Kamis, 01 Februari 2018

Sambungan Dosa Besar 65



لكبيرة الخامسة والستون :
الجدال والمراء واللدد ووكلاء القضاة

وقال تعالى :
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)} [العنكبوت: 46]

زاد المسير في علم التفسير (3/ 409)
في التي هي أحسن ثلاثة أقوال:
أحدها : أنها لا إله إلا الله، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثاني : أنها الكفُّ عنهم إِذا بذلوا الجزية، فان أبَواْ قوتِلوا، قاله مجاهد.
والثالث : أنها القرآن والدّعاء إلى الله تعالى بالآيات والحُجج. قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وهم الذين نصبوا الحرب وأبَواْ أن يؤدُّوا الجزية، فجادِلوا هؤلاء بالسيف حتى يُسْلِموا أو يُعطوا الجزية وَقُولُوا لِمَن أدَّى الجزية منهم إِذا أخبركم بشيء ممَّا في كتبهم آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الآية.
==================================================
391_ وقال النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ : «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ _تعالى_ الأَلَدُّ الخَصِمُ» [خ م]

شرح النووي على مسلم (16/ 219)
شَدِيدُ الْخُصُومَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ لَدِيدَيِ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ لِأَنَّهُ كُلَّمَا اُحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ أَخَذَ فِي جَانِبِ آخَرَ وَأَمَّا الْخَصِمُ فَهُوَ الْحَاذِقُ بِالْخُصُومَةِ وَالْمَذْمُومُ هُوَ الْخُصُومَةُ بِالْبَاطِلِ فِي رَفْعِ حق او اثبات بَاطِلٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/ 259)
قال المهلب: لما كان اللدد حاملاً على المطل بالحقوق والتعريج بها عن وجوهها، واللىّ بها عن مستحقيها وظلم أهلها؛ استحق فاعل ذلك بغضة الله وأليم عقابه.

Sofisme suatu sikap yang berpendapat bahwa kebenaran itu relatif adanya. Disebut demikian, karena yang pertama-tama mempraktikkannya adalah kaum sofis, nama suatu kelompok cendekiawan yang mahir berpidato pada zaman Yunani kuno. Mereka selalu berusaha memengaruhi khalayak ramai dengan argumentasi-argumentasi yang menyesatkan yang disampaikan melalui pidato-pidato mereka agar terkesan kehebatan mereka sebagai orator-orator ulung.

