شرح
الأربعين النووية
الحديث
الأول
عَنْ
أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ أَبِيْ حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
يَقُوْلُ:
إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ
مَا نَوَى.
فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ
إِلىِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ.
وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيْبُهَا أَوْ إِلَى
امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ
(رَوَاهُ
إِمَامَا الْمُحَدِّثِيْنَ أَبُوْ عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ
إِبْرَاهِيْمَ بْنِ الْمُغِيْرَةِ بْنِ بَرْدِزْبَةَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُوْ
الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُوْرِيُّ فِيْ
صَحِيْحَيْهِمَا اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ)[1]
[أخرجه: البخاري في
"صحيحه" رقم: 6689, ومسلم في "صحيحه" رقم: 1907]
ترجمة عمر بن الخطاب الصحابي راوي الحديث :
&
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح - (1 / 40_41)
(عَنْ عُمَرَ
بْنِ الْخَطَّابِ) : وَهُوَ النَّاطِقُ بِالصَّوَابِ، الْمُسَمَّى بِالْفَارُوقِ عَلَى
مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا
بَيْنَ الْأَصْحَابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : وَهُوَ. عَدَوِيٌّ قُرَشِيٌّ يَجْتَمِعُ
مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ،
كَنَّاهُ
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي حَفْصٍ، وَهُوَ لُغَةً:
الْأَسَدُ،
وَلَقَّبَهُ
بِالْفَارُوقِ لِفُرْقَانِهِ بَيْنَ الْحَقِّ، وَالْبَاطِلِ.
منزلة الحديث :
&
شرح النووي
على مسلم - (13 / 53_54)
أَجْمَع
الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِظَم مَوْقِع هَذَا الْحَدِيث ، وَكَثْرَة فَوَائِده وَصِحَّته
، قَالَ الشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ : هُوَ ثُلُث الْإِسْلَام[2]
، وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَدْخُل فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْفِقْه ، وَقَالَ آخَرُونَ
: هُوَ رُبْع الْإِسْلَام ، وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَغَيْره : يَنْبَغِي
لِمَنْ صَنَّفَ كِتَابًا أَنْ يَبْدَأ فِيهِ بِهَذَا الْحَدِيث تَنْبِيهًا لِلطَّالِبِ
عَلَى تَصْحِيح النِّيَّة . وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا____عَنْ الْأَئِمَّة مُطْلَقًا ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْبُخَارِيّ وَغَيْره
، فَابْتَدَءُوا بِهِ قَبْل كُلّ شَيْء ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي سَبْعَة مَوَاضِع
مِنْ كِتَابه
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 22)
وَقَالَ
ابْن مهْدي الْحَافِظ : "من أَرَادَ أَن يصنف كتابا فليبدأ بِهَذَا الحَدِيث وَقَالَ
لَو صنفت كتابا لبدأت فِي كل بَاب مِنْهُ بِهَذَا الحَدِيث."
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 22)
وَقَالَ
أَبُو بكر بن داسة سَمِعت أَبَا دَاوُد يَقُول كتبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم خَمْسمِائَة ألف حَدِيث انتخبت مِنْهَا أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وَثَمَانمِائَة
حَدِيث فِي الْأَحْكَام فَأَما أَحَادِيث الزّهْد والفضائل فَلم أخرجهَا وَيَكْفِي
الْإِنْسَان لدينِهِ من ذَلِك أَرْبَعَة أَحَادِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ والحلال
بَين وَالْحرَام بَين وَمن حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه وَلَا يكون الْمُؤمن
مُؤمنا حَتَّى يرضى لِأَخِيهِ مَا يرضى لنَفسِهِ
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 22)
وَقَالَ
القَاضِي عِيَاض ذكر الْأَئِمَّة أَن هَذَا الحَدِيث ثلث الْإِسْلَام وَقيل ربعه وَقيل
أصُول الدّين ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقيل أَرْبَعَة. قَالَ الشَّافِعِي وَغَيره يدْخل
فِيهِ سَبْعُونَ بَابا من الْفِقْه وَقَالَ النَّوَوِيّ لم يرد الشَّافِعِي رَحمَه
الله تَعَالَى انحصار أبوابه فِي هَذَا الْعدَد فَإِنَّهَا أَكثر من ذَلِك وَقد نظم
طَاهِر بن مفوز الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة[3]
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 22)
وَلما بَدَأَ
