Senin, 24 Desember 2018

الحديث السابع : خصال المنافق


الحديث السابع : خصال المنافق

عن عبد الله بن عمرو بن _رضي الله عنهما_ :
أنَّ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قَالَ :
«أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ
كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا:
* إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ،
* وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،
* وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ،
* وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» . متفقٌ عَلَيْهِ

تخريج الحديث :

أخرجه : البخاري (رقم: 34), ومسلم (رقم: 58 & 106), واللفظ للبخاري،
أمّا مسلم فلفظه : "وإذا ائتمن خان".
ووردت برقم: 59 بعد 108 في حديث آخر عن أبي هريرة.

وفي رواية :
وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -:
أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:
«آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قال الله _تعالى_ : 
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (145)

قال _تعالى_ :
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) 
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)} [النساء: 142، 143]

ترجمة صحابي الحديث :

الاسم : عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد القرشى السهمى ، أبو محمد ، و قيل أبو عبد الرحمن و قيل أبو نصير
الوفاة :  ليالى الحرة بـ الطائف
قال أحمد بن حنبل : مات لياليَ الحرة ، و كانت فى ذى الحجة سنة ثلاث و ستين . (63 هـ)
روى له :  خ م د ت س ق  ( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه )

بيان الغرائب :

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (1/ 224_225)
قَوْله: (غدر) من الْغدر، وَهُوَ ترك الْوَفَاء...___
وَيُقَال: أَصله من الغدير. وَهُوَ المَاء الَّذِي يغادره السَّيْل، أَي: يتْركهُ يُقَال: غادرت الشَّيْء إِذا تركته، فكأنك تركت مَا بَيْنك وَبَينه من الْعَهْد

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (1/ 224)
قَوْله: (خَاصم) من الْمُخَاصمَة، وَهِي المجادلة. قَوْله: (فجر) من الْفُجُور، وَهُوَ الْميل عَن الْقَصْد، والشق بِمَعْنى: فجر، مَال عَن الْحق وَقَالَ الْبَاطِل، أَو شقّ ستر الدّيانَة.

 التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (3 / 60)
عن وهب الذماري: 
صفة المنافق: تحيته لعنة، وطعامه سحت، وغنيمته غلول، صخب النهار، خشب الليل[2] (رواه الفريابي في "صفة المنافق" ص 64 (62)).
وعن الحسن: المنافق إذا صلى راءى بصلاته، وإذا فاتته لم يأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله (رواه الفريابي في "صفة المنافق" ص 66 (69)، وابن جرير في "تفسيره" 12/ 711).


شرح الحديث :

فتح الباري لابن حجر (1/ 90)
وَالْفُجُورُ : الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ وَالِاحْتِيَالُ فِي رَدِّهِ، 
وَهَذَا قَدْ يَنْدَرِجُ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْكَذِبُ فِي الْحَدِيثِ،
وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا مُنَبِّهَةٌ عَلَى مَا عَدَاهَا إِذْ أَصْلُ الدِّيَانَةِ مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثٍ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالنِّيَّةِ،
فَنَبَّهَ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ بِالْكَذِبِ وَعَلَى فَسَادِ الْفِعْلِ بِالْخِيَانَةِ وَعَلَى فَسَادِ النِّيَّةِ بِالْخُلْفِ لِأَنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ لَا يَقْدَحُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْعَزْمُ عَلَيْهِ مُقَارِنًا لِلْوَعْدِ أَمَّا لَوْ كَانَ عَازِمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَانِعٌ أَوْ بَدَا لَهُ رَأْيٌ فَهَذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ صُورَةُ النِّفَاقِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 14_15)
قال ابنُ الأنباريِّ : "في تسميةِ المنافقِ منافقًا ثلاثةُ أقوال :___
أحدها : أنَّه سمِّي بذلك ؛ لأنَّه يستُرُ كفره ؛ فأشبه الداخلَ في النَّفَق ، وهو السَّرَبُ.
وثانيها : أنه شُبِّهَ باليربوعِ الذي له جُحْرٌ يقال له : القَاصِعاء ، وآخَرُ يقال له : النَّافِقاء ، فإذا أُخِذَ عليه مِنْ أحدهما ، خرَجَ من الآخر ؛ وكذلك المنافق : يخرُجُ من الإيمانِ مِنْ غير الوجهِ الذي يدخُلُ فيه.
وثالثها : أنَّه شُبِّه باليربوعِ مِنْ جهة أنَّ اليربوع يَخْرِقُ الأرض ، حتى إذا قاربَ ظاهرَهَا ، أَرَقَّ الترابَ ، فإذا رَابه رَيْب ، دفَعَ الترابَ برأسِهِ فخرَجَ ، فظاهرُ جُحْرِهِ تراب ، وباطنُهُ حَفْر ، وكذلك المنافقُ : ظاهرُهُ الإيمان ، وباطنه الكفر".

من فوائد الحديث :

شرح صحيح البخارى لابن بطال (1/ 90)
أن تمام الإيمان بالأعمال، وأنه يدخل على المؤمن النقص فى إيمانه بالكذب، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور فى الخصام، كما يزيد إيمانه بأفعال البر.

المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 144) للزيداني المظهري :  
مَن كان فيه هذه الخصال عن اعتقادِ استحلالها فهو منافقٌ كالمنافق الذي يُظهر الإسلام ويخفي الكفر في قلبه، 
ومَن كانت هذه الخصال أو بعضُها لا عن اعتقادِ استحلالها بل يعتقد تحريمها، فلا يكون منافقًا كالمنافق الذي يخفي الكفر، بل يكون مسلمًا مذنبًا، ولكنه يشبَّه بالمنافقين في الأفعال، 
وإنما احتجنا إلى هذا التأويل لأنَّا علمنا من أصول الدين أن المؤمن لا يصير كافرًا بفعل الذنوبُ وبالمُداومة على فعل الذنوب إذا اعتقد تحريمها، وإن اجتمعت فيه جميع الذنوب، وإن دام على الذنوب في جميع عمره.

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (2/ 509)
هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال، فيفضي به إلى النفاق، لا أن من ندر منه هذه الخصال، أو فعل شيئا من ذلك من غير اعتقاد أنه منافق. 
والنفاق ضربان : 
أحدهما : أن يظهر صاحبه الإيمان وهو مسر للكفر، كالمنافقين على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، 
والثاني : ترك المحافظة على حدود أمور الدين سرا، ومراعاتها علنا، فهذا سمي منافقا؛ ولكنه نفاق دون نفاق، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))؛ وإنما هو كفر دون كفر.

جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 492_493)
وَالنِّفَاقُ الْأَصْغَرُ وَسِيلَةٌ إِلَى النِّفَاقِ الْأَكْبَرِ، كَمَا___أَنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكَفْرِ، وَكَمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَذَلِكَ يُخْشَى عَلَى مَنْ أَصَرَّ عَلَى خِصَالِ النِّفَاقِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ فَيَصِيرَ مُنَافِقًا خَالِصًا. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ النِّفَاقَ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ النِّفَاقَ؟ وَكَانَ الْحَسَنُ يُسَمِّي مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ أَوْصَافُ النِّفَاقِ الْعَمَلِيِّ مُنَافِقًا
..........................................

q  عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 221)
استنبط من هَذِه العلامات الثَّلَاث صفة الْمُنَافِق وَجه الانحصار على الثَّلَاث، هُوَ: التَّنْبِيه على فَسَاد القَوْل وَالْفِعْل وَالنِّيَّة.
فبقوله: (إِذا حدث كذب) نبه على فَسَاد القَوْل،
وَبِقَوْلِهِ: (إِذا اؤتمن خَان) نبه على فَسَاد الْفِعْل،
وَبِقَوْلِهِ: (إِذا وعد أخلف) نبه على فَسَاد النِّيَّة، لِأَن خلف الْوَعْد لَا يقْدَح إلاَّ إِذا عزم عَلَيْهِ مُقَارنًا بوعده،
أما إِذا كَانَ عَازِمًا ثمَّ عرض لَهُ مَانع أَو بدا لَهُ رَأْي فَهَذَا لم تُوجد فِيهِ صفة النِّفَاق،
وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ فِي حَدِيث طَوِيل من حَدِيث سلمَان _رَضِي الله عَنهُ_ : ((إِذا وعد وَهُوَ يحدث نَفسه أَنه يخلف))
 . 
q  عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 221_222)[3]
وَاعْلَم أَن جمَاعَة من الْعلمَاء عدوا هَذَا الحَدِيث من المشكلات من حَيْثُ أَن هَذِه الْخِصَال قد تُوجد فِي الْمُسلم الْمُصدق بِقَلْبِه وَلسَانه، مَعَ أَن الْإِجْمَاع حَاصِل أَنه لَا يحكم بِكُفْرِهِ، وَلَا بِنفَاق يَجعله فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار. قلت: ذكرُوا فِيهِ أوجها.
الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث إِشْكَال؛ إِذْ مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْخِصَال نفاق، وصاحبها شَبيه بالمنافق فِي هَذِه، ومتخلق بأخلاقهم، إِذْ النِّفَاق إِظْهَار مَا يبطن خِلَافه، وهوموجود فِي صَاحب هَذِه الْخِصَال، وَيكون نفَاقه خَاصّا فِي حق من حَدثهُ ووعده وائتمنه، لَا أَنه مُنَافِق فِي الْإِسْلَام مبطن للكفر.
الثَّانِي: مَا قَالَه بَعضهم: هَذَا فِيمَن كَانَت هَذِه الْخِصَال غالبة عَلَيْهِ، وَأما من ندر[4]
ذَلِك مِنْهُ فَلَيْسَ دَاخِلا فِيهِ.
الثَّالِث: مَا قَالَه الْخطابِيّ: هَذَا القَوْل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحذير من اعْتَادَ هَذِه الْخِصَال خوفًا أَن يُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاق، دون من وَقعت نادرة مِنْهُ من غير اخْتِيَار أَو اعتياد،....
عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 222)
وَقَالَ أَيْضا: والنفاق ضَرْبَان. أَحدهمَا: أَن يظْهر صَاحبه الدّين وَهُوَ مبطن للكفر، وَعَلِيهِ كَانُوا فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْآخر: ترك الْمُحَافظَة على أُمُور الدّين سرا ومراعاتها علنا، وَهَذَا أَيْضا يُسمى نفَاقًا، كَمَا جَاءَ: (سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر) . وَإِنَّمَا هُوَ كفر دون كفر، وَفسق دون فسق، كَذَلِك هُوَ نفاق دون نفاق.
الرَّابِع: مَا قَالَه بَعضهم: ورد الحَدِيث فِي رجل بِعَيْنِه مُنَافِق، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يواجههم بِصَرِيح القَوْل، فَيَقُول: فلَان مُنَافِق، بل يُشِير إِشَارَة كَقَوْلِه، عَلَيْهِ السَّلَام: (مَا بَال أَقوام يَفْعَلُونَ كَذَا) ؟ فههنا أَشَارَ بِالْآيَةِ إِلَيْهِ حَتَّى يعرف ذَلِك الشَّخْص بهَا.
الْخَامِس: مَا قَالَه بَعضهم: المُرَاد بِهِ المُنَافِقُونَ الَّذين كَانُوا فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حدثوا بِأَنَّهُم آمنُوا فكذبوا، واؤتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوه فِي نصْرَة الدّين فاخلفوا. قَالَ القَاضِي: وَإِلَيْهِ مَال كثير من أَئِمَّتنَا،
عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (1 / 222)
السَّادِس: مَا قَالَه حُذَيْفَة: ذهب النِّفَاق، وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاق على عهد رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلكنه الْكفْر بعد الْإِيمَان، فَإِن الْإِسْلَام شاع وتوالد النَّاس عَلَيْهِ، فَمن نَافق بِأَن أظهر الْإِسْلَام وأبطن خِلَافه فَهُوَ مُرْتَد.
السَّابِع: مَا قَالَه القَاضِي: إِن المُرَاد التَّشْبِيه بأحوال الْمُنَافِقين فِي هَذِه الْخِصَال، فِي إِظْهَار خلاف مَا يبطنون، لَا فِي نفاق الْإِسْلَام الْعَام، وَيكون نفَاقه على من حَدثهمْ وَوَعدهمْ وائتمنه وخاصمه وعاهده من النَّاس.
الثَّامِن: مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ: إِن المُرَاد بالنفاق نفاق الْعَمَل، وَاسْتدلَّ بقول عمر لِحُذَيْفَة، رَضِي الله عَنْهُمَا. هَل تعلم فيَّ شَيْئا من النِّفَاق؟ فَإِنَّهُ لم يرد بذلك نفاق الْكفْر، وَإِنَّمَا أَرَادَ نفاق الْعَمَل.