فتح الباري لابن حجر (13/ 349_353)
هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي يَبْغَضُهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ بِخُصُومَتِهِ مُدَافَعَةَ الْحَقِّ وَرَدَّهُ بِالْأَوْجُهِ الْفَاسِدَةِ وَالشُّبَهِ الْمُوهِمَةِ وَأَشَدُّ ذَلِكَ الْخُصُومَةُ فِي أُصُولِ الدِّينِ كَمَا يَقَعُ لِأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الطُّرُقِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَفُ أُمَّتِهِ إِلَى طُرُقٍ مُبْتَدَعَةٍ وَاصْطِلَاحَاتٍ مُخْتَرَعَةٍ وَقَوَانِينَ_____جَدَلِيَّةٍ وَأُمُورٍ صِنَاعِيَّةٍ،
مَدَارُ أَكْثَرِهَا عَلَى آرَاءٍ سُوفِسْطَائِيَّةٍ أَوْ مُنَاقَضَاتٍ لَفْظِيَّةٍ يَنْشَأُ بِسَبَبِهَا عَلَى الْآخِذِ فِيهَا شُبَهٌ رُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْهَا وَشُكُوكٌ يَذْهَبُ الْإِيمَانُ مَعَهَا،
وَأَحْسَنُهُمُ انْفِصَالًا عَنْهَا أَجَدْلُهُمْ لَا أَعْلَمُهُمْ! فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ بِفَسَادِ الشُّبْهَةِ لَا يَقْوَى عَلَى حَلِّهَا، وَكَمْ مِنْ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا لَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ عِلْمِهَا،
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ ارْتَكَبُوا أَنْوَاعًا مِنَ الْمُحَالِ لَا يَرْتَضِيهَا الْبُلْهُ وَلَا الْأَطْفَالُ لَمَّا بَحَثُوا عَنْ تَحَيُّزِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَلْوَانِ وَالْأَحْوَالِ،
فَأَخَذُوا فِيمَا أَمْسَكَ عَنْهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ كَيْفِيَّاتِ تَعَلُّقَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْدِيدِهَا وَاتِّحَادِهَا فِي نَفْسِهَا : وَهَلْ هِيَ الذَّاتُ أَوْ غَيْرُهَا # وَفِي الْكَلَامِ : هَلْ هُوَ مُتَّحِدٌ أَوْ مُنْقَسِمٌ، # وَعَلَى الثَّانِي: هَلْ يَنْقَسِمُ بِالنَّوْعِ أَوِ الْوَصْفِ، # وَكَيْفَ تَعَلَّقَ فِي الْأَزَلِ بِالْمَأْمُورِ مَعَ كَوْنِهِ حَادِثًا، # ثُمَّ إِذَا انْعَدَمَ الْمَأْمُورُ : هَلْ يَبْقَى التَّعَلُّقُ، وَهَلِ الْأَمْرُ لِزَيْدٍ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا هُوَ نَفْسُ الْأَمْرِ لِعَمْرٍو بِالزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ : مِمَّا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الشَّارِعُ، وَسَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ،
بَلْ نَهَوْا عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا لَعَلَّهُم بِأَنَّهُ بَحْثٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَا لَا تُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهُ بِالْعَقْلِ لِكَوْنِ الْعُقُولِ لَهَا حَدٌّ تَقِفُ عِنْدَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الذَّاتِ وَكَيْفِيَّةِ الصِّفَاتِ،
وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي هَذَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ حُجِبَ عَنْ كَيْفِيَّةِ نَفْسِهِ مَعَ وُجُودِهَا وَعَنْ كَيْفِيَّةِ إِدْرَاكِ مَا يُدْرِكُ بِهِ : فَهُوَ عَنْ إِدْرَاكِ غَيْرِهِ أَعْجَزُ.
وَغَايَةُ عِلْمِ الْعَالِمِ أَنْ يَقْطَعَ بِوُجُودِ فَاعِلٍ لِهَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ مُنَزَّهٍ عَنِ الشَّبِيهِ مُقَدَّسٍ عَنِ النَّظِيرِ مُتَّصِفٍ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ.
ثُمَّ مَتَى ثَبَتَ النَّقْلُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ قَبِلْنَاهُ وَاعْتَقَدْنَاهُ وَسَكَتْنَا عَمَّا عَدَاهُ كَمَا هُوَ طَرِيقُ السَّلَفِ، # وَمَا عَدَاهُ لَا يَأْمَنُ صَاحِبُهُ مِنَ الزَّلَلِ وَيَكْفِي فِي الرَّدْعِ عَنِ الْخَوْضِ فِي طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ : كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَخُوضُوا فِي الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ مَبَاحِثِ الْمُتَكَلِّمِينَ،
فَمَنْ رَغِبَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فَكَفَاهُ ضَلَالًا. قَالَ [يعني : القرطبي في المفهم]:
وَأَفْضَى الْكَلَامُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الشَّكِّ وَبِبَعْضِهِمْ إِلَى الْإِلْحَادِ وَبِبَعْضِهِمْ إِلَى التَّهَاوُنِ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ
# وَسَبَبُ ذَلِكَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْ نُصُوصِ الشَّارِعِ وَتَطَلُّبُهُمْ حَقَائِقَ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْعَقْلِ مَا يُدْرِكُ مَا فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ مِنَ الْحِكَمِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِهَا
# وَقَدْ رَجَعَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ حَتَّى جَاءَ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ :
"رَكِبْتُ الْبَحْرَ الْأَعْظَمَ وَغُصْتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فِرَارًا مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْآنَ فَقَدْ رَجَعْتُ وَاعْتَقَدْتُ مَذْهَبَ السَّلَفِ." هَذَا كَلَامُهُ أَوْ مَعْنَاهُ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ :
"يَا أَصْحَابَنَا لَا تَشْتَغِلُوا بِالْكَلَامِ. فَلَوْ عَرَفْتُ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِي مَا بَلَغْتُ، مَا تَشَاغَلْتُ بِهِ"،
إِلَى أَنْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ :
وَلَوْ لَمْ يكن فِي الْكَلَام الا مسئلتان ، هُمَا مِنْ مَبَادِئِهِ لَكَانَ حَقِيقًا بِالذَّمِّ :
إِحْدَاهُمَا : قَوْلُ بَعْضِهِمْ : (إِنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ الشَّكُّ إِذْ هُوَ اللَّازِمُ عَنْ وُجُوبِ النَّظَرِ أَوِ الْقَصْدِ إِلَى النَّظَرِ)،
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ رَكِبْتُ الْبَحْرَ،
ثَانِيَتُهُمَا : قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ : (إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِالطُّرُقِ الَّتِي رَتَّبُوهَا وَالْأَبْحَاثِ الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحَّ إِيمَانُهُ)
حَتَّى لَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْفِيرُ أَبِيكَ وَأَسْلَافَكَ وَجِيرَانَكَ، فَقَالَ : لَا تُشَنِّعُ عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْلِ النَّارِ،
قَالَ : وَقَدْ رَدَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِمَا عَلَى مَنْ قَالَ بِهِمَا بِطَرِيقٍ مِنَ الرَّدِّ النَّظَرِيِّ وَهُوَ خطا مِنْهُ فان الْقَائِل بالمسئلتين كَافِرٌ شَرْعًا لِجَعْلِهِ الشَّكَّ فِي اللَّهِ وَاجِبًا، وَمُعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ كُفَّارًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ!
وَإِلَّا فَلَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ ضَرُورِيٌّ!!
وَخَتَمَ الْقُرْطُبِيُّ كَلَامَهُ بِالِاعْتِذَارِ عَنْ إِطَالَةِ النَّفَسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِمَا شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ حَتَّى اغْتَرَّ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَغْمَارِ، فَوَجَبَ بَذْلُ النَّصِيحَةِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ انْتَهَى
وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ :
ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ بِالدَّلِيلِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ ضِدَّ الْمعرفَة النكرَة____وَالنَّكِرَةُ كُفْرٌ.
قَالَ :
وَأَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الِاعْتِقَادُ مُوَافِقًا لَكِنْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ صَاحِبَهُ مُؤْمِنٌ عَاصٍ بِتَرْكِ النَّظَرِ الْوَاجِبِ،
وَمِنْهُمْ مَنِ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ الْمُوَافِقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ دَلِيلٍ وَسَمَّاهُ عِلْمًا وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وُجُوبُ النَّظَرِ،
وَقَالَ غَيْرُهُ : مَنْ مَنَعَ التَّقْلِيدَ وَأَوْجَبَ الِاسْتِدْلَالَ لَمْ يُرِدِ التَّعَمُّقَ فِي طرق الْمُتَكَلِّمِينَ بَلِ اكْتَفَى بِمَا لَا يَخْلُو عَنْهُ مَنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَصْنُوعِ عَلَى الصَّانِعِ،
وَغَايَتُهُ : أَنَّهُ يَحْصُلُ فِي الذِّهْنِ مُقَدِّمَاتٌ ضَرُورِيَّةٌ تَتَأَلَّفُ تَأَلُّفًا صَحِيحًا وَتُنْتِجُ الْعِلْمَ، لَكِنَّهُ لَوْ سُئِلَ كَيْفَ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، مَا اهْتَدَى لِلتَّعْبِيرِ بِهِ.
وَقِيلَ الْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ : الْمَنْعُ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَقَدِ انْفَصَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقْلِيدِ أَخْذُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِثُبُوتِ النُّبُوَّةِ حَتَّى حَصَلَ لَهُ الْقَطْعُ بِهَا فَمَهْمَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَقْطُوعًا عِنْدَهُ بِصِدْقِهِ،
فَإِذَا اعْتَقَدَهُ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِقَوْلِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ!
وَهَذَا مُسْتَنَدُ السَّلَفِ قَاطِبَةً فِي الْأَخْذِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ :
فَآمَنُوا بِالْمُحْكَمِ مِنْ ذَلِكَ وَفَوَّضُوا أَمْرَ الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِمْ،
وَإِنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ إِنَّ مَذْهَبَ الْخَلَفِ أَحْكَمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتِ النُّبُوَّةَ فَيَحْتَاجُ مَنْ يُرِيدُ رُجُوعَهُ إِلَى الْحَقِّ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةَ إِلَى أَنْ يُذْعِنَ فَيُسَلِّمَ أَوْ يُعَانِدَ فَيَهْلِكَ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِ.
فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي أَصْلِ إِيمَانِهِ إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ سَبَبُ الْأَوَّلِ إِلَّا جَعْلُ الْأَصْلِ عَدَمَ الْإِيمَانِ فَلَزِمَ إِيجَابُ النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ!
وَإِلَّا فَطَرِيقُ السَّلَفِ أَسْهَلُ مِنْ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى مَا ذَكَرَ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
فَاخْتَلَطَ الْأَمْرُ عَلَى مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ!
وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِدْلَالَ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَمِّ التَّقْلِيدِ وَذَكَرُوا الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَمِّ التَّقْلِيدِ وَبِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ لَا يَدْرِي أَيُّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهَدْيُ وَبِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالدَّلِيلِ فَهُوَ دَعْوَى لَا يُعْمَلُ بِهَا،
وَبِأَنَّ الْعِلْمَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرُورَةٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ وَكُلَّ مَا لَمْ يَكُنْ عِلْمًا فَهُوَ جَهْلٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ ضَالٌّ!
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ :
أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ التَّقْلِيدِ أَخْذُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ حُكْمِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ اتِّبَاعَهُ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ وَلَيْسَ الْعَمَلُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ دَاخِلًا تَحْتَ التَّقْلِيدِ الْمَذْمُومِ اتِّفَاقًا،
وَأَمَّا مَنْ دُونِهِ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ فِي قَوْلٍ قَالَهُ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَقُلْ هُوَ بِهِ فَهُوَ الْمُقَلِّدُ الْمَذْمُومُ، بِخِلَافِ مَا لَوِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي خَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْدُوحًا.
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ أَيَّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهُدَى : فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ!
بَلْ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَطْمَئِنُّ نَفْسُهُ وَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لِلْإِسْلَامِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ.
فَالَّذِي ذَكَرُوهُ هُمْ أَهْلُ الشِّقِّ الثَّانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ النَّظَرُ لِيَقِيَ نَفْسَهُ النَّارَ لقَوْله تَعَالَى : ((قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا))،
وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنِ اسْتَرْشَدَهُ أَنْ يُرْشِدَهُ وَيُبَرْهِنَ لَهُ الْحَقَّ.
وَعَلَى هَذَا مَضَى السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ.
