1 _ باب قول الله _تعالى_ : {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8]
|
وتمام الآية
: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ
جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت:
8] |
تفسير السمرقندي = بحر العلوم (2/ 626) :
"قوله عز وجل :
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) يعني: ووصينا الإنسان أن يفعل
بوالديه ما يحسن، يعني: براً بهما." اهـ
زاد المسير في
علم التفسير (3/ 400)
قال الزجاج:
مَنْ قرأ: «حُسْناً» فمعناه: ووصَّينا الإِنسان أن يفعل بوالديه ما يَحْسُن، ومن
قرأ:
«إِحساناً»
فمعناه: ووصينا الإِنسان أن يُحْسِن إِلى والديه، وكان «حُسْناً» أعمَّ في البِرّ."
اهـ
تفسير ابن
كثير ت سلامة (6/ 264)
وَقَالَ
هَاهُنَا: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}
{وَوَصَّيْنَا
الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) } .
يَقُولُ
تَعَالَى آمِرًا عِبَادُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ الْحَثِّ
عَلَى التَّمَسُّكِ بِتَوْحِيدِهِ، فَإِنَّ الْوَالِدَيْنِ هَمَّا سَبَبُ وُجُودِ
الْإِنْسَانِ، وَلَهُمَا عَلَيْهِ (5) غَايَةُ الْإِحْسَانِ، فَالْوَالِدُ
بِالْإِنْفَاقِ وَالْوَالِدَةُ بِالْإِشْفَاقِ؛
وَلِهَذَا
قَالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا
أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا
جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24] ." اهـ
=========================
أَخْبَرَنَا
أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَامِدِ بْنِ هَارُونَ
بْنِ عَبْدِ الجْبَّارِ البُخَارِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ النَّيَازِكِيِّ
قِرَاءَةً عَلَيْهِ فَأَقْرَّ بِهِ قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًا فِي صَفَرَ سَنَةَ
سَبْعِينَ وَثَلاثِمِائَةٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو الْخَيْرِ أَحْمَدُ بْنُ
مُحَمِّدِ بْنِ الجَلِيلِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حُرَيْثٍ البُخَارِيُّ
الْكِرْمَانِيُّ الْعَبْقَسِيُّ البَزَّارُ سَنَة اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ
وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ
اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُغَيرَةِ بْنِ
الْأَحْنَفِ الْجُعْفِيُّ البُخَاِرُّي قال:
1 - حَدَّثَنَا
أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ
الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ :
حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :
"سَأَلْتُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ
إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟"
قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟
قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» ، قُلْتُ: ثُمَّ
أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
قَالَ : حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي."
رواة
الحديث :
(حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) : هشام بن عبد
الملك، أبو الوليد الطيالسى البصرى، من صغار أتباع التابعين ( ت : 227 هـ)، خ م د ت س ق : ثقة ثبت،
(قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) : شعبة بن
الحجاج بن الورد : أبو بسطام الواسطى ثم البصرى، من كبار أتباع التابعين، (ت : 160
هـ بـ البصرة)، خ م د ت س ق : ثقة حافظ متقن ، كان الثورى يقول : هو أمير
المؤمنين فى الحديث
(قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ
أَخْبَرَنِي) : الوليد بن العيزار بن حريث العبدى ، الكوفى، من
صغار التابعين،
خ
م ت س :
ثقة
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ) : سعد
بن إياس ، أبو عمرو الشيبانى الكوفى، من كبار التابعين (ت : 95 هـ)، خ م د ت س
ق :
ثقة
(يَقُولُ : حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ
إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ) : عبد الله بن
مسعود بن غافل بن حبيب الهذلى ، أبو عبد الرحمن(ت : 32 هـ بـ المدينة)، خ م د ت س
ق
تخريج
الحديث :
أخرجه البخاري
في صحيحه (1/ 112) (رقم : 527)، ومسلم في صحيحه (1/ 90) (رقم : 85)، والترمذي في سننه
(1/ 325 و 4/ 310) (رقم : 173 و 1898)، والنسائي في سننه (1/ 292) (رقم : 610 و
611)،
شرح الكلمات :
المفهم لما
أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (2 / 41)
وقوله : (وَبِرُّ
الوَالِدَيْنِ) : هو القيامُ بحقوقهما ، والتزامُ طاعتهما ، والرفقُ بهما ،
والتذلُّلُ لهما ، ومراعاةُ الأدبِ معهما في حياتهما ، والترحُّمُ عليهما ،
والاستغفارُ لهما بعد موتهما ، وإيصالُ ما أمكنَهُ من الخير والأَجْرِ لهما.