q  شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (1 / 90)
أن تمام الإيمان بالأعمال ، وأنه يدخل على المؤمن النقص فى إيمانه بالكذب ، وخلف الوعد ، وخيانة الأمانة ، والفجور فى الخصام ، كما يزيد إيمانه بأفعال البر .

q  شرح صحيح البخاري لشمس الدين السفيري - (28 / 6)
أما الكذب فهو: الأخبار عن الشيء على خلاف الواقع سواء كان عمداً أو جهلاً، لكن لا إثم عليه في الجهل، بخلاف العمد وهو حرام، وقبيح في الجاهلية والإسلام، وهو من الكبائر إن كان يترتب عليه ضرر لأحد من الناس، فمن كذب على إنسان وقال عنه: أنه سرق ولم يسرق فقطعوا يده بقوله، وكذا الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه من الكبائر.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(1)

شرح صحيح البخاري لشمس الدين السفيري - (28 / 12)
وأما «الخيانة»: فهي التصرف في الأمانة على خلاف الشرع كالجناية في الوديعة فإنها أمانة في يد المودع، فإذا تلفت الوديعة تحت يده من غير تقصير فلا ضمان عليه لعدم خيانته، أما إذا قصر فيها فإنه يضمن، وأسباب الضمان كثيرة نقلها الفقهاء رضي الله عنهم.
ويدل على تحريم الخيانة في الأمانة الحديث الذي ذكره البخاري حيث جعل الخيانة إحدي علامات المنافق.
وقول الله تعالى: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ)[البقرة: 283].
وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أهلها)[النساء: 58].
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» ت (2)

q  شرح صحيح البخاري لشمس الدين السفيري - (28 / 16_17)
والوفاء بالوعد من أخلاق الأنبياء والأولياء والصالحين نفعنا الله بهم أجمعين.
وذكر بعض المفسرين في قوله حكاية عن إسماعيل: (إِنَّهُ كان صَادِقَ الوَعْدِ)[مريم: 54] 
أن رجلاً قال له : اجلس يا إسماعيل في هذا المكان حتى آتيك فجلس فيه سنة، ثم جاءه فقال له: مكانك حتى آتيك فجلس فيه سنة أخرى، فقال له: مكانك حتى آتيك فغاب عنه سنة، ثم جاءه وهو في ذلك المكان لم يتغير، فلذلك وصفه الله بأنه كان صادق الوعد.

q  التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (3 / 53_54)
وقال ابن الأنباري: في تسمية المُنافق ثلاثة أقوال:
أحدها: لأنه يستر كفره فأشبه داخل النفق للستر.
ثانيها: لشبهه باليربوع كما سلف، فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه.
ثالثها: أنَّ اليربوع يخرق الأرض حتى يرق تراب ظاهرها، فإذا رابه أمرٌ رفعه وخرج. فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشبه به.

q  التيسير بشرح الجامع الصغير ـ للمناوى - (1 / 274)
مقصود الحديث الزجر عن هذه الخصال على آكد وجه وأبلغه لأنه بين أن هذه الأمور طلائع النفاق وأعلامه وقد تمكن في العقول السليمة إن النفاق أسمج القبائح فإنه كفر مموّه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب وعالم الأسرار ولهذا قال تعالى في شأنهم ما قال ونعى عليهم بالخصال الشنيعة ومثلهم بالامثال الفظيعة وجعلهم شر الكفار وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (1 / 127)
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِيَنْزَجِرَ الْكُلُّ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى آكَدِ وَجْهٍ إِيذَانًا بِأَنَّهَا طَلَائِعُ النِّفَاقِ الَّذِي هُوَ أَسْمَجُ الْقَبَائِحِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ ضَمُّوا إِلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءَ وَالْخِدَاعَ بِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَلَّا يَرْتَعَ حَوْلَهَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحَمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ،

تطريز رياض الصالحين (ص: 442) :

"النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو نوعان: اعتقادي، ... وعملي.
* فالاعتقادي : هو النفاق الأكبر، وصاحبه مع الكفار مخلد معهم في النار.
قال الله _تعالى_ :
{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [التوبة (67، 68) ] .
وقال تعالى :
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً} [النساء (142) ] إلى آخر الآيات.
* والنفاق العملي : هو النفاق الأصغر وهو من كبائر الذنوب.