البُخَارِيّ كِتَابه بِهِ لما ذكرنَا من الْمَعْنى خَتمه بِحَدِيث التَّسْبِيح لِأَن
بِهِ تتعطر الْمجَالِس وَهُوَ كَفَّارَة لما قد يَقع من الْجَالِس فَإِن قيل لم اخْتَار
من هَذَا الحَدِيث مُخْتَصره وَلم يذكر مطوله هَهُنَا قلت لما كَانَ قَصده التَّنْبِيه
على أَنه قصد بِهِ وَجه الله تَعَالَى وَأَنه سيجزى بِحَسب نِيَّته ابْتَدَأَ بالمختصر
الَّذِي فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الشَّخْص يجزى بِقدر نِيَّته فَإِن كَانَت نِيَّته
وَجه الله تَعَالَى يجزى بالثواب وَالْخَيْر فِي الدَّاريْنِ وَإِن كَانَت نِيَّته
وَجها من وُجُوه الدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ حَظّ من الثَّوَاب وَلَا من خير الدُّنْيَا
وَالْآخِرَة
شرح الكلمات :
&
المجالس
الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري - (5
/ 18)
الخامس: يقال: ما شروط النية؟
ويجاب بأن
شروط أربعة:
الأول: الإسلام،
فلا يصح
العبادات من كافر لعدم صحة نيته، نعم لنا صور تصح من كافر فيها النية من الكافر منها:
الذمية تحت المسلم إذا حاضت وانقطع دمها فلا يحل الزوج وطئها حتى تغتسل، فإذا اغتسلت
ونوت صحت نيتها، وغسلها للضرورة، ومنها: الكفارة تصح من الكافر ولابد فيها من النية،
ويصح منه.
الشرط الثاني: التمييز،
فلا تصح
عبادة صبي لا يميز ولا مجنون إذ لا نية لهما، نعم لنا صور تصح فيها عبادة غير المميز
منها: الطفل في الإحرام بالحج إذا حرم عند وليه، ففي الطواف يوضأه وليه وينوي عنه،
والمجنونة في الحيض إذ طهرت يغسلها سيدها وينوي عنها.
الشرط الثالث: العلم بالمنوي،
فلو جهل
فرضيه العبادة كفرضيه الوضوء أو الصلاة لا يصح منه فعلها.
الشرط الرابع: أن لا يأتي بمناف للنية
فلو ارتد
في أثناء الصلاة أو الصوم أو غيرهما بطل ببطلان نيته أو في أثناء الوضوء أو الغسل لم
يبطل ما فعل منها، فلو فعل شيئًا في زمن الرده لم يحسب، فإن عاد إلى الإسلام بني على
ما تقدم، ولو ارتد بعد الفراغ من الوضوء والغسل لم يبطل أو بعد التيمم بطل لضعفه.
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 23_24)
وَيُقَال
: (الْهِجْرَة) التّرْك،
وَالْمرَاد
بهَا هُنَا ترك الوطن والانتقال إِلَى غَيره،
وَهِي فِي
الشَّرْع : "مُفَارقَة دَار الْكفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام خوف الْفِتْنَة وَطلب
إِقَامَة الدّين",
وَفِي الْحَقِيقَة
: مُفَارقَة مَا يكرههُ الله تَعَالَى إِلَى مَا يُحِبهُ،
وَمن ذَلِك
سمى الَّذين تركُوا توطن مَكَّة وتحولوا____إِلَى الْمَدِينَة
من الصَّحَابَة بالمهاجرين لذَلِك.
&
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح - (1 / 46)
مِنَ الْقَوَاعِدِ
الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ
لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ،
وَرَسُولِهِ قَصْدًا، وَنِيَّةً فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ ثَمَرَةً،
وَمَنْفَعَةً، فَهُوَ تَمْيِيزٌ لِلنِّسْبَةِ، وَيَجُوزُ حَذْفُهُ لِلْقَرِينَةِ، وَقِيلَ:
فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ فِي الدُّنْيَا فَهِجْرَتُهُ
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْعُقْبَى، وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ الْجَزَائِيَّةُ كِنَايَةٌ
عَنْ قَوْلِهِ: فَهِجْرَتُهُ مَقْبُولَةٌ، أَوْ صَحِيحَةٌ فَأُقِيمَ السَّبَبُ مَقَامَ
الْمُسَبَّبُ، وَقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ مِنْ طَرَفِ الْجَزَاءِ أَيْ: فَهِجْرَتُهُ
إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ مَقْبُولَةٌ أَيْ: فَهِيَ كَمَا نَوَاهَا، وَقَدْ وَقَعَ
أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ وَصَلَ إِلَى الْفَرِيقِ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] وَقِيلَ:
اتِّحَادُ الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ،
&
المجالس
الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري - (6
/ 1) :
"قال
العلماء: الهجرة فعلة من الهجر ضد الوصل(1)، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض
وترك الأولى للثانية، وتقسيم الهجرة إلى ثمانية أقسام كما أفاده العراقي:
الأولى:
الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة خرج من الصحابة سراً أحد عشر نسوة
منهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الثانية:
الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثالثة:
هجرة القبائل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى الأوطان،
ويعلمون قومهم.