تأسيس
الأحكام - (1 / 69)
ثالثاً : قوله ( وبر
الوالدين ) البر اسداء المعروف إليهما وخفض الجناح لهما مع ترك أذيتهما لأن حقهما
آكد الحقوق عليك بعد حق الله عز وجل لحنوهما عليك في الصغر وشفقتهما بك وبذل
مهجهما فيما يصلحك والله الموفق
&
تأسيس الأحكام - (1 /
70)
رابعاً : (الجهاد في
سبيل الله ) وهو بذل العبد جهده في كل ما من شأنه رفع الدين وإعلاء كلمة الله
وإعزاز الحق وأهل الحق وإذلال الباطل وأهل الباطل،
ويعم : الجهادَ بالسيف وما في معناه من الآلات الحربية الحديثة،
والجهادَ باللسان : كالمواعظ والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والتعلم والتعليم للعلوم الدينية، والجهادَ بالقلم لتبيين الحق والدفاع عنه والتحذير من
الباطل إلى غير ذلك والله أعلم.
والجهاد بالسيف يخاطب
به الحكام ويجب على الناس إجابتهم والجهاد معهم والله أعلم."
فوائد الحديث :
&
تطريز رياض الصالحين
- (1 / 221)
الحديث: دليل على أنّ
الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، وأن بر الوالدين أفضل من الجهاد.
&
عمدة القاري شرح صحيح
البخاري - (5 / 14)
فَإِن قلت: مَا
الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الذّكر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟
قلت: هَذِه
الثَّلَاثَة أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، من ضيَّع الصَّلَاة الَّتِي هِيَ
عماد الدّين مَعَ الْعلم بفضيلتها كَانَ لغَيْرهَا من أَمر الدّين أَشد تضييعا،
وَأَشد تهاونا واستخفافا،
وَكَذَا من ترك بر
وَالِديهِ فَهُوَ لغير ذَلِك من حُقُوق الله أَشد تركا،
وَكَذَا الْجِهَاد:
من تَركه مَعَ قدرته عَلَيْهِ عِنْد تعينه، فَهُوَ لغير ذَلِك من الْأَعْمَال
الَّتِي يتَقرَّب بهَا إِلَى الله تَعَالَى أَشد تركا،
فالمحافظ على هَذِه
الثَّلَاثَة حَافظ على مَا سواهَا، والمضيع لَهَا كَانَ لما سواهَا أضيع.
&
شرح صحيح البخارى ـ
لابن بطال - (5 / 6)
قال الطبرى : معنى
حديث ابن مسعود أن الصلاة المفروضة وبر الوالدين والجهاد فى سبيل الله أفضل الأعمال
بعد الإيمان بالله ورسوله ، وذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة ، حتى خرج وقتها لغير
عذر فقدرته مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها من أمر الدين والإسلام أشد
تضيعاَ ، وبه أشد تهاوناَ واستخفافاَ ، وكذلك من ترك بر والديه وضيع حقوقهما مع
عظيم حقهما عليه بتربيتهما إياه ، وتقطعهما عليه ، ورفقهما به صغيرًا وإحسا نهما
إليه كثيراَ ، وخالف أمر الله ووصيته إياه فيهما ، فهو لغير ذلك من حقوق الله أشد
تضييعًا ، وكذلك من ترك جهاد أهداء الله ، وخالف أمره فى قتالهم مع كفرهم بالله
ومناصبتهم أنبياءه وأولياءه للحرب ، فهو لجهاد من دونهم من فساق أهل التوحيد
ومحاربة من سواهم من أهل الزيغ والنفاق أشد تركًا ، فهذه الأمور الثلاثه تجمع
المحافظة عليهن الدلالة لمن حافظهن أنه محافظ على ما سواهن ، ويجمع تضييعهن
الدلالة على تضييع ما سواهن من أمر الدين والإسلام فلذلك خصهن ( صلى الله عليه
وسلم ) بأنهن أفضل الأعمال .