[1] قال البيضاوي _رحمه الله_ في تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 75)
يحتمل أن يكون هذا مختصا بأبناء زمانه, فإنه - عليه السلام - علم بنور الوحي بواطن
أحوالهم, وميز بين من آمن به صدقا وأذعن له نفاقا, وأراد تعريف أصحابه وتوقيفهم على
حال هؤلاء المنافقين, ليكونوا على حذر عن مكائدهم,
ولم يذكرهم بأعيانهم لحكم وفوائد:
منها: أن منهم من علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو توقع أنه سيتوب عن نفاقه, فلم يرد تثبيته في ديوان المنافقين وتشهيره بهذا الاسم.
ومنها: أن عدم التعيين أوقع في الدعوة وأدل على شفقته وحسن صنيعه معهم.
ومنها: أن لا ييأسوا عما ينافقون لأجله, فيظهروا المخاصمة ويلتحقوا بالمحاربين.
[2] غريب الحديث لابن الجوزي - (1 / 278)
في صفة المنافقين خُشُبٌ بِاللَّيْلِ أي أنهم نِيَامٌ فَهَمُ كالخُشُبِ المُلْقَاةِ
[3] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (2 / 15)
وليس الأمرُ على مقتضى هذا الظاهرِ ؛ لِمَا قرَّرناه في أوَّلِ "كتابِ الإيمان" ، وأَعَدْناه في البابِ الذي قبلَ هذا ، ولمَّا استحالَ حملُ هذا الحديثِ على ظاهره على مذهبِ أهل السنة ، اختلَفَ العلماءُ فيه على أقوال :
أحدها : أنَّ هذاالنفاقَ هو نفاقُ العملِ الذي سألَ عمرُ عنه حذيفةَ ـ رضى الله عنهما ـ ، لما قال له : "هل تعلَمُ فيَّ شيئًا من النفاق؟" ، أي : مِنْ صفات المنافقين الفعليَّة ، ووجهُ هذا : أنَّ مَنْ كَانَتْ فيه هذه الخصالُ المذكورة ، كان ساترًا لها ، ومظهرًا لنقائضها ؛ فصدَقَ عليه اسمُ منافق.
وثانيها : أنّه محمولٌ على مَنْ غلبتْ عليه هذه الخصال ، واتَّخَذَها عادةً ، ولم يبالِ بها ؛ تهاوُنًا واستخفافًا بأمرها ؛ فإنَّ مَنْ كان هكذا ، كان فاسدَ الاِعتقادِ غالبًا ، فيكونُ منافقًا خالصًا.
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (2 / 16)
وثالثها : أنَّ تلك الخصالَ كانتْ علامةَ المنافقين في زمانه ؛ فإنَّ أصحابَ النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا مجتنبين لتلك الخصال ؛ بحيث لا تقع منهم ، ولا تُعْرَفُ فيما بينهم ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاس وابنُ عمر ـ رضى الله عنهم ـ ، ورُوِيَ عنهما في ذلك حديثٌ ، وهو أنهما أَتَيَا النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسألاه عن هذا الحديث ؟ فضحكَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : ما لكم ولهنَّ ، إنما خصَصْتُ بهنَّ المنافقين ، أنتم مِنْ ذلك بُرَآء ، وذكر الحديثَ بطولِهِ القاضي عياض ، قال : وإلى هذا صارَ كثيرٌ من التابعين والأئمَّة.
[4] شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (1 / 91) : ((قال المهلب : والمراد بالحديث ، والله أعلم ، من يكون الكذب غالبًا على كلامه ، ومستوليًا على حديثه ، والخيانة على أمانته ، والخلف على مواعيده ، فإذا كان هذا شأنه قويت العلامة والدلالة . وأمّا من كان الكذب على حديثه نادرًا فى خبره تافهًا ، والخيانة فى أمانته شاذة يدعى العذر فيها ، والخلف فى أوعاده ، مثل ذلك معتذر بآفات منعته من الإنجاز فلا يقضى عليه بالنادر اليسير ، إذ لا يمكن أن يسلم أحدٌ من كذب .)) اهـ

Kamis, 20 Desember 2018

بَابُ: عَذَابِ الْقَبْرِ وَشِدَّتِهِ




قال المؤلف أبو الليث _رحمه الله_ :
وَرُوِيَ عَنْ أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , أَنَّهُ قَالَ:
"بَلَغَنِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ فَحُمِلَ قَالَ أَسْرِعُوا بِي، فَإِذَا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ كَلَّمَتْهُ الْأَرْضُ، وَقَالَتْ :
* إِنِّي كُنْتُ أُحِبُّكَ وَأَنْتَ عَلَى ظَهْرِي، فَأَنْتَ الْآنَ أَحَبُّ إِلَيَّ،
* وَإِذَا مَاتَ الْكَافِرُ فَحُمِلَ، قَالَ: ارْجِعُوا بِي، فَإِذَا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ كَلَّمَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالَتْ إِنِّي كُنْتُ أَبْغُضُكَ وَأَنْتَ عَلَى ظَهْرِي فَأَنْتَ الْآنَ أَبْغَضُ إِلَيَّ. "

صحيح البخاري (2/ 86)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ»
خ (رقم : 1315) _ م (رقم : 944)

صحيح البخاري (2/ 85)
عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ :
" إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ " خ (رقم : 1315)

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 322)
وقال أحمد بن حرب تتعجب الأرض ممن يمهد مضجعه، ويسوي فراشه لنوم.
وتقول: يا ابن آدم ألا تذكر طول رقادك في جوفي، وما بيني وبينك شيء؟ .