وَأَمَّا مَنِ اسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ إِلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَلَمْ تُنَازِعْهُ نَفْسُهُ إِلَى طَلَبِ دَلِيلٍ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ وَتَيْسِيرًا فَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ :
((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إليكم الْإِيمَان، وزينه فِي قُلُوبكُمْ)) الْآيَةَ.
وَقَالَ : ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يشْرَحْ صَدره لِلْإِسْلَامِ))، الْآيَةَ.
وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مُقَلِّدِينَ لِآبَائِهِمْ وَلَا لِرُؤَسَائِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَفَرَ آبَاؤُهُمْ أَوْ رُؤَسَاؤُهُمْ لَمْ يُتَابِعُوهُمْ، بَلْ يَجِدُونَ النُّفْرَةَ عَنْ كُلِّ مَنْ سَمِعُوا عَنْهُ مَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ،
وَأَمَّا الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فَإِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَنْ نُهُوا عَنِ اتِّبَاعِهِ، وَتَرَكُوا اتِّبَاعَ مَنْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِهِ.
وَإِنَّمَا كَلَّفَهُمُ اللَّهُ الْإِتْيَانَ بِبُرْهَانٍ عَلَى دَعْوَاهُمْ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَرِدْ قَطُّ أَنَّهُ أَسْقَطَ اتِّبَاعَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا___بِالْبُرْهَانِ.
وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَا بُرْهَانَ لَهُ أَصْلًا. وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْإِتْيَانُ بِالْبُرْهَانِ تَبْكِيتًا وَتَعْجِيزًا، وَأَمَّا مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَقَدِ اتَّبَعَ الْحَقَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ وَقَامَتِ الْبَرَاهِينُ عَلَى صِحَّتِهِ سَوَاءٌ عَلِمَ هُوَ بِتَوْجِيهِ ذَلِكَ الْبُرْهَانِ أَمْ لَا.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : (إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ وَأَمَرَ بِهِ) مُسَلَّمٌ!
لَكِنْ هُوَ فِعْلٌ حَسَنٌ مَنْدُوبٌ لِكُلِّ مَنْ أَطَاقَهُ، وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَى التَّصْدِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ!
وَقَالَ غَيْرُهُ :
قَوْلُ مَنْ قَالَ : (طَرِيقَةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ، وَطَرِيقَةُ الْخَلَفِ أَحْكَمُ)
لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ فِي ذَلِكَ! وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ!!
فَجَمَعَ هَذَا الْقَائِلُ بَيْنَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ وَالدَّعْوَى فِي طَرِيقَةِ الْخَلَفِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّ!!!
بَلِ السَّلَفُ فِي غَايَةِ الْمَعْرِفَةِ بِمَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَفِي غَايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ وَالْخُضُوعِ لِأَمْرِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمُرَادِهِ.
وَلَيْسَ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْخَلَفِ وَاثِقًا بِأَنَّ الَّذِي يَتَأَوَّلُهُ هُوَ الْمُرَادُ وَلَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ!
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْعِلْمِ، فَزَادُوا فِي التَّعْرِيفِ عَنْ ضَرُورَةٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ، وَتَعْرِيفُ الْعِلْمِ، انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الزِّيَادَةَ فَلْيَزْدَادُوا عَنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ وَخَلْقِهِ ذَلِكَ الْمُعْتَقِدِ فِي قَلْبِهِ وَإِلَّا فَالَّذِي زَادُوهُ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ!
وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ :
تَعَقَّبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ قَوْلَ مَنْ قَالَ : (إِنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَمْ يَعْتَنُوا بِإِيرَادِ دَلَائِلِ الْعَقْلِ فِي التَّوْحِيدِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِالتَّعْرِيفَاتِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ.
وَقَدْ قَبِلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنُوهُ فَدَوَّنُوهُ فِي كُتُبِهِمْ. فَكَذَلِكَ عِلْمُ الْكَلَامِ وَيَمْتَازُ عِلْمُ الْكَلَامِ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الرَّدَّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَبِهِ تَزُولُ الشُّبْهَةُ عَنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَيَثْبُتُ الْيَقِينُ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَقَدْ عَلِمَ الْكُلُّ أَنَّ الْكِتَابَ لَمْ تعلم حقيته وَالنَّبِيُّ لَمْ يَثْبُتْ صِدْقُهُ إِلَّا بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ)
وَأَجَابَ :
أَمَّا أَوَّلًا : فَإِنَّ الشَّارِعَ وَالسَّلَفَ الصَّالِحَ نَهَوْا عَنِ الِابْتِدَاعِ وَأَمَرُوا بِالِاتِّبَاعِ! وَصَحَّ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَعَدُّوهُ ذَرِيعَةً لِلشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ.
وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ النَّهْيُ عَنْهَا إِلَّا مَنْ تَرَكَ النَّصَّ الصَّحِيحَ وَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْقِيَاسَ وَأَمَّا مَنِ اتَّبَعَ النَّصَّ وَقَاسَ عَلَيْهِ فَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ إِنْكَارُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ فِي الْمُعَامَلَاتِ لَا تَنْقَضِي، وَبِالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ!
فَمِنْ ثَمَّ تَوَارَدُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ عِلْمِ الْكَلَامِ!!
وَأَمَّا ثَانِيًا : فَإِنَّ الدِّينَ كَمُلَ لِقَوْلِهِ _تَعَالَى_ :
((الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ))،
فَإِذَا كَانَ أَكْمَلَهُ وَأَتَمَّهُ وَتَلَقَّاهُ الصَّحَابَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَقَدَهُ مَنْ تَلَقَّى عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ، فَأَيُّ حَاجَةٍ بِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الْعُقُولِ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَضَايَاهَا وَجَعْلِهَا أَصْلًا! وَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تُعْرَضُ عَلَيْهَا!!
فَتَارَةً يُعْمَلُ بِمَضْمُونِهَا وَتَارَةً تُحَرَّفُ عَنْ مَوَاضِعِهَا لِتُوَافِقُ الْعُقُولَ!!!
وَإِذَا كَانَ الدِّينُ قَدْ كَمُلَ فَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِيهِ إِلَّا نُقْصَانًا فِي الْمَعْنَى، مِثْلَ زِيَادَةِ أُصْبُعٍ فِي الْيَدِ فَإِنَّهَا تُنْقِصُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَوَسَّطَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ : لَا يَكْفِي التَّقْلِيدُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يَنْشَرِحُ بِهِ الصَّدْرُ وَتَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ الْعِلْمِيَّةُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الصِّنَاعَةِ الْكَلَامِيَّةِ، بَلْ يَكْفِي فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ فَهْمُهُ، انْتَهَى.
وَالَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تَقْلِيدِ النُّصُوصِ كَافٍ فِي هَذَا الْقَدْرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ :
الْمَطْلُوبُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ : التَّصْدِيقُ الْجَزْمِيُّ! الَّذِي لَا رَيْبَ مَعَهُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى والايمان برسله وَبِمَا جاؤوا بِهِ، كَيْفَمَا حَصَلَ، وَبِأَيِّ طَرِيقٍ إِلَيْهِ يُوَصِّلُ وَلَوْ كَانَ عَنْ تَقْلِيدٍ مَحْضٍ، إِذَا سَلِمَ مِنَ التَّزَلْزُلِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ :
("هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ وَبِمَا تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الصَّحَابَة انهم حَكَمُوا بِإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جُفَاةِ الْعَرَبِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ فَقَبِلُوا مِنْهُمُ الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْتِزَامَ أَحْكَامِ______الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ بِتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنَّمَا أَسْلَمَ لِوُجُودِ دَلِيلٍ مَا فَأَسْلَمَ بِسَبَبِ وُضُوحِهِ لَهُ.
فَالْكَثِيرُ مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا طَوْعًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ اسْتِدْلَالٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ وَيَنْتَصِرُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ.
فَلَمَّا ظَهَرَتْ لَهُمُ الْعَلَامَاتُ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَادَرُوا إِلَى الْإِسْلَام وَصَدقُوهُ فِي كل شَيْءٍ قَالَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يُؤْذَنُ لَهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى مَعَاشِهِ مِنْ رِعَايَةِ الْغَنَمِ وَغَيْرِهَا وَكَانَتْ أَنْوَارُ النُّبُوَّةِ وَبَرَكَاتُهَا تَشْمَلُهُمْ. فَلَا يَزَالُونَ يَزْدَادُونَ إِيمَانًا وَيَقِينًا")
وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ أَيْضًا، مَا مُلَخَّصِهِ :
(إِنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُ شَيْئًا وَلَا حَظَّ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِحُكْمٍ مَا وَجَبَ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا))
وَقَوْلِهِ : ((لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بعد الرُّسُل))، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ دَعْوَةَ رُسُلِ اللَّهِ _عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ_ إِنَّمَا كَانَتْ لِبَيَانِ الْفُرُوعِ : لَزِمَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْعَقْلَ هُوَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ دُونَ الرَّسُولِ، وَيَلْزَمُهُ أَنَّ وُجُودَ الرَّسُولِ وَعَدَمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ سَوَاءٌ! وَكَفَى بِهَذَا ضَلَالًا!!
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْعَقْلَ يُرْشِدُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِنَّمَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِإِيجَابِ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِحَّ إِسْلَامٌ إِلَّا بِطَرِيقِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السَّمْعِيَّاتِ لِكَوْنِ ذَلِكَ خِلَافَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي تَوَاتَرَتْ وَلَو بِالطَّرِيقِ المعنوى وَلَو كَانَ كَمَا يَقُولُ أُولَئِكَ لَبَطَلَتِ السَّمْعِيَّاتُ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا أَوْ أَكْثَرِهَا بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِمَا ثَبَتَ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ فَإِنْ عَقَلْنَاهُ فَبِتَوْفِيقِ الله والا اكتفينا باعتقاد حقيته عَلَى وَفْقِ مُرَادِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى انْتَهَى وَيُؤَيِّدُ كَلَامَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْ نَدَعَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى قَالَ نَعَمْ فَأَسْلَمَ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا أَنْتَ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ قُلْتُ آللَّهُ أَرْسَلَكَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ بِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ أُوَحِّدُ اللَّهَ لَا أُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا الْحَدِيثَ وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِهِ الَّذِي قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثِ الْمِقْدَادِ فِي مَعْنَاهُ وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَفِي كَتَبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ وَكِسْرَى وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ فِي دُعَائِهِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَيُصَدِّقُوهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْهُ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبِلَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ إِذْعَانُهُ عَنْ تَقَدُّمِ نَظَرٍ أَمْ لَا وَمَنْ تَوَقَّفَ مِنْهُمْ نَبَّهَهُ حِينَئِذٍ عَلَى النَّظَرِ أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ إِلَى أَنْ يُذْعِنَ أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى عِنَادِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ سَلَكَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَالِ بِمُعْجِزَاتِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي وُجُوبِ قَبُولِ مَا دَعَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَعَ إِيمَانُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلرُّسُلِ
================================================