تطريز رياض
الصالحين - (1 / 715)
قال الطبري: خص عليه
الصلاة والسلام هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات.
عمدة القاري شرح صحيح
البخاري - (5 / 14)
ذكر مَا يُسْتَفَاد
مِنْهُ،
* فِيهِ : أَن أَعمال
الْبر تفضل بَعْضهَا على بعض عِنْد الله تَعَالَى. فَإِن
قلت: ورد أَن إطْعَام الطَّعَام خير أَعمال الْإِسْلَام، وَورد: (إِن أحب
الْأَعْمَال إِلَى الله أَدْوَمه) ، وَغير ذَلِك، فَمَا وَجه التَّوْفِيق
بَينهمَا؟ قلت: أجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكل من سَأَلَ بِمَا
يُوَافق غَرَضه، أَو بِمَا يَلِيق بِهِ، أَو بِحَسب الْوَقْت، فَإِن الْجِهَاد
كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام أفضل الْأَعْمَال، لِأَنَّهُ كَانَ كالوسيلة
إِلَى الْقيام بهَا. والتمكن من أَدَائِهَا، أَو بِحَسب الْحَال، فَإِن النُّصُوص
تعاضدت على فضل الصَّلَاة على الصَّدَقَة، وَرُبمَا تجدّد حَال يَقْتَضِي مواساة
مُضْطَر فَتكون الصَّدَقَة حِينَئِذٍ أفضل،
&
فتح الباري- تعليق
ابن باز - (2 / 9)
قال ابن بطال :
"فيه : أن
البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها لأنه إنما شرط فيها أن
تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب."
فيض القدير
- (2 / 24)
والمحافظة تكون
بأدائها أول وقتها خوف فوت فضيلها وهذا حث على ندب المبادرة
فتح الباري- تعليق
ابن باز - (2 / 10_11) :
"وفي الحديث : فضل تعظيم الوالدين، وأن أعمال البر يفضل بعضها
على بعض.
* وفيه : السؤال عن
مسائل شتى في وقت واحد،
* والرفق بالعالم،
والتوقف عن الإكثار عليه خشية ملاله،
* وما كان عليه
الصحابة من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة عليه،
* وما كان هو عليه من
إرشاد المسترشدين ولو شق عليه.
* وفيه : أن الإشارة
تتنزل منزلة التصريح إذا كانت معينة للمشار إليه مميز له عن غيره.
قال ابن بزيزة : الذي
يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن. لأن___فيه بذل النفس، إلا أن
الصبر على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين أمر
لازم متكرر دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون، والله أعلم.
المفهم لما
أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (2 / 42)
وفيه من الفقه :
احترامُ العالِمِ والفاضِلِ ، ورعايةُ الأدبِ معه وإنْ وَثِقَ بِحِلْمه وصَفْحه.
|
صحيح البخاري ـ حسب
ترقيم فتح الباري - (1 / 140) 527- حَدَّثَنَا
أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ ، أَخْبَرَنِي قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا
عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ ، حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ
وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله
عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ قَالَ الصَّلاَةُ عَلَى
وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ
أَيُّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ
اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. |
&
فتح الباري ـ لابن
رجب موافقا للمطبوع - (3 / 40)
فدل حديث ابن مسعود
هذا على أن أفضل الأعمال وأقربها إلى الله وأحبها إليه الصلاة على مواقيتها
المؤقتة لها .