العاقبة في ذكر الموت (ص: 196) // عبد الحق الإشبيلي :
وَمر عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ بالمقابر فَوقف عَلَيْهَا، فَقَالَ :
"السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة،
أَنْتُم لنا سلف، وَنحن لكم تبع وبكم عَمَّا قَلِيل لاحقون،
(اللَّهُمَّ اغْفِر لنا وَلَهُم وتجازو عَنَّا)، وعنهم طُوبَى لمن ذكر الْمعَاد وَعمِل لِلْحسابِ وقنَع بالكفاف، وَرَضي فِي جَمِيع أَحْوَاله عَن الله _تَعَالَى_"
ثمَّ قَالَ :
"يَا أهل الْقُبُور، أما الزَّوْجَات، فقد نكحت. وَأما الديار، فقد سكنت. وَأما الْأَمْوَال فقد قسمت. هَذَا خير مَا عندنَا! فَمَا خير مَا عنْدكُمْ؟"
ثمَّ الْتفَتَ إِلَى أَصْحَابه، فَقَالَ : أما أَنهم لَو تكلمُوا لقالوا وجدنَا خير الزَّاد التَّقْوَى
=====================================

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 50)
37 - وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ فَبَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَا تَبْكِي مِنْ هَذَا.
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ» . .

سنن الترمذي (رقم : 2308)، سنن ابن ماجه (رقم : 4267)، مسند أحمد مخرجا (رقم : 454)، وغيرهم // وحسنه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح (رقم 132)

تحفة الأحوذي (6/ 490)
(فَإِنْ نَجَا) أَيْ خُلِّصَ الْمَقْبُورُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (فَمَا بَعْدَهُ) أَيْ مِنَ الْمَنَازِلِ (أَيْسَرُ مِنْهُ) أَيْ أَسْهَلُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ لَكُفِّرَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ (وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ) أَيْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَلَمْ يُكَفِّرْ ذُنُوبَهُ بِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِهِ (فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ) لِأَنَّ النَّارَ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَالْقَبْرُ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ

المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 234)
يكون عذابُه في القبر علامةَ الشقاوة، فيكون ما بعد القبر من أحوال القيامة أشدَّ وأشقَّ عليه؛ يعني: قال عثمان: لأجل هذا أبكي من خوف القبر، فما أدري: أَنْجُو من عذاب القبر حتى يكونَ ما بعدَه أيسرَ عليَّ أم لا أَنْجُو منه حتى يكونَ ما بعدَه أشدَّ عليَّ.

شرح صحيح البخارى لابن بطال (10/ 189)
وقال أبو رجاء: رأيت مجرى الدموع من ابن عباس كالشراك البالى من البكاء.

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق (1/ 74) // محمود السبكي :
اليوم الآخر: هو يوم القيامة. وأوله من الموت، لحديث هانئ مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان رضى الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكى وتذكر القبر فتبكى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " القبر أول منزل من منازل الآخرة. فان نجا منه فما بعده أيسر. وان لم ينج منه فما بعده أشد منه "

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ الْمَغُولِيِّ قَالَ :
"كُنْتُ جَالِسًا عِنْدِ ابْنِ عَبَّاسٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_، فَأَتَاهُ قَوْمٌ،
فَقَالُوا : "خَرَجْنَا حُجَّاجًا وَمَعَنَا صَاحِبٌ لَنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَيِّ ذَاتِ الصِّفَاحِ، فَمَاتَ فَهَيَّأْنَا لَهُ ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَحَفَرْنَا لَهُ قَبْرًا وَلَحْدًا، فَإِذَا نَحْنُ بِأَسْوَدَ قَدْ مَلَأَ اللَّحْدَ، يَعْنِي الْحَيَّةَ، فَتَرَكْنَاهُ فَحَفَرْنَا لَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، فَإِذَا نَحْنُ بِأَسْوَدَ قَدْ مَلَأَ اللَّحْدَ، فَتَرَكْنَاهُ فَحَفَرْنَا لَهُ ثَالِثًا، فَإِذَا نَحْنُ بِأَسْوَدَ قَدْ مَلَأَ اللَّحْدَ، فَتَرَكْنَاهُ وَأَتَيْنَاكَ.___
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :
"ذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ، انْطَلِقُوا فَادْفِنُوهُ فِي بَعْضِهَا، فَوَاللَّهِ لَوْ حَفَرْتُمُ الْأَرْضَ كُلَّهَا لَوَجَدْتُمُوهُ فِيهَا، فَأَخْبِرُوا قَوْمَهُ.
قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَدَفَنَّاهُ فِي بَعْضِهَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا أَتَيْنَا أَهْلَهُ بِمَتَاعٍ لَهُ كَانَ مَعَنَا، فَقُلْنَا لِامْرَأَتِهِ مَا كَانَ لَهُ مِنْ عَمَلٍ، قَالَتْ كَانَ يَبِيعُ الطَّعَامَ يَعْنِي الْحِنْطَةَ، وَكَانَ يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ قُوتَهُ ثُمَّ يَعْرِضُ الْقَصَبَ مِثْلَهُ وَمِنَ الْكُعْبَرَةِ، يَعْنِي عِيدَانَ الطَّعَامِ، فَيُلْقِيهِ فِيهِ."
فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَانَةَ سَبَبٌ لِعَذَابِ الْقَبْرِ، فَكَانَ فِيمَا رَأَوْهُ عِبْرَةً لِلْأَحْيَاءِ لِيَمْتَنِعُوا مِنَ الْخِيَانَةِ.