وروى رَجَاءٌ _أَبُو يَحْيَى صاحب السَقَطِ، وهو لين_، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ : «مَنْ جَادَلَ فِي خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ»

شرح الحديث :

ورد بمعناه في حديث ابن عمر مرفوعا :
«...وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» د _ صحيح : الصحيحة 437

جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (3/ 1254)
فإذا كان الرجلُ ذا قدرةٍ عند الخصومة - سواء كانت خصومتُه في الدِّين أو في الدنيا - على أنْ ينتصر للباطل، ويُخيل للسَّامع أنَّه حقٌّ، ويوهن الحقَّ، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك مِنْ أقبحِ المحرَّمات، ومن أخبث خصال النفاق، وفي
" سنن أبي داود " (2) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((مَنْ خَاصَمَ في باطلٍ وهو يعلَمُهُ لم يَزَلْ في سَخَطِ الله حتى يَنزِعَ)) .
=================================================

393_ وروى حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجَدَلَ»،
ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ:
{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] (ت)

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد (1/ 239)
وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به وهو لا يطلبه ليعمل به، وقال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام، وفي الحديث: ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أعطوا الجدل ثم قرأ: ماضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون، وفي قوله عزّ وجل: (فأمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) آل عمران: 7، الآية
هم أهل الجدل الذين عنى الله تعالى فاحذروهم،
وعن بعض السلف: يكون في آخر الزمان علماء يغلق عنهم باب العمل ويفتح عليهم باب الجدل، وفي بعض الأخبار: إنكم في زمان ألهمتم فيه العلم وسيأتي قوم يلهمون الجدل، وعن ابن مسعود: أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ويأتي بعدكم زمان خيركم فيه المتبين يعني الآن لبيان الحق واليقين في القرن الأول وبعد ذلك في زماننا هذا لكثرة الشبهات والالبتاس ودخول المحدثات مداخل الليل في السير، فأشكل الأمر إلا على الفرد الذي يعرف طرائق السلف فيجتنب الحدث كله.
وروينا عن بعض العلماء: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبدسوءًا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل،

عون المعبود وحاشية ابن القيم (12/ 231)
أَرَادَ الْخَوْضَ فِيهِ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ أَوْ قَدِيمٌ أَوِ الْمُجَادَلَةَ فِي الْآيِ الْمُتَشَابِهَةِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْجُحُودِ فَسَمَّاهُ كُفْرًا بِاسْمِ مَا يخاف عاقبته انتهى
وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمِرَاءُ الْجِدَالُ وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ وَيُقَالُ لِلْمُنَاظَرَةِ مُمَارَاةٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ وَيَمْتَرِيهِ كَمَا يَمْتَرِي الْحَالِبُ اللَّبَنَ مِنَ الضَّرْعِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَيْسَ وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّأْوِيلِ وَلَكِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عَلَى حَرْفٍ فَيَقُولَ الْآخَرُ لَيْسَ هُوَ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِهِ وَكِلَاهُمَا مُنَزَّلٌ مَقْرُوءٌ بِهِ فَإِذَا جَحَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِرَاءَةَ صَاحِبِهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهُ نَفَى حَرْفًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ
وَقِيلَ إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقَدَرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَبْوَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ ظُهُورَ الْحَقِّ لِيُتَّبَعَ دُونَ الْغَلَبَةِ وَالتَّعْجِيزِ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ أَنْ يَرُومَ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لِيَدْفَعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمُتَخَالِفِينَ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَلْيَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ هُوَ الْمُجَادَلَةُ فِيهِ وَإِنْكَارُ بَعْضِهَا انْتَهَى

=================================================

394_ ويروى عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ((إن أخوف ما أخاف على أمتي: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطّع أعناقكم))
وراه يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر -رضي الله عنه-

شرح الحديث :

جامع الأحاديث (7/ 155، بترقيم الشاملة آليا) للسيوطي في تخريج الحديث :
أبو نصر السجزى فى الإبانة عن ابن عمر

 تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (1/ 195)
قال الدارقطني وقد وقفه شعبة عن عمرو بن مرة يعني على معاذ قال والوقف هو الصحيح

