الأذى فهو فى سعة منها.___
قال أبو بكر الآجرى :
ولا يكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه،
واجتهد فى طلب العلم والفقه، ليعرف به ما يجب عليه، ويعلم عداوة الشيطان له وكيف
الحذر منه، ويعلم قبيح ما تميل إليه النفس حتى يخالفها بعلم
التمهيد لما في الموطأ من
المعاني والأسانيد (21/ 285)
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ
أَنَّ مِنَ الدِّينِ النُّصْحَ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا أَوْجَبَ مَا
يَكُونُ فَكُلُّ مَنْ وَاكَلَهُمْ وَجَالَسَهُمْ وَكُلُّ مَنْ أَمْكَنَهُ نُصْحَ
السُّلْطَانِ لَزِمَهُ ذَلِكَ إِذَا رَجَا أَنْ يُسْمَعَ مِنْه
الشافي في شرح مسند الشافعي
(5/ 543)
وحقيقة النصح أن يكون بهذه
المثابة، لأنه الوصف النفسي الذي لا يصدر عنها إلا وهي خالصة من النفاق، عارية من
الغش.
ثم لما حكم بهذا الحكم من
جعل النصح هو الدين، قال مفسرًا أو مبينًا: "لله، ولكتابه، ولنبيه، ولأئمة
المسلمين وعامتهم" فابتدأ بتقديم الأهم الأولى وهو الله -سبحانه- وقال: لأن
الدين له حقيقة أصلًا وفرعًا ونقلًا، ثم ثنى بما هو تال له في الرتبة وهو صفة من
صفاته، قائم به، الناطق بعظمة جلاله، الشارح صدور أوليائه، الصادع ببيان أحكامه،
المعجز ببديع نظامه فقال: "ولكتابه"، ثم ثلث بما يتلو كلامه في الرتبة
وهو رسوله الهادي إلى دينه، الموقف على أحكام طاعته، الصادق في إبلاغ رسالته،
المفصل لجمل شريعته. ثم ربع بالأئمة الذين هم أولوا الأمر، وخلفاء الأنبياء في
الأرض القائمون بسنة الله -تعالى- في عباده. ثم خمس بعامة المسلمين، وهم الباقون
منهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة.
بهجة قلوب الأبرار وقرة
عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 11)
كرر النبي صلى الله عليه
وسلم هذه الكلمة اهتماما للمقام، وإرشادا للأمة أن يعلموا حق العلم أن الدين كله -
ظاهره وباطنه - منحصر في النصيحة. وهي القيام التام بهذه الحقوق الخمسة.
بهجة قلوب الأبرار وقرة
عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 12)
فالنبي صلى الله عليه وسلم
فسر النصيحة بهذه الأمور الخمسة التي تشمل القيام بحقوق الله، وحقوق كتابه، وحقوق
رسوله، وحقوق جميع المسلمين على اختلاف أحوالهم وطبقاتهم. فشمل ذلك الدين كله، ولم
يبق معه شيء إلا دخل في هذا الكلام الجامع المحيط. والله أعلم.
شرح الأربعين النووية
للعثيمين (ص: 123_124)
من فوائد هذا الحديث:
. 1أهمية النصيحة في هذه المواضع، وجه ذلك:
أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها الدين فقال: الدِّيْنُ النَّصِيْحةُ
. 2حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث
يذكر الشيء مجملاً ثم يفصّله، لقوله: الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ.
. 3حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم،
وأنهم لن يدعوا شيئاً يحتاج الناس إلى فهمه إلا سألوا عنه، ومن ذلك لما ذكر النبي
صلى الله عليه وسلم أن الدّجّال يمكث في الأرض أربعين يوماً، اليوم الأول كسنة
قالوا يارسول الله: هذا اليوم الذي يبدو كسنة تكفينا فيه صلاة واحدة؟ (1) فسألوا،
ويتفرع على هذا: أن ما لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم من أمور الدين فلا نسأل
عنه لاسيما فيما يتعلّق بأسماء الله وصفاته، ولهذا عد الإمام مالك - رحمه الله -
من سأل عن كيفية الاستواء، مبتدعاً، لأنه ابتدع سؤالاً لم يسأل عنه الصحابة رضي
الله عنهم.
. 4 البداءة بالأهم فالأهم، حيث بدأ النبي
صلى الله عليه وسلم بالنصيحة لله، ثم للكتاب، ثم للرسول صلى الله عليه وسلم ثم
لأئمة المسلمين، ثم عامتهم.
وإنما قدم الكتاب على
الرسول لأن الكتاب يبقى، والرسول يموت، على أن النصيحة للكتاب وللرسول متلازمان،
فإذا نصح للكتاب نصح للرسول، وإذا نصح للرسول نصح للكتاب.
. 5 وجوب النصيحة لأئمة المسلمين، وذلك بما
ذكرناه من الوجوه بالنسبة للأمراء، وبالنسبة للعلماء.
. 6الإشارة إلى أن المجتمع الإسلامي لابد له
من إمام، والإمامة قد تكون عامة،__وقد تكون خاصة.
فتح القوي المتين في شرح
الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله (ص: 46)
3 مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1 بيان عظم شأن النصيحة وعظيم منزلتها من
الدِّين.
2 بيان لِمَن تكون النصيحة.
3 الحثُّ على النصيحة في الخمس المذكورة في
الحديث.
4 حرص الصحابة على معرفة أمور الدِّين، وذلك
بسؤالهم لِمَن تكون النصيحة.
5 أنَّ الدِّينَ يُطلق على العمل؛ لكونه
سمَّى النصيحة ديناً.
ذخيرة العقبى في شرح
المجتبى (32/ 311)
فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى،
وهو وجوب النصيحة للإمام، وَقَدْ تقدم آنفًا معنى النصيحة للأئمة. (ومنها): ما
قاله النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا حدِيث عظِيم الشَّأن، وعليهِ مدار الإسلام،
وأما ما قالهُ جماعات، منْ العُلماء: إنهُ أحد أرباع الإسلام، أي أحد الأحادِيث
الأربعة، الَّتِي تَجمع أمُور الإسلام، فليس كما قالُوهُ، بل المدارُ عَلَى هَذَا
وحدهُ.
(ومنها): ما قاله ابنُ بطال -رَحِمَهُ الله-
فِي هَذَا الحديث: أنَّ النَّصِيحة تُسَمَّى دِينًا، وإسلامًا، وأنَّ الدِّين يقع
عَلَى العمل كما يقع عَلَى القَوْل. قَالَ: والنَّصِيحة فرضٌ يُجْزِي فِيهِ منْ
قام بِهِ، ويسقُط عن الباقِين. قَالَ: والنصِيحة لازِمة عَلَى قَدْر الطَّاقة،
إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أنَّهُ يُقبل نُصحه، ويُطاع أمرُهُ، وأمِن عَلَى نَفْسه
المكرُوه، فإِن خَشِي عَلَى نفسه أذًى، فهُو فِي سَعَةٍ. والله أعْلم. انتهى (1).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

Tidak ada komentar:
Posting Komentar