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 51)
وَيُقَالُ :
إِنَّ الْأَرْضَ تُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ:
·  أَوَّلُ نِدَاءٍ تَقُولُ : يَابْنَ آدَمَ تَمْشِي عَلَى ظَهْرِي وَمَصِيرُكَ إِلَى بَطْنِي،
·  وَالثَّانِي تَقُولُ يَابْنَ آدَمَ تَأْكُلُ الْأَلْوَانَ عَلَى ظَهْرِي وَتَأْكُلُكَ الدِّيدَانُ فِي بَطْنِي،
·  وَالثَّالِثُ تَقُولُ يَابْنَ آدَمَ تَضْحَكُ عَلَى ظَهْرِي فَسَوْفَ تَبْكِي عَلَى بَطْنِي،
·  وَالرَّابِعُ تَقُولُ يَابْنَ آدَمَ تَفْرَحُ عَلَى ظَهْرِي، فَسَوْفَ تَحْزَنُ فِي بَطْنِي،
·  وَالْخَامِسُ تَقُولُ يَابْنَ آدَمَ تُذْنِبُ عَلَى ظَهْرِي فَسَوْفَ تُعَذَّبُ فِي بَطْنِي. "

وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَار :
 * كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَهُ أُخْتٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فَاشْتَكَتْ فَكَانَ يَأْتِيهَا يَعُودُهَا ثُمَّ مَاتَتْ، فَجَهَّزَهَا وَحَمَلَهَا إِلَى قَبْرِهَا،
* فَلَمَّا دُفِنَتْ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهَا : ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ كِيسًا كَانَ مَعَهُ،
* فَاسْتَعَانَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَتَيَا الْقَبْرَ فَنَبَشَهَا، فَوَجَدَ الْكِيسَ،
* فَقَالَ لِلرَّجُلِ تَنَحَّ حَتَّى أَنْظُرَ عَلَى أَيِّ حَالٍ أُخْتِي،
* فَرَفَعَ بَعْضَ مَا كَانَ عَلَى اللَّحْدِ فَإِذَا الْقَبْرُ مُشْتَعِلٌ نَارًا،
* فَرَدَّهُ فَسَوَّى الْقَبْرَ فَرَجَعَ إِلَى أُمِّهِ،
* فَقَالَ : "أَخْبِرِينِي عَمَّا كَانَتْ أُخْتِي عَلَيْهِ، فَقَالَتْ : "وَلِمَ تَسْأَلُ عَنْ أُخْتِكَ، وَقَدْ هَلَكَتْ؟"
* قَالَ : "فَأَخْبِرِينِي".
* قَالَتْ: كَانَتْ أُخْتُكَ تُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، وَلَا تُصَلِّي بِطَهَارَةٍ تَامَّةٍ، وَتَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْجِيرَانِ إِذَا نَامُوا فَتُلْقِمُ أُذُنَهَا أَبْوَابَهُمْ فَتُخْرِجُ حَدِيثَهُمْ".
يَعْنِي : أَنَّهَا كَانَتْ تَسْمَعُ الْحَدِيثَ لِكَيْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَهُوَ سَبَبُ عَذَابِ الْقَبْرِ.

صحيح البخاري (1/ 53)
218 - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :
مَرَّ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ :
«إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ،
* أَمَّا أَحَدُهُمَا : فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ،
* وَأَمَّا الآخَرُ : فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»
ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»

تطريز رياض الصالحين (ص: 849)
في هذا الحديث: إثبات عذاب القبر، ووجوب إزالة النجاسة مطلقًا، والتحذير من ملابستها.
وفيه: أنَّ النميمة من الكبائر.

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنِ النَّمِيمَةِ، وَعَنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، لِيَنْجُوَ مِنْ عَذَابِهِ وَيَسْهُلَ عَلَيْهِ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]

37 - وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سُئِلَ الْمُسْلِمُ فِي الْقَبْرِ فَيَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» .
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] .
وَيَكُونُ التَّثْبِيتُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ لِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا، مُخْلِصًا، مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى.
أَحَدُهَا فِي حَالِ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَالثَّانِي فِي حَالِ سُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَالثَّالِثُ فِي حَالِ سُؤَالِهِ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَأَمَّا التَّثْبِيتُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَتَوْفِيقُ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ حَتَّى تَخْرُجَ رُوحُهُ وَهُوَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالثَّانِي أَنْ تُبَشِّرَهُ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَرَى مَوْضِعَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَالتَّثْبِيتُ فِي الْقَبْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنْ يُلَقِّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّوَابَ حَتَّى يُجِيبَهُمَا بِمَا يَرْضَى مِنْهُ الرَّبُّ، وَالثَّانِي أَنْ يَزُولَ عَنْهُ الْخَوْفُ وَالْهَيْبَةُ وَالدَّهْشَةُ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَرَى مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَصِيرَ الْقَبْرُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
وَأَمَّا التَّثْبِيتُ عِنْدَ الْحِسَابِ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنْ يُلَقِّنَهُ الْحُجَّةَ عَمَّا يَسْأَلُ عَنْهُ، وَالثَّانِي أَنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ الْحِسَابَ،