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد (1/ 295)
وكان بعض السلف يقول: مثل العالم إذا زل مثل سفينة إذا غرقت غرق معها خلق كثير ومثل كسوف الشمس يصيح الناس يا غافلون الصلاة وإنها عند العامة آية يفزع منها.
ويروى في خبر غريب: من غشّ أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين قيل: يا رسول وما غشّ أمتك؟ قال: أن يبتدع بدعة في الإسلام يحمل الناس عليها، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول ويل للعالم من الأتباع وويل للأتباع من العالم يزل العالم بزلة فيتبعه عليها فئام من الناس وتبلغ الآفاق وما أعلم أحداً أعظم جرماً ممن ابتدع في دين الله عزّ وجلّ فنطق في كتاب الله تعالى وفي علم المعرفة بما لم يأذن به الله ثم لم يعبأ بسنن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو حجة الله تعالى على جميع خلقه وطريق مقربيه من عباده فأضل بذلك عباد الله عزّ وجلّ فإن مثل من ابتدع في الدين واتخذ وليجة دون الكتاب والسنّة وبين طريق المؤمنين إلى جنب من يكاثر في أمور الدنيا وارتكب فيها شهوات الأهواء كمثل من اجترح المظالم بين الناس في الأموال والدماء إلى جنب من ظلم نفسه بكسب الذنوب بينه وبين ربه، إن مظالم العباد أعظم وهو الديوان الذي لا يترك، كذلك التمويه في الدين أعظم لأنه مظالم الآخرة وقطع طرقات المؤمنين ومحو شريعة المرسلين، ومثله أيضاً مثل من أذنب وجحد ذنبه واحتج لنفسه إلى من أذنب واعترف بذنبه واعتذر من نفسه فهو أقرب للعفو وأرجى للرحمة من الآخر، كذلك من اعتلّ بالتقصير والتفريط في العمل ولم ينصح لنفسه إلا أنه أظهر حقيقة العلم ونصح لله تعالى ولرسوله ببيان كتابه وذكر سنته أقرب إلى حسن الإخلاص وأولى بالتدارك في العافية ممن شرع في دين الله تعالى وابتدع في الأمة ما يخالف به الكتاب والسنّة، هكذا كأنه قد قلب ملة وبدل شريعة، فهذا يولد النفاق في قلبه حتى يختم له به ومثل من ابتدع في الملة مخالفاً للسّنة إلى من أساء إلى نفسه بالذنوب مثل من عصى الملك في قلب دولته وتظاهر عليه في ملكه بالإزالة إلى جنب من عصى أمره وقصر في حقه من الرعية، وقد قال بعض الحكماء: ثلاث لا يحسن من الملك أن يغفرها، من قلب دولة من رعيته، أو عمل فيما يوهن الملك، أو أفسد حرمة من حرمه.
=============================================

395_ قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» [د : صحيح ]

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (15/ 136)
وَأَنه لَا يَنْبَغِي أَن يَقُول أحد لبَعض الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ هَكَذَا، وَلَا يُقَال: إِن بعض الْقُرْآن خير من بعض. قَوْله: (إِلَى سَبْعَة أحرف) أَي: سَبْعَة لُغَات من لُغَة الْعَرَب، يَعْنِي: أَنَّهَا مفرقة فِي الْقُرْآن، فبعضه بلغَة قُرَيْش، وَبَعضه بلغَة هُذَيْل، وَبَعضه بلغَة هوَازن، وَبَعضه بلغَة الْيمن، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يكون فِي الْحَرْف الْوَاحِد سَبْعَة أوجه،

معالم السنن (4/ 297)
قال الشيخ: اختلف الناس في تأويله فقال بعضهم معنى المراء هنا الشك فيه كقوله {فلا تك في مرية منه} [هود: 17] أي في شك، ويقال بل المراء هو الجدال المشكك فيه.
وتأوله بعضهم على المراء في قرآنه دون تأويله ومعانيه مثل أن يقول قائل هذا قرآن قد أنزله الله تبارك وتعالى، ويقول الآخر لم ينزل الله هكذا فيكفر به من أنكره، وقد أنزل سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شاف كاف فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضاً يقرؤها وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به إذ كان القرآن منزلاً على سبعة أحرف وكلها قرآن منزل يجوز قراءته ويجب علينا الإيمان به.
وقال بعضهم إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن في الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل وعلى معنى ما يجري من الخوض بينهم فيها دون ما كان منها في الأحكام وأبواب التحليل والتحريم والحظر والإباحة فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنازعوها فيما بينهم وتحاجوا بها عند اختلافهم في الأحكام ولم يتحرجوا عن التناظر بها وفيها. وقد قال سبحانه {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] فعلم أن النهي منصرف إلى غير هذا الوجه والله أعلم.
==============================================

396_ وعن ابْنِ عُمَرَ عن النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قال :
«مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْه)) [د : صحيح]

وفي لفظ : ((فقد باء بغضب من الله)) أخرجه أبو داود
==================================================

397_ ويروى عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "إن أخْوَف ما أخاف على أمتي : كلُّ منافقٍ عليمِ اللسان". [حم]

==================================================

398_ وعَنِه _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ: «الحَيَاءُ وَالعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، # وَالبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» [ت]
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ.
وَالعِيُّ : قِلَّةُ الكَلَامِ، وَالبَذَاءُ: هُوَ الفُحْشُ فِي الكَلَامِ، وَالبَيَانُ: هُوَ كَثْرَةُ الكَلَامِ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الخُطَبَاءِ الَّذِينَ يَخْطُبُونَ فَيُوَسِّعُونَ فِي الكَلَامِ وَيَتَفَصَّحُونَ فِيهِ مِنْ مَدْحِ النَّاسِ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (14/ 896)
6884 :
قلت: وهذا موضوع، ورجاله ثقات؛ غير العكاشي هذا، فقد أجمعوا على تضعيفه؛ بل قال فيه ابن معين وأبو حاتم:
" كذاب ". وقال ابن حبان (2/ 277) :
" شيخ يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه ". وقال الدارقطني في " سؤالات البرقاني " له (62/ 459) :
" متروك يضع ".
==================================================

أولاً : ينبغي التعريف بالفلسفة ، وأهم مبادئها قبل بيان حكم تعلمها ؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره .
قال الغزالي في الإحياء (1/22) : " وأما الفلسفة فليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء :
 أحدها : الهندسة والحساب ، وهما مباحان كما سبق ، ولا يُمنع عنهما إلا من يخاف عليه أن يتجاوز بهما إلى علوم مذمومة ، فإن أكثر الممارسين لهما قد خرجوا منهما إلى البدع ، فيصان الضعيف عنهما .
الثاني : المنطق ، وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه وهما داخلان في علم الكلام .
الثالث : الإلهيات وهو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته ، وهو داخل في الكلام أيضا ، والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم ، بل انفردوا بمذاهب بعضها كفر وبعضها بدعة .
 الرابع : الطبيعيات ، وبعضها مخالف للشرع والدين والحق ، فهو جهل وليس بعلم حتى نورده في أقسام العلوم . وبعضها بحث عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها ، وهو شبيه بنظر الأطباء إلا أن الطبيب ينظر في بدن الإنسان على الخصوص من حيث يمرض ويصح ، وهم ينظرون في جميع الأجسام من حيث تتغير وتتحرك ولكن للطب فضل عليه وهو أنه محتاج إليه .  وأما علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها " انتهى مختصرا.