الرابعة:
هجرة من أسلم من مكة ليأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع إلى مكة.
الخامسة:
هجرة ما نهي الله عنه.
السادسة:
الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة مرتين، فإنهم هاجروا إلى أرض الحبشة مرتين كما هو معروف
في السير، وجميع من هاجر إلى أرض الحبشة إثنان وثمانون رجلاً سوى النساء والصبيان.
السابعة:
هجرة من كان مقيماً ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى
بلاد الإسلام كما صرح به العلماء.
&
لقد ذكر
بعض العلماء أن قصة مهاجر أم قيس سبب لورود حديث " إنما الأعمال بالنيات
" ، فما صحة هذا القول ؟
الجواب :
قد أنكر
ذلك جمع من العلماء، منهم :
1 - الحافظ
ابن رجب الحنبلي :
قال في
جامع العلوم والحكم (1/74-75) :
وقد اشتهرَ
أنَّ قصةَ مهاجر أم قيسٍ هي كانت سببَ قول النبي صلى الله عليه وسلم : من كانت هجرته
إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم ، ولم نر لذلك
أصلا بإسناد يصح ، والله أعلم .ا.هـ.
2 - الحافظ
ابن حجر العسقلاني :
قال في
الفتح (1/16) :
لكن ليس
فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك
.ا.هـ.
3 - الشيخ
أحمد محمد شاكر :
نقل في
تعليقه على ألفية السيوطي (ص183) كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي ، وابن حجر - رحمهما
الله - .
4 - الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد :
قال في
كتابه " التأصيل " (1/73) :
ومن الفوائد
المضافة : أن ثمة روايات في غير الحديث يتناقلها العلماء على التسليم بلا نكير ، هي
عندهم كالجبال الرواسي في الثبوت ، لكن عند التخريج لها ، تُصَيَّرُها هباءً .
منها :
جعل قصة مهاجر أم قيس التي رواها ابن مسعود - رضي الله عنه - كما في سنن سعيد بن منصور
، ومعجم الطبراني سببا لورود حديث عمر - رضي الله عنه - : إنما الأعمال بالنيات ، وقد
وقع في هذا الغلط الكبار أمثال ابن دقيق العيد - رحمه الله - كما في " إحكام الأحكام
" ، وأنكر ذلك الحفظ منهم ابن رجب وابن حجر - رجمهما الله - .ا.هـ.
فوائد الحديث :
&
المجالس
الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري - (5
/ 6) :
قال البرماوي:
إنما صدر البخاري كتابة بحديث «إنما الأعمال» لأمور:
أحدها : أنه مناسب للآية المذكورة في الترجمة
لأنه أوحي لكل الأنبياء الأمر بالنية قال تعالى ? وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ?[البينة: 5] والإخلاص: النية.____
ثانيهما : أن أول واجبات المكلف القصد إلى
النظر الموصل إلى معرفة الله، فالقصد سابق دائماً.
ثالثهما : بيان أن كل أمر ينبغي أن يكون بإخلاص
ونية، حتى يكون مقبولاً منتفعاً به، فلذلك لما أخلص البخاري النية، وصفى الطوية، نفع
الله بكتابه البرية.
رابعها : أنه - صلى الله عليه وسلم - لما
قدم المدنية خطب بهذا الحديث، لأن مبدأ لكمال ظهوره ونصره، فناسب الابتداء بذكره في
ابتداء الوحي إليه، وافتتاح إخلاص العمل لله تعالى، المستحق الجامع للمحامد
&
فيه إيضاح
أن النية من الإيمان
عليه بوب
البخاري في صحيح البخاري-ن - (6 / 2461) قائلا : "باب النية في الأيمان."