صحيح البخاري (2/ 98)
1369 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ،
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا - وَزَادَ - :
"{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [إبراهيم: 27] نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ." خ (1369)، م (2871)

صحيح البخاري (6/ 80)
4699 - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]

وَيَكُونُ التَّثْبِيتُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ لِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا، مُخْلِصًا، مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى.
أَحَدُهَا : فِي حَالِ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ،
وَالثَّانِي : فِي حَالِ سُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ،
وَالثَّالِثُ : فِي حَالِ سُؤَالِهِ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
·  فَأَمَّا التَّثْبِيتُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
* أَحَدُهَا : الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَتَوْفِيقُ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ حَتَّى تَخْرُجَ رُوحُهُ وَهُوَ عَلَى الْإِسْلَامِ،
* وَالثَّانِي : أَنْ تُبَشِّرَهُ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ،
* وَالثَّالِثُ : أَنْ يَرَى مَوْضِعَهُ مِنَ الْجَنَّةِ
·  وَالتَّثْبِيتُ فِي الْقَبْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
* أَحَدُهَا أَنْ يُلَقِّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّوَابَ حَتَّى يُجِيبَهُمَا بِمَا يَرْضَى مِنْهُ الرَّبُّ،
* وَالثَّانِي أَنْ يَزُولَ عَنْهُ الْخَوْفُ وَالْهَيْبَةُ وَالدَّهْشَةُ،
* وَالثَّالِثُ أَنْ يَرَى مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَصِيرَ الْقَبْرُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
·  وَأَمَّا التَّثْبِيتُ عِنْدَ الْحِسَابِ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
* أَحَدُهَا : أَنْ يُلَقِّنَهُ الْحُجَّةَ عَمَّا يَسْأَلُ عَنْهُ،
* وَالثَّانِي : أَنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ الْحِسَابَ،
* وَالثَّالِثُ : أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ الزَّلَلَ وَالْخَطَايَا،

وَيُقَالُ : التَّثْبِيتُ فِي أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ :
* أَحَدُهَا : عِنْدَ الْمَوْتِ،
* وَالثَّانِي : فِي الْقَبْرِ، حَتَّى يُجِيبَ بِلَا خَوْفٍ،
* وَالثَّالِثُ : عِنْدَ الْحِسَابِ،
* وَالرَّابِعُ : عِنْدَ الصِّرَاطِ، حَتَّى يَمُرَّ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ.

فَإِنْ سُئِلَ عَنْ سُؤَالِ الْقَبْرِ كَيْفَ هُوَ.
قِيلَ لَهُ :
"قَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ."
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ السُّؤَالُ لِلرُّوحِ دُونَ الْجَسَدِ، وَحِينَئذٍ تَدْخُلُ الرُّوحُ فِي جَسَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ.
وَقِيلَ تَكُونُ الرُّوحُ بَيْنَ جَسَدِهِ وَكَفَنِهِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُقِرَّ الْإِنْسَانُ بِسُؤَالِ الْقَبْرِ وَلَا يَشْتَغِلَ بِكَيْفِيَّتِهِ.
وَيَقُولُ اللَّهُ أعلَمُ كَيْفَ يَكُونُ وَإِنَّمَا نُعَانِيهِ إِذَا صِرْنَا إِلَيْهِ، فَإِذَا أَنْكَرَ أَحَدٌ سُؤَالَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فَإِنَّ إِنْكَارَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذَا لَا يَجُوُز مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ، إِذْ هُوَ خِلَاف الطَّبِيعَةِ، أَوْ يَقُولَ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ.
فَإِنْ قَالَ هَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيلِ النُّبُوَّةِ وَإِبْطَالِ الْمُعْجِزَةِ لِأَنَّ الرُّسُلَ كَانُوا مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَطَبِيعَتُهُمْ مِثْلَ طَبِيعَةِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ شَاهَدُوا الْمَلَائِكَةَ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ، وَانْفَلَقَ الْبَحْرُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَصَارَتْ عَصَاهُ ثُعْبَانًا، فَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ الطَّبِيعَةِ، فَنُكْرُ هَذَا يُخْرِجُ مِنَ الْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ دَخَلَ، وَإِنْ قَالَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ، فَنَحْنُ قَدْ رَوَيْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَنْ سَمِعَهَا، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ سُؤَالُ الْقَبْرِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]

لا شك في ثبوت عذاب القبر ونعيمه كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واتفاق سلف الأمة .

و أما كون العذاب على الجسد والروح جميعا أو على أحدهما دون الآخر ؟

فالأصل أن العذاب والنعيم في القبر يكون على الروح ، وقد تتصل الروح بالبدن فيصيبه شيء من العذاب أو النعيم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" فَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا " أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَلِبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَنَّهَا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ . ثُمَّ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى أُعِيدَتْ الأَرْوَاحُ إلَى أَجْسَادِهَا وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ" إ.هـ .من مجموع الفتاوى (4/ 284)