وجاء في "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة" (2/1118- 1121) :
" الفسلفة:  كلمة يونانية مركبة من كلمتين "فيلا" بمعنى الإيثار وجعلها فيثاغورس بمعنى محبة ، و"سوفيا" ومعناها الحكمة. والفيلسوف مشتق من الفلسفة بمعنى "مؤثر الحكمة" إلا أن المصطلح تطور وأصبح يعني الحكمة.
ومن ثم أصبح يطلق على الفيلسوف الحكيم . وقد أطلقت الفلسفة قديماً على دراسة المبادئ الأولى ، وتفسير المعرفة عقلياً ، وكانت الغاية منها عند أصحابها البحث عن الحقيقة . والفلسفة عند أنصارها كما يعرفها د. توفيق الطويل هي "النظر العقلي المتحرر من كل قيد وسلطة تفرض عليه من الخارج ، وقدرته على مسايرة منطقه إلى أقصى آحاده، وإذاعة آرائه بالغاً ما بلغ وجه التباين بينها وبين أوضاع العرف ، وعقائد الدين ، ومقتضيات التقاليد ، من غير أن تتصدى لمقاومتها أو التنكيل بها سلطة ما ". والفيلسوف عند أرسطو أعلى درجة من النبي؛ لأنه النبي يدرك عن طريق المخيلة ، بينما الفيلسوف يدرك عن طريق العقل والتأمل. والمخيلة عندهم درجة أدنى من التأمل ، وقد تابع الفارابي أرسطو في جعل الفيلسوف فوق النبي .
الفلسفة بهذا التعريف تصادم الحكمة التي تعني في المصطلح الإسلامي السنة كما هو تعريف أكثر المحدثين والفقهاء ، وبمعنى القضاء والعلم والإتقان ، مع ضبط الأخلاق والتحكم في أهواء النفس وكفها عن المحارم . والحكيم من يتصف بهذه الصفات ، ولذلك فهي بهذا المعنى الفلسفي من أخطر الطواغيت وأشدها شراسة في محاربة الإيمان والأديان مستخدمة المنطق الذي يسهل تلبيسها على الناس باسم العقل والتأويل والمجاز الذي يحرف به النصوص.
يقول الإمام الشافعي : "ما جهل الناس واختلفوا إلا بتركهم مصطلح العرب وأخذهم بمصطلح أرسطو طاليس ". وعلى الرغم من وجود الفلسفات في الحضارات المصرية والهندية والفارسية القديمة، لكنها اشتهرت في بلاد اليونان بل وأصبحت مقترنة بها ، وما ذلك إلا لاهتمام فلاسفة اليونان بنقلها من تراث الشعوب الوثنية وبقايا الديانات السماوية مستفيدين من صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام بعد انتصار اليونانيين على العبرانيين بعد السبي البابلي، وبما استفادوه من دين لقمان الحكيم ، فجاءت خليطاً من نزعات التأليه وإثبات ربوبية الخالق جل وعلا ، مشوبة بالوثنية ، وعلى ذلك فإن الفلسفة اليونانية إحياءً أكثر منها اختراعاً...
ويلخص ابن أبي العز شارح الطحاوية مذهب الفلاسفة في خمسة أصول للدين عندهم فيما يلي:
أن الله سبحانه وتعالى موجود لا حقيقة له ولا ماهية ، ولا يعلم الجزئيات بأعيانها ولكنه يعلمها إجماليا ، وبالتالي أنكروا خلق أفعال عباده . كما ولا يؤمنون بكتبه حيث إن الله عندهم لا يتكلم ولا يكلم ، وأن القرآن فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زكي النفس طاهر ، تعالى الله عن وصفهم علوا كبيرا ، ليست ذوات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب ؛ إنما هي عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان . والفلاسفة أشد الناس إنكارا لليوم الآخر وأحداثه ،  وما الجنة والنار عندهم إلا أمثال مضروبة لتفهيم العوام ولا حقيقة لها في الخارج .
ولا زالت للفلسفة اليونانية روافد في كافة الفلسفات والدعوات الغربية القديمة والحديثة، بل وتأثرت بها معظم الفرق الإسلامية الكلامية، ولم يظهر مصطلح الفلسفة الإسلامية كمنهج علمي يدرس ضمن مناهج العلوم الشرعية إلا على يد الشيخ مصطفى عبد الرزاق – شيخ الأزهر- كردة فعل للهجوم الغربي على الإسلام بحجة أنه يخلو من الفلسفة. والحق أن الفلسفة جسم غريب داخل كيان الإسلام، فليس في الإسلام فلسفة ، ولا بين المسلمين فلاسفة بهذا المعنى المنحرف، وإنما في الإسلام علم محقق وعلماء محققون، ومن أشهر الفلاسفة المنتسبين للإسلام: الكندي، الفارابي، ابن سينا، وابن رشد  " انتهى باختصار.

ثانيا :
صرح جهور الفقهاء بتحريم تعلم الفلسفة ، ومن كلامهم في ذلك :
1_ قال ابن نجيم (حنفي) في "الأشباه والنظائر" : " تعلم العلم يكون فرض عين , وهو بقدر ما يحتاج إليه لدينه . وفرض كفاية , وهو ما زاد عليه لنفع غيره . ومندوبا , وهو التبحر في الفقه وعلم القلب . وحراما , وهو علم الفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلم الطبيعيين والسحر " انتهى من "الاشباه والنظائر مع شرحها: غمز عيون البصائر للحموي" (4/125).
2_ وقال الدردير (مالكي) في "الشرح الكبير" في بيان العلم الذي هو فرض كفاية: " : " ( كالقيام بعلوم الشرع ) غير العيني , وهي الفقه والتفسير والحديث والعقائد , وما توقفت عليه من نحو وتصريف ومعان وبيان وحساب وأصول ، لا فلسفة , وهيئة , ولا منطق على الأصح ".
قال الدسوقي في حاشيته (2/174) : " ( قوله : على الأصح ) فقد نهى عن قراءته الباجي وابن العربي وعياض ، خلافا لمن قال بوجوب تعلمه لتوقف العقائد عليه وتوقف إقامة الدين عليها . ورد ذلك الغزالي بأنه ليس عند المتكلم من عقائد الدين إلا العقيدة التي يشارك فيها العوام وإنما يتميز عنهم بصفة المجادلة " انتهى .
3_ وقال زكريا الانصاري (شافعي) في "أسنى المطالب" (4/182) : " ( وأما علم ) أي تعلم علم ( الفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلم الطبائعيين والسحر فحرام ) " انتهى .

4_ وقال البهوتي (حنبلي) في "كشاف القناع" (3/34) : " وعكس العلوم الشرعية علوم محرمة أو مكروهة ، فالمحرمة كعلم الكلام ) إذا تكلم فيه بالمعقول المحض , أو المخالف للمنقول الصريح الصحيح . فإن تكلم فيه بالنقل فقط , أو بالنقل والعقل الموافق له , فهو أصل الدين وطريقة أهل السنة ، وهذا معنى كلام الشيخ تقي الدين , وفي حاشيته : ما فيه كفاية في ذلك . ( و ) كعلم ( الفلسفة والشعبذة والتنجيم , والضرب بالرمل والشعير , وبالحصى , و ) كعلم ( الكيمياء , وعلوم الطبائعيين )" انتهى .
وينبغي أن يستثنى من التحريم دراستها لأهل الاختصاص ؛ لبيان ما فيها من الانحراف ، والرد على ما تثيره من الباطل .
______________________