اهـ
|
عمدة
القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 30)
وَفِيه
دَلِيل على أَن الطَّهَارَة وَسَائِر الْعِبَادَات لَا تصح إِلَّا بنية. وَقَالَ
الْخطابِيّ قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لم يرد بِهِ أَعْيَان الْأَعْمَال
لِأَنَّهَا حَاصِلَة حسا وعيانا بِغَيْر نِيَّة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن صِحَة أَحْكَام
الْأَعْمَال فِي حق الدّين إِنَّمَا تقع بِالنِّيَّةِ وَأَن النِّيَّة هِيَ الفاصلة
بَين مَا يَصح وَمَا لَا يَصح
|
&
فيه بيان
أن إحداث النية للوضوء والغسل واجب
عليه بوب
الحديث ابن خزيمة في صحيحه - (1 / 73) قائلا : "باب إيجاب إحداث النية للوضوء
والغسل." اهـ
|
عمدة
القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 30)
(استنباط
الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول احتجت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة بِهِ فِي وجوب
النِّيَّة فِي الْوضُوء وَالْغسْل
|
&
شرح النووي
على مسلم - (13 / 54)
وفيه دليل
على أن الطهارة وهى الوضوء والغسل والتيمم لا تصح الا بالنية وكذلك الصلوة والزكوة
والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات
وأما ازالة
النجاسة فالمشهور عندنا أنها لاتفتقر إلى نية لأنها من باب التروك والترك لايحتاج إلى
نية،
وقد نقلوا
الاجماع فيها
&
فيه جواز
اختلاف النية بين الإمام والمؤتمين، فيجوز أن يصلي المأموم ظهرا بينما الإمام ينوي
ويصلي العصر :
عليه بوب
الحديث أبو بكر البيهقي في السنن الكبرى ط. المعارف بالهند - (3 / 87) قائلاً :
"باب الظُّهْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّى الْعَصْرَ {ت} قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله
عليه وسلم- إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.."
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 27)
مَا ذكره
ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ : أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَعْمَال الْخَارِجَة
عَن الْعِبَادَة قد تفِيد الثَّوَاب إِذا نوى بهَا فاعلها الْقرْبَة كَالْأَكْلِ وَالشرب
إِذا نوى بهما التقوية على الطَّاعَة وَالنَّوْم إِذا قصد بِهِ ترويح الْبدن لِلْعِبَادَةِ
وَالْوَطْء إِذا أَرَادَ بِهِ التعفف عَن الْفَاحِشَة كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم : "فِي بضع أحدكُم صَدَقَة" الحَدِيثَ[5]
&
شرح السيوطي
لسنن النسائي - (7 / 242)
قال المازري
:
وإنما نبه
أهل العلم على عظم هذا الحديث لان الإنسان إنما يعبد بطهارة قلبه وجسمه فأكثر المذام
المحظورات إنما تنبعث من القلب وأشار صلى الله عليه و سلم لاصلاحه،
ونبه على
أن اصلاحه هو إصلاح الجسم وأنه الأصل وهذا صحيح يؤمن به حتى من لا يؤمن بالشرع وقد
نص عليه الفلاسفة والاطباء
&
البدر المنير
- (1 / 664) لابن الملقن :
قَالَ الْخطابِيّ
: وَأفَاد قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : «وإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا
نَوى» ، فَائِدَة لم تحصل بقوله : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَهِي) :
أَن تعْيين الْعِبَادَة المنوية شرطٌ لصحتها» .
حاشية السندي
على ابن ماجه - (8 / 80)
إِنَّ الْعَمَل
يُحْسَب بِحَسْبِهَا خَيْرًا وَشَرًّا أَوْ يَجْزِي الْمَرْء بِحَسْبِهَا عَلَى الْعَمَل
ثَوَابًا وَعِقَابًا وَإِذَا تَقَرَّرَ الْمُقَدِّمَتَانِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا[6]
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 28)
مَا قَالَه
ابْن بطال عَن ابْن سراج أَنه إِنَّمَا خص الْمَرْأَة بِالذكر من بَين سَائِر الْأَشْيَاء
فِي هَذَا الحَدِيث لِأَن الْعَرَب كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة لَا تزوج الْمولى الْعَرَبيَّة
وَلَا يزوجون بناتهم إِلَّا من الْأَكفاء فِي النّسَب
فَلَمَّا
جَاءَ الْإِسْلَام سوى بَين الْمُسلمين فِي مناكحهم وَصَارَ كل وَاحِد من الْمُسلمين
كُفؤًا لصَاحبه فَهَاجَرَ كثير من النَّاس إِلَى الْمَدِينَة ليتزوج بهَا حَتَّى سمى
بَعضهم مهَاجر أم قيس
&
عمدة القاري
شرح صحيح البخاري - (1 / 28)
خص ذكر
الْمَرْأَة دون سَائِر مَا ينوى بِهِ الْهِجْرَة من أَفْرَاد الْأَغْرَاض الدُّنْيَوِيَّة
لأجل تبين السَّبَب لِأَنَّهَا كَانَت أعظم أَسبَاب فتْنَة الدُّنْيَا
قَالَ النَّبِي
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا تركت بعدِي فتْنَة أضرّ على الرِّجَال من النِّسَاء وَذكر
الدُّنْيَا مَعهَا من بَاب زِيَادَة النَّص على السَّبَب كَمَا أَنه لما سُئِلَ عَن
طهورية مَاء الْبَحْر زَاد حل ميتَته
&
المجالس
الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري - (5
/ 19_20) لشمس الدين السفيري :
"وقد
دل هذا الحديث الجليل على فوائد كثيرة فإنه يدخل في سبعين باباً من الفقه كما قاله
الإمام الشافعي.