&
شرح صحيح البخارى ـ
لابن بطال - (9 / 188)
فأخبر النبى عليه
السلام أن بر الوالدين افضل الأعمال بعد الصلاة التى هى أعظم دعائم الإسلام، ورتب
ذلك بثم التى تقتضى الترتيب ، وتدل على أن الثانى بعد الأول وبينهما مهله ، وقد دل
التنزيل على ذلك قال تعالى : ( وقضى ربك إلا تعبدوا إلا أياه وبالوالدين إحسانًا
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما )
مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح - (2 / 509)
وَفِي الْحَدِيثِ
دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ
الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَيُوَافِقُهَا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ: (الصَّلَاةُ
خَيْرُ مَوْضُوعٍ)[1]،
أَيْ: خَيْرُ عَمَلٍ وَضَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، لِيَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ
بِهِ.
===============================
2 - حَدَّثَنَا آدَمُ
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو قَالَ : "رِضَا الرَّبِّ فِي
رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ."
رواة الحديث :
آدَمُ :
آدم بن أبى إياس، ثقة
شعبة
: شعبة بن الحجاج، ثقة حافظ متقن ، كان الثورى يقول : هو أمير المؤمنين فى الحديث.
يَعْلَى
بْنُ عَطَاءٍ : يعلى بن عطاء العامرى القرشى، ثقة
عطاء (والد
يعلى)
: عطاء العامرى الطائفى، مقبول
عبد الله
بن عمرو
: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد القرشى السهمى، أبو
محمد
تخريج
الحديث :
وأخرجه : الترمذي سننه (4/ 310) (رقم : 1899)
مرفوعا،
[قال الشيخ الألباني]
: حسن موقوفا، وصح مرفوعا - «الصحيحة» (515)
من فوائد
الحديث :
تحفة الأحوذي (6/ 21)
وَسَخَطُهُ فِي
سَخَطِهِمَا وَسَخَطُ الرَّبِّ بِفَتْحَتَيْنِ ضِدُّ الرِّضَا فِي سَخَطِ
الْوَالِدِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ يُطَاعَ الْأَبُ وَيُكْرَمَ فَمَنْ
أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَغْضَبَهُ فَقَدْ أَغْضَبَ اللَّهَ
وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُفِيدُ أَنَّ الْعُقُوقَ كَبِيرَةٌ
فيض القدير (4/ 33)
وقد تظاهرت على ذلك
النصوص وفي خبر مرفوع لعن الله العاق لوالديه
سبل السلام (2/ 632)
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إرْضَاءِ
الْوَلَدِ لِوَالِدَيْهِ وَتَحْرِيمِ إسْخَاطِهِمَا فَإِنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ
مَرْضَاةُ اللَّهِ وَالثَّانِيَ فِيهِ سَخَطُهُ فَيُقَدِّمُ رِضَاهُمَا عَلَى
فِعْلِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ
عُمَرَ «أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
- فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفِيهِمَا
فَجَاهِدْ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا
هَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ
الْيَمَنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ هَاجَرْت قَالَ: هَلْ لَك
أَهْلٌ بِالْيَمَنِ؟ فَقَالَ: أَبَوَايَ قَالَ أَذِنَا لَك؟ قَالَ لَا قَالَ
فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ وَإِلَّا
فَبِرَّهُمَا» وَفِي إسْنَادِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْجِهَادِ
مِنْ الْوَاجِبَاتِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَالْأَمِيرِ
حُسَيْنٍ ذَكَرَهُ فِي الشِّفَاءِ وَالشَّافِعِيُّ فَقَالُوا: يَتَعَيَّنُ تَرْكُ
الْجِهَادِ إذَا لَمْ يَرْضَ الْأَبَوَانِ إلَّا فَرْضَ الْعَيْنِ. كَالصَّلَاةِ
فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا الْأَبَوَانِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْمَنْدُوبِ
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْأَبَوَانِ مَا لَمْ يَتَضَرَّرَا بِسَبَبِ فَقَدْ
الْوَلَدِ، وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي حَقِّ
الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتْبَعُ رِضَاهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ سَخَطُ
اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] قُلْت الْآيَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا إذَا حَمَلَاهُ عَلَى
الشِّرْكِ وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى
أَنَّهُ يُطِيعُهُمَا فِي تَرْكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْعَيْنِ، لَكِنَّ
الْإِجْمَاعَ خَصَّصَ فَرْضَ الْعَيْنِ وَأَمَّا إذَا تَعَارَضَ حَقُّ الْأَبِ
وَحَقُّ الْأُمِّ فَحَقُّ الْأُمِّ مُقَدَّمٌ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «قَالَ
رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِي قَالَ
أُمُّك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ أَبُوك» فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى تَقْدِيمِ
رِضَا الْأُمِّ عَلَى رِضَا الْأَبِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُقْتَضَاهُ أَنْ
يَكُونَ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ مَا لِلْأَبِ، قَالَ: وَكَأَنَّ ذَلِكَ
لِصُعُوبَةِ الْحَمْلِ ثُمَّ الْوَضْعِ ثُمَّ الرَّضَاعِ. قُلْت وَإِلَيْهِ
الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ
إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15] وَمِثْلُهَا
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان: 14] قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْأُمَّ تَفْضُلُ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ
وَنَقَلَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا.