علم الكلام لقب عرفي يصدق على كل من قرر العقيدة بغير طريقة المرسلين ، وهم فرق كثيرة ولكن لهم علامات مشتركة ، فكما تعرف السلفي بحبه للسلف وتعظيمه للنصوص وتقديمها على كل شيء فإنك تعرف المتكلم بتعظيم الفلاسفة (الحكماء) ، وتقديم العقل على النص ، وجهله بالأحاديث والآثار وغربة لغته عن لغة السلف فكلماته غير قرآنية ولاحديثيه بل هي من إرث الأمم الأولى ؛ كالجوهر والعرض والأبعاض والأعراض والأغراض وحلول الحوادث والخلاء والتحيز وغير ذلك مما تطفح به كتبهم !
قال الإمام اللالكائي- رحمه الله - :
"
وروى نوح الجامع ،قال: قلت لأبي حنيفة رحمه الله ما تقول فيما أحدث الناس من كلام في الأعراض والأجسام؟
فقال : مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف ،وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة"
وفي الجزء الثالث من « أخبارِ القضاة » لوكيع بن خلف في ترجمة القاضي أبي يوسف يعقوبَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريُّ صاحبِ أبي حنيفة ما نصه : قال أبُو يوسف : العلم بالكلام جهل ، ومن طلب العلم به تزندقَ ، ومن طلب المال بالكيمياء أفتقَرَ ، ومن طلب الحديث بالغرائب كذَبَ " ا.هـ منه بلفظه .
ويقول ابن خويز منداد من المالكية: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها. [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/96)]

وقد ذكر الذهبي - رحمه الله - في ترجمة الإمام الشافعي - رحمه الله - جملة نصوص تدل بوضوح على موقفه من علم الكلام ؛ فمن ذلك :-
1_ لو علم الناس مافي الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد !
2_ ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح !
3_ والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم خير له من أن يتكلم فيقال : زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !!
4_ وقال ياربيع اقبل مني ثلاثا : لاتخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا ، ولاتشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم ! ولاتشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل !
5_ وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال : سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله !
6_ وقال : حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ !
7_ وقال : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر ؛ ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام !
8_ وقال : مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي : لعل هذا متواتر عن الإمام !
9_ وقال المزني : كان الشافعي ينهى عن علم الكلام . وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه !
10_ وقال الشافعي : لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم !
11_ وقال : ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرة وأنا أستغفر الله من ذلك !"

وقال السيوطي في كتابه صون المنطق ص 15 أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال :
" ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاليس "

ونقل الذهبي - رحمه الله - : كان الشافعي بعد أن ناظر حفصا الفرد يكره الكلام ، وكان يقول : والله لأن يفتي العالم ، فيقال : أخطأ العالم خير له [ ص: 19 ] من أن يتكلم فيقال : زنديق ، وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله .
قلت : هذا دال على أن مذهب أبي عبد الله أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في الاجتهاد في الفروع ". سير أعلام النبلاء (10/ )

و الإمام الشافعي - رحمه الله - عند تحذيره من الكلام يؤكد بشاعة الخطأ فيه لمايلزم من الخطأ في مسائله من التضليل أو التكفير بخلاف الخطأ في أمور الفقه فإنه لايبلغ ذلك.
وتأمل تعليق الإمام الذهبي على تفريقه بين الخطأين بقوله :" قلت : هذا دال على أن مذهب أبي عبد الله أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في الاجتهاد في الفروع

قال أبو المظفر السمعاني في كتابه الانتصار لأصحاب الحديث :
"فلا ينبغي لأحد أن ينصر مذهبه في الفروع ثم يرغب عن طريقته في الأصول". نقله السيوطي في صون المنطق ص150
ومن تتبع كلام الأئمة وجد لذلك نظائر كثيرة ولعل فيها عبرة لمن ينتسب إليهم في الفروع ثم يخالفهم في الأصول !!

وقد نص الإمام أحمد على أن :
"من خاض في علم الكلام لايعتبر من أهل السنة وإن أصاب بكلامه السنة حتى يدع الجدل ويسلم للنصوص" فلم يشترطوا موافقة السنة فحسب بل التلقي والاستمداد منها .
قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - "فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه ، لا يكون صاحبه و إن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة حتى يدع الجدال ويسلم ويؤمن بالآثار ." رسالة أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل

فمن تلقى من السنة فهو من أهلها وإن أخطأ ومن تلقى من غيرها فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.
فعلم العقيدة عند أهل الحديث والأثر مستمد في مسائله وتقريرها من الوحيين الكتاب والسنة وبيان نهج أئمة الأمة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في تعاملهم مع مسائل الاعتقاد
ومثاله أول أحاديث الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه بعد المقدمة فقد افتتح بكتاب الإيمان وذكر حديث ابن عمر رضي الله عنه في البراءة من القدرية مستشهدا بحديث جبريل عليه السلام في بيان مراتب الدين
ومنهج علم العقيدة بهذا المعنى هو الأصل في تقرير مسائل العقيدة وأصول الإيمان.


وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري(13/ باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى) : عن الإمام القرطبي رحمه الله في المفهم : في شرح حديث أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم الذي تقدم شرحه في أثناء " كتاب الأحكام " وهو في أوائل " كتاب العلم " من صحيح مسلم ، :
((هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة ، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين ، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسلف أمته ، إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية مدار أكثرها على آراء سوفسطائية ، أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها ، وشكوك يذهب الإيمان معها ، وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم لا أعلمهم ، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها ، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال ، لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال ، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها ، وهل هي الذات أو غيرها؟ وفي الكلام : هل هو متحد أو منقسم ؟
وعلى الثاني : هل ينقسم بالنوع أو الوصف؟ ، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثا؟ ، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق؟ ، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم ، بل نهوا عن الخوض فيها لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل ؛ لكون العقول لها حد تقف عنده ، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات ، ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها ، وعن كيفية إدراك ما يدرك به فهو عن إدراك غيره أعجز ، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزه عن الشبيه مقدس عن النظير متصف بصفات الكمال ، ثم متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه ، كما هو طريق السلف ، وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل ، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعي ، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعرض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين ، فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالا .
قال : وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك ، وببعضهم إلى الإلحاد وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات ، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره ، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها ، وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم ، حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال " ركبت البحر الأعظم ، وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد والآن فقد رجعت [ ص: 363 ] واعتقدت مذهب السلف " هذا كلامه أو معناه وعنه أنه قال عند موته " يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به ، إلى أن قال القرطبي : ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقا بالذم : إحداهما قول بعضهم إن أول واجب الشك إذ هو اللازم عن وجوب النظر أو القصد إلى النظر ، وإليه أشار الإمام بقوله : ركبت البحر . ثانيتهما قول جماعة منهم إن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه ، حتى لقد أورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك ، فقال لا تشنع علي بكثرة أهل النار ، قال وقد رد بعض من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطأ منه ، فإن القائل بالمسألتين كافر شرعا ، لجعله الشك في الله واجبا ، ومعظم المسلمين كفارا حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة ، وإلا فلا يوجد في الشرعيات ضروري ، وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن إطالة النفس في هذا الموضع لما شاع بين الناس من هذه البدعة حتى اغتر بها كثير من الأغمار فوجب بذل النصيحة ، والله يهدي من يشاء انتهى ".