ففيه دليل على أن الطهارة وهي الوضوء
والغسل والتيمم لا يصح إلا بالنية، وهو مذهب إمامنا الشافعي، وعند أبي حنيفة لا تجب
النية في الوضوء والغسل، واحتج على ذلك بأن كل واحد منهما ليس مقصود النفس، لأن المقصود
به النظافة فأشبه إزالة النجاسة، وعموم الحديث يرد عليه.
وفيه دليل على اشتراط النية لسجود التلاوة
لأنه عبادة.
وفيه دليل أن المتوضئ إذا نوى عند غسل
الوجه يحصل له ثواب السنن السابقة وهو الأصح عندنا.
وفيه رد على زفر حيث ذهب إلى أن صيام
رمضان لا تشترط فيه النية للصحيح المقيم، لتعين الزمان.
وفيه دليل على أن المطلق إذا أطلق بصريح
لفظ الطلاق ونوى عدداً وقع ما نواه، وهو مذهب الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة وأحمد لا
يقع إلا واحدة_____
و-فيه دليل وحجة لمالك في إسقاط الحيل
كمن باع ماله قبل الحول فراراً من الزكاة، فإنها لا تسقط عنه عند مالك لهذا الحديث.
&
المجالس
الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري - (5
/ 23_24)
وفيه دليل
على أن ما ليس بعمل تشترط فيه النية كالتروك مثل ترك الزنا والخمر وباقي المعاصي، نعم
إذا أراد تحصيل الثواب ولابد له من القصد، فمن ترك الزنا مثلاً بعد أن خطر على باله
خوفاً من الله يثاب على هذا الترك، أما من لم يقصد ترك المعصية لا يثاب على تركها فمن
لم تخطر المعصية بباله أصلاً ليس كمن خطر في نفسه عنها خوفاً من الله.[7]
وفيه دليل
على أن النجاسة لا تجب إزالتها وهو الأصح لأنه من باب التروك (انتهى).
وفيه دليل
على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكارم الأخلاق حيث لم يصرح بالإنكار
على من هاجر لأجل المرأة، بل أورده مورد الإيهام كقوله في حديث آخر: «ما بال أقوام
يفعلون كذا»(1) وهذا من مكارم أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه دليل
على استجاب التخلق بمكارم الأخلاق، وما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطي حيث قال:____
بمكارم
الأخلاق كن متخلقا ... ليفوح مسك ثنائك العطر الشذي
وانفع صديقك
إن صدقت صدقه ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي
وفيه دليل على أنه يستحب الستر على من
وقع منه منكر.
وفيه دليل
على أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء الخطبة.
وفيه دليل
على أن الإمام الأعظم يستحب له أن يخطب عند الأمور المهمة وتعليم الحكم المهمة، لأنه
أبلغ في الإشاعة والإشتهار.
واستدل
الحديث بعضهم على وجوب النية على غاسل الميت، وهو وجه عندنا، والأصح في النية لا تجب
على الغاسل، بدليل أنه لو غسله كافر عندنا صح، وهو ليس من أهل النية.