بهجة قلوب الأبرار
وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 216)
هذا الحديث دليل على
فضل برّ الوالدين ووجوبه، وأنه سبب لرضى الله تعالى. وعلى التحذير عن عقوق
الوالدين وتحريمه، وأنه سبب لسخط الله.
بهجة قلوب الأبرار
وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 216)
ولا شك أن هذا من
رحمة الله بالوالدين والأولاد؛ إذ بين الوالدين وأولادهم من الاتصال ما لا يشبهه
شيء من الصلات والارتباط الوثيق، والإحسان من الوالدين الذي لا يساويه إحسان أحد
من الخلق, والتربية المتنوعة وحاجة الأولاد، الدينية والدنيوية إلى القيام بهذا
الحق المتأكد؛ وفاء بالحق، واكتساباً للثواب، وتعليماً لذريتهم أن يعاملوهم بما
عاملوا به والديهم.
بهجة قلوب الأبرار
وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 216_217)
وفي هذا الحديث: ذكر
غاية البر ونهايته التي هي رضي الوالدين؛ فالإحسان موجب وسبب، والرضى أثر ومسبب.
فكل ما أرضى الوالدين من جميع أنواع المعاملات العرفية، وسلوك كل طريق ووسيلة
ترضيهما، فإنه داخل في البر، كما أن العقوق، كل ما___يسخطهما
من قول أو فعل. ولكن ذلك مقيد بالطاعة لا بالمعصية. فمتى تعذر على الولد إرضاء
والديه إلا بإسخاط الله، وجب تقديم محبة الله على محبة الوالدين. وكان اللوم
والجناية من الوالدين، فلا يلومان إلا أنفسهما.
بهجة قلوب الأبرار
وقرة عيون الأخيار ط الرشد (ص: 217)
وفي هذا الحديث: إثبات صفة الرضى والسخط لله، وأن ذلك متعلق بمحابه
ومراضيه. فالله تعالى يحب أولياءه وأصفياءه. ويحب من قام بطاعته وطاعة رسوله. وهذا
من كماله وحكمته وحمده، ورحمته ورضاه وسخطه، من صفاته المتعلقة بمشيئته وقدرته.
والعصمة في ذلك: أنه
يجب على المؤمن أن يثبت ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله من صفات الكمال
الذاتية والفعلية، على وجه يليق بعظمة الله وكبريائه ومجده. ويعلم أن الله ليس له
نِدٌّ، ولا كفو، ولا مثيل في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله. والله أعلم.
توضيح الأحكام من
بلوغ المرام (7/ 331)
* ما يؤخذ من الحديث:
1 - حق الوالدين
كبير؛ فقد قرن تبارك وتعالى حقَّه بحقِّهما؛ فقال تعالى: {وَوَصَّيْأَنِ اشْكُرْ
لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14]، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].
2 - وفي هذا الحديث جعل
الله رضاه من رضائهما، وسخطه من سخطهما، فمن أرضاهما فقد أرضى الله، ومن أسخطهما
فقد أسخط الله.
3 - فيه وجوب
إرضائهما، وتحريم إسخاطهما؛ ذلك أن إرضاءهما من الواجبات، وإسخاطهما من المحرمات.