وقال الحافظ ابن حجر : "وقال أبو المظفر بن السمعاني تعقب بعض أهل الكلام قول من قال : إن السلف من الصحابة والتابعين لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في أحكام الحوادث وقد قبل الفقهاء ذلك واستحسنوه فدونوه في كتبهم ، فكذلك علم الكلام ، ويمتاز علم الكلام بأنه يتضمن الرد على الملحدين وأهل الأهواء ، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ ويثبت اليقين لأهل الحق ، وقد علم الكل أن الكتاب لم تعلم حقيقته ، والنبي لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقل ، وأجاب : أما أولا فإن الشارع والسلف الصالح نهوا عن الابتداع وأمروا بالاتباع ، وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب" .فتح الباري

ومن العجيب أن أتباع هؤلاء الأئمة يحتجون بأقوال الأئمة المتبوعين الذين يحتج بكلامهم،، وربما قدمه البعض منهم عَلَى أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفروع، أو في المعاملات ونحو ذلك، فإذا جَاءَ إِلَى علم أصول الدين الذي هو أجل وأشرف من الفروع رمى بما قاله إمامه، وما ثبت عن السلف ، واتبع كلام علماء الكلام، ولذلك ظهرت ازدواجية ثلاثية فتجد أحدهم على عقيدة الأشعري ، وفقه مالك وطريقة نمير فنقول: إن كنتم صادقين أنكم تتبعون مالكاً والشَّافِعِيّ وأبا حنيفة فهذا كلامهم في أصول الدين وهو أعظم من الفروع، وهذا منهجهم في العقيدة عَلَى عقيدة السلف إلا فيما ندر من بعض المسائل


رجوع الغزالي والرازي والجويني والشهرستاني عن علم الكلام:

قال الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه إحياء علو الدين "
وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة, فإن ما يشوشه الجدل أكثر مما يمهده , وما يفسده أكثر مما يصلحه, بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها وربما يفتتها ذلك ويفسدها وهو الأغلب .
والمشاهدة تكفيك في هذا بيانا فناهيك بالعيان برهانا .
فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق, وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الرياح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليدا كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدا ...
ثم الصبي إذا وقع نشوه على هذه العقيدة إن اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له غيرها ولكنه يسلم في الآخرة باعتقاد أهل الحق إذ لم يكلف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد فأما البحث والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوه أصلا .

فإن قلت تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم أو هومباح أو مندوب إليه ؟!

فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف فمن قائل إنه بدعة أو حرام وأن العبد إن لقي الله عز وجل بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام ومن قائل إنه واجب وفرض إما على الكفاية أو على الأعيان وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله تعالى .
*
وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان* وجميع أهل الحديث من السلف .
قال ابن عبد الأعلى رحمه الله سمعت الشافعي رضي الله عنه يوم ناظر حفصا الفرد وكان من متكلمي المعتزلة يقول لأن يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام, ولقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه وقال أيضا قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام .

[وساق أقوال باقي الأئمة]
ثم قال: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا
ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه.
وقالوا: ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون " أي المتعمقون في البحث والاستقصاء .
واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من الدين لكان ذلك أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني عليه وعلى أربابه فقد علمهم الاستنجاء و حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم الاستنجاء أخرجه مسلم من حديث سلمان الفارسي _وذكر بقية استدلالهم

ثم قال:
*
أما مضرته, فإثارة الشبهات, وتحريك العقائد, وإزالتها عن الجزم والتصميم, فذلك مما يحصل في الابتداء , ورجوعها بالدليل مشكوك فيه, ويختلف فيه الأشخاص .
فهذا ضرره في الاعتقاد الحق , وله ضرر آخر في تأكيد اعتقاد المبتدعة, وتثبيتها في صدورهم, بحيث تنبعث دواعيهم, ويشتد حرصهم على الإصرار عليه, ولكن هذا الضرر بواسطة التعب الذي يثور من الجدل, ولذلك ترى المبتدع العامي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف في أسرع زمان, إلا إذا كان نشؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب, فإنه لو اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره, بل الهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وفرقة المخالفين يستولي على قلبه, ويمنعه من إدراك الحق.

*
وأما منفعته, فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه, وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف, ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف.
وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا, فاسمع هذا ممن خبر الكلام, ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين, وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب علم الكلام, وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود .
ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف, وإيضاح لبعض الأمور, ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام .)).ا.هـ[ الإحياء1/95]

وكلامه نفيس جدا, ينبغي العناية به.
ولذا قال ابن أبي العز :
[ وكلام مثله في ذلك حجة بالغة، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك : مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعّروا الطريق إلى تحصيلها وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريرا، وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد كما قيل : لولا التنافس في الدنيا لما وضعت كتب التناظر لا المغني ولا العمد يحللون بزعـم منهم عقــدا وبالذي وضعوه زادت العقـد فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبهة والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبهة والشكوك زادت بذلك]
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي رحمه الله.
والله أعلم

وقال الفخر الرازي كما في وصيته المشهورة: ((لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن))، ثم قال: ((ديني متابعةُ الرسول محمد، وكتابي القرآنُ العظيمُ وتعويلي في طلب الدين عليهما)). تاريخ الإسلام للذهبي، (18/242-243)

وقال الرازي: ((لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات)): {الرحمن على العرش استوى} [ طه ،آية:5]، و{إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر،آية:10 ]، وأقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} [الشورى،آية:11]، {ولا يحيطون به علما} [طه،آية:110]، ثم قال من جرب مِثْلَ تجربتي عرف مِثْلَ معرفتي)) أ هـ. سير أعلام النبلاء (21/500)، شرح الطحاوية ص228، مجموع الفتاوى، (4/72-73)، (5/562)، العقل والنقل (1/159-160)، البداية والنهاية (13/61 ، 62).

وحكى أبو الفتح الطبري أنه دخل على أبي المعالي الجويني في مرضه فقال: اشهدوا عليَّ أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأَني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور".السير، (18/474).
وأصرح منه ما قاله كما بالسير: ((قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى عَنْهُ أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى "كلمة الحق"، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني)) السير، (18/474)..

فإذا كان رجوعه إلى كلمة الحق، فما الذي كان عليه قبل ذلك، وما الذي نهى أهل الإسلام عنه !!!
وقال أبو الحسن القيرواني الأديب- وهو من تلاميذ الجويني- سمعت أبا المعالي يقول:
((يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به)).سير أعلام النبلاء، (18/474)، المنتظم لابن الجوزي، (9/19)

وهذا أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبدالكريم الشهرستاني، ولد سنةوهو فقيه شافعي متكلم. وهو صاحب الملل والنحل.

ألف كتـــاب [نهاية الإقدام في علم الكـــلام] وهو الذي ذم فيه علم الكلام وحذر منه وأوضح أن علم الكلام إنما يورث الحيرة وليس لدى أربابه يقين في عقيدتهم.
وقد أثبت في أول كتابه المذكور بيتين في وصف حال أهل الكلام قائلاً:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها *** وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حـــائر *** على ذقن أو قارعا ســـــن نادم"

إذا كانوا هؤلاء من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شيء رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ وإلى أي عقيدة رجعوا؟.

يقوم البعض بترديد مقولة أن الرازي والجويني .. رجعوا إلى التفويض عوضاً عن التأويل
فنقول إن كنتَ كأسلافك تزعم أن مذهب السلف هو إما التأويل وإما التفويض، فعليه مَنْ أَخَذَ بأحدِهما – على زَعْمِكَ- يكون على الحقِ، فلم كانت حيرةُ هؤلاء وتذبذبهم ؟!!

فإن زعمت أنهم اختاروا التأويل أولاً ثم رجعوا إلى التفويض الذي هو مذهب السلف، فهذا ينقض أصلك بأن كُلاً من التفويض والتأويل حق.


وإن زعمت أنه ترجيح منهم لأحد الأمرين وأنه كان لابد من التأويل أولاً لأنه ، ثم لما حانت الوفاة عدل إلى ((التفويض)) لأنه هو السلامة، فهو اعتراف ضمني بمفهوم المخالفة أن المؤولَ ليس على السلامة، فكيف يكون التأويلُ هو مذهبُ السلف
.

Tidak ada komentar:

Posting Komentar