وفيه دليل
وحث على الإخلاص في النية، والإخلاص من أعمال القلب والفرق بينه وبين النية أن النية
تتعلق بفعل العبادة، والإخلاص يتعلق بإضافه العبادة إلى الله تعالى فالنية لابد منها
في صحة العمل، وأما الإخلاص فليس يتعين، فمن صلى ونوى ولم يضف الصلاة إلى الله تعالى
صحت صلاته، لأن العبادة لا تكون إلا لله سواء أضافها إليه أم لا، نعم الإخلاص مع النية
أكمل من النية وحدها.[8]
&
فيض القدير
- (1 / 30)
ففيه تلويح بأنه ينبغي للسالك كونه عالي
الهمة والنية فلا يلتفت إلى غير المكون
كما أفصح
عنه في الحكم حيث قال : العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه ويطلب ما لا بقاء له معه
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور لا ترحل من كون إلى كون فتكون
كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه ولكن ارحل من الأكوان
&
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح - (1 / 42)
قَالَ الْمُحَقِّقُ
الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ
كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ: أُصَلِّي
كَذَا، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، بَلِ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ
كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ،
وَهَذِهِ بِدْعَةٌ اهـ.[9]
|
مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (1 / 43)
ثُمَّ
رَأَيْتُ ابْنَ الْقِيَمِ ذَكَرَ فِي زَادِ الْمَعَادَ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ،
وَهَذَا لَفْظُهُ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذَا قَامَ إِلَى
الصَّلَاةِ قَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) » ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَبْلَهَا، وَلَا
تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، وَلَا قَالَ: (أُصَلِّي لِلَّهِ صَلَاةَ كَذَا مُسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا) ، وَلَا قَالَ: أَدَاءً،
وَلَا قَضَاءً، وَلَا فَرْضَ الْوَقْتِ، وَهَذِهِ عَشْرُ بِدَعٍ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَحَدٌ قَطُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ،
وَلَا مُسْنَدٍ، وَلَا مُرْسَلٍ لَفْظَةً وَاحِدَةً مِنْهَا الْبَتَّةَ، بَلْ وَلَا
عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا
الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَإِنَّمَا غَرَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَالصِّيَامِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا
بِذِكْرٍ فَظَنَّ أَنَّ الذِّكْرَ تَلَفُّظُ الْمُصَلِّي بِالنِّيَّةِ، وَأَنَّ مُرَادَ
الشَّافِعِيِّ بِالذِّكْرِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لَيْسَ إِلَّا، وَكَيْفَ يَسْتَحِبُّ
الشَّافِعِيُّ أَمْرًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَأَصْحَابِهِ،
وَهَذَا هَدْيُهُمْ، وَسِيرَتُهُمْ ; فَإِنْ أَوْجَدَنَا أَحَدٌ حَرْفًا وَاحِدًا
عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَبِلْنَاهُ، وَقَابَلْنَاهُ بِالْقَبُولِ، وَالتَّسْلِيمِ،
وَلَا هَدْيَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِمْ، وَلَا سُنَّةَ إِلَّا مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ
صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.[10]
وَصَرَّحَ
السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ بِنَفْيِ رِوَايَةِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ
عَنِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَيْرُوزُأَبَادِي صَاحِبُ الْقَامُوسِ
فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ
فِي الْمَوَاهِبِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ - تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ
التَّلَفُّظَ بِهَا، وَلَا أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي
السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: ( «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ) .
|
&
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح - (1 / 47)
وَفِيهِ
إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ قَصَدَ فِي ضِمْنِ الْهِجْرَةِ سُنَّةً عَظِيمَةً
أَبْطَلَ ثَوَابَ هِجْرَتِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ غَيْرُهُ[11]
; أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى أَعْظَمِ فِتَنِ الدُّنْيَا،
لِقَوْلِهِ
تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14]
.
وَلِقَوْلِهِ
عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ
النِّسَاءِ» ) لَكِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً تَكُونُ خَيْرَ مَتَاعِهَا،
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ،
وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» ) .
&
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح - (1 / 47)
وَإِنَّمَا
لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى مِنْ مَطَالِبِ السُّعَدَاءِ، وَهِيَ الْخَلَاصُ عَنِ الدَّرَكَاتِ
السُّفْلَى مِنَ الْكُفْرِ، وَالشِّرْكِ، وَالْجَهْلِ، وَالْمَعَاصِي، وَالسُّمْعَةِ،
وَالرِّيَاءِ، وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَحَجْبِ الْأَوْصَافِ، وَالْفَوْزِ بِالدَّرَجَاتِ
الْعُلَا وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ، وَالتَّوْحِيدُ، وَالْعِلْمُ، وَالطَّاعَاتُ، وَالْأَخْلَاقُ
الْمَحْمُودَةُ، وَجَذَبَاتُ الْحَقِّ، وَالْفَنَاءُ عَنْ
إِنَابَتِهِ، وَالْبَقَاءُ بِهُوِيَّتِهِ[12]،
أَوْ مِنْ
مَقَاصِدِ الْأَشْقِيَاءِ، وَهِيَ إِجْمَالًا مَا يُبْعِدُ____عَنِ الْحَقِّ، فَمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ أَيْ: خُرُوجُهُ مِنْ مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ
اسْتِعْدَادَهُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ النَّفْسِ،
أَوْ مَقَامًا مِنْ مَقَامَاتِ الْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ لِتَحْصِيلِ مِرَاضِيهِ، وَتَحْسِينِ
الْأَخْلَاقِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى تَوْحِيدِ الذَّاتِ، وَرَسُولِهِ بِاتِّبَاعِ أَعْمَالِهِ،