4 - النصوص في وجوب
بر الوالدين، وتحريم عقوقهما كثيرة جدًّا، ومنها: ما رواه مسلم (2551) من حديث أبي
هريرة، عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رَغِمَ أنف، ثمَّ رغفَ أنف،
ثمَّ رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل
الجنَّة".
وجاء في البخاري
(527) ومسلم (85) من حديث ابن مسعود قال: "سألت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصَّلاة لوقتها، قلت: ثمَّ أي؟ قال: بر
الوالدين، قلت؛ ثمَّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله".
وجاء في الصحيحين، من
حديث أبي بكرة؛ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلاَ أُنَبِّئُكم
بأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوق الوالدين".
5 - وطاعة الوالدين
إنَّما تكون بالمعروف؛ فلا طاعة لهما في معصية الله تعالى؛ فقد قال تعالى: {وَإِنْ
جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا
تُطِعْهُمَا} [لقمان: 15].
وقال -صلى الله عليه
وسلم-: "لاَ طاعَة لمخلوقٍ في معصية الخالق".
قال صديق حسن في
تفسيره [فتح البيان في مقاصد القرآن (10/ 285)] : "وجملة هذا الباب أنَّ طاعة
الوالدين لا____تراعى في ركوب معصية، ولا ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في
المباحات."
وقال في شرح الإقناع :
ولا طاعة للوالدين في ترك فريضة؛ كتعلم واجبٍ عليه، وما يقوم به دينه، من طهارةٍ،
وصلاةٍ، وصيام، ونحو ذلك، وإنْ لم يحصل ذلك ببلده، فله السفر لطلبه بلا إذنهما؛
لأنَّه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
6 - أمَّا بخصوص طاعة
الوالدين في المباحات:
فقال شيخ الإسلام ابن
تيمية : الَّذي ينتفع به الأبوان، ولا يتضرَّر هو بطاعتهما فيه قسمان:
قسم: يضرهما تركه؛
فهذا لا يستراب في وجوب طاعتهما فيه.
وقسم: ينتفعان به،
ولا يضره؛ فتجب طاعتهما فيه.
7 - وقال فيمن تأمره
أمه بطلاق امرأته، قال: لا يحل له أنْ يطلِّقها، بل عليه أنْ يبرها، وليس تطليق امرأته
من برها.
قال في الآداب
الكبرى: فإن أمره أبوه بطلاق امرأته، لم يجب، ذكره أكثر الأصحاب، وسأل رجلٌ الإمام
أحمد، فقال: إنَّ أبي يأمرني أنْ أُطلِّق امرأتي، فقال: لا تطلِّقها.
قال الرَّجل: أليس
عمر أمر ابنه عبد الله أنْ يطلِّق امرأته، قال: حتَّى يكون أبوك مثل عمر، رضي الله
عنه." اهـ
فتح ذي الجلال
والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 284)
في هذا الحديث فوائد:
أولاً: الحث على إرضاء الوالدين، وجه ذلك أنه سبب لرضا الله عز وجل ولكن هذا ليس
على إطلاقه فإن من الوالدين من يرضى بالفسوق ويسخط الصلاح فهل يكون____رضاهما في
رضا الله؟ لا، إذن المراد رضا الوالدين إلا فيما يسخط الله، فإن رضا الله مقدم على
رضا الوالدين.
ومن فوائد الحديث:
إثبات الرضا لله عز وجل، وأنه صفة حقيقية وهي غير رضانا، وهذا الذي عليه السلف
الصالح وأهل السنة والجماعة، أي: أن الله تعالى يرضى ويغضب ويكره ويحب وأن هذه
صفات كلها حقيقة، لكن من المعلوم أنها لا تشبه رضا المخلوقين أو محبة المخلوقين؛
لأنهما أكمل، وقد قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11].
ومن فوائد الحديث:
التحذير من سخط الوالدين؛ لأن ذلك سبب لسخط الله." اهـ
[1] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1/ 84) (رقم :
243)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 280) (رقم : 390)

Tidak ada komentar:
Posting Komentar