وَالأَحَادِيثُ التي تدل على هذه الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ منها ما رواه أبو داود ( 4127 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ :
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ . فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ ; فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : اسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا . وَذَكَرَ صِفَةَ قَبْضِ الرُّوحَ وَعُرُوجِهَا إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ عَوْدَهَا إلَيْهِ . إلَى أَنْ قَالَ : وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ يَا هَذَا مَنْ رَبُّك ؟ وَمَا دِينُك ؟ وَمَنْ نَبِيُّك ؟ . وَفِي لَفْظٍ :  فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ وَيَقُولانِ لَهُ : مَنْ رَبُّك ؟ فَيَقُولُ : رَبِّي اللَّهُ . فَيَقُولانِ لَهُ : مَا دِينُك ؟ فَيَقُولُ دِينِي الإِسْلامُ . فَيَقُولانِ . مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُرْسِلَ فِيكُمْ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ . هُوَ رَسُولُ اللَّهِ . فَيَقُولانِ : وَمَا يُدْرِيك ؟ فَيَقُولُ : قَرَأْت كِتَابَ اللَّهِ وَآمَنْت بِهِ وَصَدَّقْت بِهِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) قَالَ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى الْجَنَّةِ قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا قَالَ : وَيُفْسَحُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ : وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ .
وَقَالَ : وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ : مَنْ رَبُّك ؟ فَيَقُولُ هاه هاه لا أَدْرِي . فَيَقُولانِ لَهُ : مَا دِينُك ؟ فَيَقُولُ : هاه . هاه لا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى النَّارِ قَالَ : وَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا قَالَ : وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ قَالَ : ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ : فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا . ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ  ".

فَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ إلَى الْجَسَدِ وَبِاخْتِلافِ أَضْلاعِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى الرُّوحِ وَالْبَدَنِ مُجْتَمِعَيْنِ .

فَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَنَحْوِهَا اجْتِمَاعُ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ فِي نَعِيمِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وأَنَّ الرُّوحَ تُنَعَّمُ مَعَ الْبَدَنِ الَّذِي فِي الْقَبْرِ - إذَا شَاءَ اللَّهُ - .

وَأَمَّا انْفِرَادُ الرُّوحِ وَحْدَهَا بالعذاب أو النعيم ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ما يدل على ذلك وفي سنن النسائي ( 2073 ) عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :  إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يبعثه الله إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ  وصححه الألباني في صحيح النسائي .

وَقَوْلُهُ " يَعْلُقُ " أَيْ يَأْكُلُ .

فقد دلت هذه الأَحَادِيثِ على أَنَّ الْأَبْدَانَ الَّتِي فِي الْقُبُورِ تُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ - إذَا شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ - كَمَا يَشَاءُ ؛ وأن الروح تُنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ وَحْدَهَا وَكِلاهُمَا حَقٌّ .

و دلت كذلك على أَنَّ الأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ َمُنَعَّمَةً أوَمُعَذَّبَةً .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هل عذاب القبر على البدن أو على الروح
فأجاب :
الأصل أنه على الروح ، لأن الحكم بعد الموت للروح ، والبدن جثة هامدة ، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه ، فلا يأكل ولا يشرب ، بل تأكله الهوام ، فالأصل أنه على الروح ،
لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها ....
فبناء على ذلك قال العلماء إن الروح قد تتصل في البدن فيكون العذاب على هذا وهذا ، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه )
فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم لأن الأضلاع في الجسم . مجموع فتاوى ابن عثيمين (1/25)
والله تعالى أعلم .

شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (2/ 579)
وَلَيْسَ السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ لِلرُّوحِ وَحْدَهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَأَفْسَدُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لِلْبَدَنِ بِلَا رُوحٍ! وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ الْقَوْلَيْنِ.
وَكَذَلِكَ عَذَابُ الْقَبْرِ يَكُونُ لِلنَّفْسِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، تَنْعَمُ النَّفْسُ وَتُعَذَّبُ مُفْرَدَةً عَنِ الْبَدَنِ وَمُتَّصِلَةً بِهِ.

شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (2/ 578_579)
فَالرُّوحُ لَهَا بِالْبَدَنِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّعَلُّقِ، مُتَغَايِرَةِ الْأَحْكَامِ: أَحَدُهَا: تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي بَطْنِ الْأُمِّ جَنِينًا.
الثَّانِي: تَعَلُّقُهَا بِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
الثَّالِثُ: تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي حَالِ النَّوْمِ، فَلَهَا بِهِ تَعَلُّقٌ مِنْ وَجْهٍ، وَمُفَارَقَةٌ مِنْ وَجْهٍ.
الرَّابِعُ: تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي الْبَرْزَخِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ فَارَقَتْهُ وَتَجَرَّدَتْ عَنْهُ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفَارِقْهُ فِرَاقًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا إِلَيْهِ الْتِفَاتٌ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ وَرَدَ___رَدُّهَا إِلَيْهِ وَقْتَ سَلَامِ الْمُسَلِّمِ، وَوَرَدَ أَنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ.
وَهَذَا الرَّدُّ إِعَادَةٌ خَاصَّةٌ لَا يُوجِبُ حَيَاةَ الْبَدَنِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الْخَامِسُ: تَعَلُّقُهَا بِهِ يَوْمَ بَعْثِ الْأَجْسَادِ، وَهُوَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ تَعَلُّقِهَا بِالْبَدَنِ، وَلَا نِسْبَةَ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعَلُّقِ إِلَيْهِ، إِذْ هُوَ تَعَلُّقٌ لَا يَقْبَلُ الْبَدَنُ مَعَهُ مَوْتًا وَلَا نَوْمًا وَلَا فَسَادًا، فَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ. فَتَأَمُّلُ هَذَا يُزِيحُ عَنْكَ إِشْكَالَاتٍ كَثِيرَةً.