وَاقْتِفَاءِ أَخْلَاقِهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى طَلَبِ الِاسْتِقَامَةِ فِي تَوْحِيدِ
الصِّفَاتِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[2] قال علي بن سلطان القاري في مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح - (1 / 43)
وَرُوِيَ
عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي فَضْلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ نِصْفُ
الْعِلْمِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ النِّيَّةَ عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ، وَالْعَمَلَ
عُبُودِيَّةُ الْقَالِبِ، أَوْ أَنَّ الدِّينَ إِمَّا ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْعَمَلُ،
أَوْ بَاطِنٌ، وَهُوَ النِّيَّةُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ -: ( «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» )
لِتَعَلُّقِهَا بِالْمَوْتِ الْمُقَابِلِ لِلْحَيَاةِ،
ثم
قال –رحمه الله- في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (1 / 44)
وَوَجَّهَهُ
الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ إِمَّا بِقَلْبِهِ كَالنِّيَّةِ، أَوْ
بِلِسَانِهِ، أَوْ بِبَقِيَّةِ جَوَارِحِهِ، وَالْأَوَّلُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ
بَلْ أَرْجَحُهَا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بِانْفِرَادِهَا،
[3] قال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري -
(1 / 22) : "فَإِن قيل مَا وَجه قَوْلهم إِن هَذَا الحَدِيث ثلث الْإِسْلَام
قلت لتَضَمّنه النِّيَّةَ، وَالْإِسْلَامُ قَولٌ وَفعلٌ وَنِيَّةٌ."
[5] قال القاري الحنفي في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح - (1 / 45)
الْأُمُورُ
الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْمَثُوبَاتِ إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا
فَاعِلُهَا الْقُرُبَاتِ كَالْمَآكِلِ، وَالْمَشَارِبِ، وَالْمَنَاكِحِ، وَسَائِرِ
اللَّذَّاتِ إِذَا نَوَى بِهَا الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَاتِ لِاسْتِيفَاءِ
الشَّهَوَاتِ، وَكَالتَّطَيُّبِ إِذَا قَصَدَ إِقَامَةَ السُّنَّةِ، وَدَفْعَ
الرَّائِحَةِ الْمُؤْذِيَةِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي الْجُمْلَةِ
كُلُّ عَمَلٍ صَدَرَ عَنْهُ لِدَاعِي الْحَقِّ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَكَذَا
الْمَتْرُوكَاتُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَثُوبَاتُ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ.
[6] قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح - (1 / 45)
وَتَحْرِيرُهُ
أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ
تُحْسَبُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ إِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ فَهِيَ لَهُ
تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ لِلدُّنْيَا فَهِيَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِنَظَرِ
الْخَلْقِ فَهِيَ لِذَلِكَ، فَالتَّقْدِيرُ إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لِكُلِّ
إِنْسَانٍ مَنْوِيَّهُ مِنْ طَاعَةٍ، أَوْ مُبَاحٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا فَمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ مِنَ الْهَجْرِ، وَهُوَ التَّرْكُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ
الْوَصْلِ، وَالْمُرَادُ هَنَا تَرْكُ الْوَطَنِ الَّذِي بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَى
دَارِ الْإِسْلَامِ كَهِجْرَةِ الصَّحَابَةِ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمْ أَذَى أَهْلِ
مَكَّةَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَإِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ -
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَبَعْدَهَا، وَلَمَّا احْتَاجُوا إِلَى
تَعَلُّمِ الْعُلُومِ مِنْ أَوْطَانِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تُطْلَقُ
كَمَا فِي أَحَادِيثَ عَلَى هِجْرَةِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ،
[7] قال القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح - (1 / 44) :
وَالْحَاصِلُ
أَنَّ عَزْمَ الْكُفْرِ كُفْرٌ، وَخَطْرَةَ الذُّنُوبِ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ
مَعْفُوٌّ عَنْهَا، وَعَزْمَ الذَّنْبِ إِذَا نَدِمَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ
مَعْفُوٌّ عَنْهُ بَلْ يُثَابُ، فَأَمَّا إِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ
عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مُنِعَ عَنْهُ بِمَانِعٍ لَا بِاخْتِيَارِهِ
فَإِنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةَ فِعْلِهِ أَيْ: بِالْعَزْمِ عَلَى
الزِّنَا لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ الزِّنَا، وَهَلْ يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ عَزْمِ
الزِّنَا؟ قِيلَ: لَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «إِنَّ
اللَّهَ عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا لَمْ تَعْمَلْ،
أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» ) . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي
الْخَطْرَةِ دُونَ الْعَزْمِ، وَأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْعَزْمِ ثَابِتَةٌ،
وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ
الْحُلْوَانِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور: 19] الْآيَةَ." اهـ
&
وقال في موضع من مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح - (1 / 44)
وَمِنْ
جُمْلَةِ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ
لِسَانُهُ بِمُكَفِّرٍ يَدِينُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذْ لَا
نِيَّةَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُنَا خَبَرُ مُسْلِمٍ فِي «الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ،
ثُمَّ وَجَدَهَا، فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا
رَبُّكَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: (أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ
الْفَرَحِ) » .
وأما
الرياء فقد قال العراقي في «الفروق»: إنه حرام محصل للإثم ومبطل لثواب العبادة.
الرياء
على قسمين: أحدهما: أن يعمل الذي أمره الله ويقصد به وجه الله تعالى وأن تعظمه الناس
أو بعضهم.
ثانيهما:
أن يعمل الذي أمره الله ولا يريد وجه الله تعالى بالنية بل الناس فقط، ويسمى القسم
الأول: رياء الشرك لأنه للخلق وللحق، والثاني: رياء الإخلاص لأنه لا شريك فيه بل هو
خالص للخلق، ومقصود المرائي يعمله ثلاثة أشياء: تعظيم الخلق له، وجلب المنافع الدنيوية
له، ودفع المضار الدنيوية عنه.
وإنما
كان حراماً لأنه شرك وتشريك مع الله في طاعته، وقد صح في صحيح مسلم وغيره: «إن الله
تعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته له، أو
تركته لشريكي»
[9] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (1 / 42)
وَقَدْ
عَلِمْتَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْمُكَمَّلَ عَدَمُ النُّطْقِ بِالنِّيَّةِ مَعَ
أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا:
بِكَرَاهَتِهِ، وَالْحَنْبَلِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ غَيْرُ
مُسْتَحَبٍّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الِاتِّفَاقَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ،
وَالْحَنَفِيَّةِ فَلَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مَحَلُّهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ
بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ تَرْكُهُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ
الْمُحَدِّثِينَ بِلَا رَيْبٍ."
والصحيح
: أن التلفظ بالنية بدعة تورث الوسوسة، فكيف يعالج بها الوسوسة
[10] انظر : زاد المعاد في هدي خير العباد ـ مشكول
وموافق للمطبوع - (1 / 194) لابن قيم الجوزية الدمشقي
[11] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (1 / 47)
قِيلَ:
إِنَّمَا ذُمَّ لِأَنَّهُ طَلَبَ الدُّنْيَا فِي صُورَةِ الْهِجْرَةِ فَأَظْهَرَ
الْعِبَادَةَ لِلْعُقْبَى، وَمَقْصُودُهُ الْحَقِيقِيُّ مَا كَانَ إِلَّا
الدُّنْيَا فَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِمُشَابَهَتِهِ أَهْلَ النِّفَاقِ، وَلِذَا
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَمَّا رَأَى بَهْلَوَانًا يَلْعَبُ عَلَى
الْحَبْلِ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ جَمَلَ الدُّنْيَا
بِالدُّنْيَا، وَأَصْحَابُنَا يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ. وَقَالَ ابْنُ
عَبْدِ السَّلَامِ: مَتَى اجْتَمَعَ بَاعِثُ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَلَا
ثَوَابَ مُطْلَقًا لِلْخَبَرِ، وَفِي الصَّحِيحِ: ( «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ
عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ
بَرِيءٌ هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» ) . قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ الْبَاعِثُ
فَإِنْ غَلَبَ بَاعِثُ الْآخِرَةِ أُثِيبَ، أَوْ بَاعِثُ الدُّنْيَا، أَوِ
اسْتَوَيَا لَمْ يُثَبْ.
&
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (1
/ 47)
قَالَ
ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ مَنْ حَجَّ
بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ كَانَ ثَوَابُهُ دُونَ ثَوَابِ الْمُتَخَلِّي عَنْهَا
أَنَّ الْقَصْدَ الْمُصَاحِبَ لِلْعِبَادَةِ إِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالرِّيَاءِ
أَسْقَطَهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ مَحْمِلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا يُصَرِّحُ
بِهِ لَفْظُهُ، أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ أُثِيبَ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الْآخِرَةَ
أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ} [الزلزلة: 7] اهـ.
وَهُوَ
تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَتَعْلِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ هَذَا بِلِسَانِ الْعُلَمَاءِ أَرْبَابِ
الْعِبَارَةِ،
[12] الملون بالحمرة أخشى أن يكون من مصطلحات الصوفية، فإن علي بن
سلطان القاري -غفر الله له ولنا- تأثر بالصوفية

Tidak ada komentar:
Posting Komentar