6 - (الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور).
1733 - (3)
[صحيح] وعن النواس بن سمعانَ رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - قال:
"البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما
حاكَ في صدْرِك، وكرِهْتَ أنْ يطَّلعَ عليه الناسُ".
رواه مسلم.
(حاكَ) بالحاء المهملة والكاف؛ أي: جال وتردد
(1).
|
قال
مقيده أبو فائزة :
وعن
وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فقال: ((جئت تسأل عن البر؟ قلت نعم قال _ استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس
واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس
وأفتوك)) حديث حسن، رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل، والدارمي بإسناد
صحيح.
|
__________
(1) كذا قال، وتعقبه الناجي بقوله (164/ 2):
"فيه تجوّز، إذ (الحيك): أخذ القول في القلب. يقال: ما يحيك فيه الكلام إذا
لم يؤثر فيه، ولا يحيك الفاس والقدوم في هذه الشجرة. . ." إلخ. وفي
"النهاية": أي: أثر فيها ورسخ.
من
فوائد والحديث :
تطريز رياض الصالحين (ص: 391)
قوله: «البر حسن الخلق» . أي: التخلق بالأخلاق
الحميدة، كطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، والرفق، والعدل، والإنصاف،
والإِحسان، والإِثْمُ هو ما أَثَّر في القلب ضيقًا ونفورًا، وكراهية، وهذا يرجع
إِليه عند الاشتباه إِذا كانت الفتوى بمجرد ظن من غير دليل شرعي.
شرح
المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3233)
مراعاة
المطابقة تقتضي أن يفسر حسن الخلق بما يقابل ما حاك في الصدر، وهو قوله: ((ما
اطمأنت إليه النفس والقلب)) كما في حديث وابصة[1]،
فوضع
موضعه حسن الخلق ليؤذن أن حسن لخلق هو ما اطمأنت إليه النفوس الشريفة الطاهرة من
أوضار الذنوب ومساوئ الأخلاق المتحلية بمكارم الأخلاق، من الصدق في المقال واللطف
في الأحوال والأفعال، وحسن معاملته مع الرحمن، ومعاشرته مع الإخوان وصلة الرحم
والسخاء والشجاعة.
تطريز
رياض الصالحين (ص: 391)
*
قوله: «البر حسن الخلق» . أي: التخلق بالأخلاق الحميدة، كطلاقة الوجه، وكف الأذى،
وبذل الندى، والرفق، والعدل، والإنصاف، والإِحسان،
*
والإِثْمُ : هو ما أَثَّر في القلب ضيقًا ونفورًا، وكراهية، وهذا يرجع إِليه عند
الاشتباه إِذا كانت الفتوى بمجرد ظن من غير دليل شرعي.
تطريز
رياض الصالحين (ص: 409)
البر:
الطاعة، والإِثم: المعصية، حسن الخلق يقتدر به صاحبه على فعل المحاسن وترك
المساوئ، والإِثم يذم صاحبه، والنفس بطبعها تحب المدح، وتكره الذمَّ.
فتح
الباري لابن رجب (1/ 16)
قال
البخاري: وقال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر.
قال
زين الدين ابن رجب: هذا الأثر لم أقف عليه إلى الآن في غير كتاب البخاري[2]
فتح
الباري لابن حجر (12/ 388_389)
قَالَ
بن السَّمْعَانِيِّ :
"وَإِنْكَارُ
الْإِلْهَامِ مَرْدُودٌ____وَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ مَا
يُكَرِّمُهُ بِهِ، وَلَكِنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي
ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا اسْتَقَامَ عَلَى الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَمْ
يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَرُدُّهُ فَهُوَ مَقْبُولٌ وَإِلَّا
فَمَرْدُودٌ يَقَعُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ."
ثُمَّ
قَالَ : "وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ يُكَرِّمُ عَبْدَهُ
بِزِيَادَةِ نُورٍ مِنْهُ يَزْدَادُ بِهِ نَظَرُهُ وَيَقْوَى بِهِ رَأْيُهُ،
وَإِنَّمَا نُنْكِرُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَلْبِهِ بِقَوْلٍ لَا يَعْرِفُ
أَصْلَهُ، وَلَا نَزْعُمُ أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ
يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ : فَإِنْ وَافَقَ الشَّرْعَ،
كَانَ الشَّرْعُ هُوَ الْحُجَّةَ." انْتَهَى
وَيُؤْخَذُ
مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ :
أَنَّ
النَّائِمَ لَوْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُهُ
بِشَيْءٍ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ امْتِثَالُهُ وَلَا بُدَّ أَوْ لَا بُدَّ أَنْ
يَعْرِضَهُ عَلَى الشَّرْعِ الظَّاهِرِ فَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا
تَقَدَّمَ." اهـ كلام الحافظ
التحبير
لإيضاح معاني التيسير (3/ 658) للصنعاني :
"قوله:
"وكرهت أن يطلع عليه الناس" فيه دليل أنّ الله جعل في القلوب إدراكاً
للذنوب، وأن الشيء الذي يكره اطلاع الناس عليه دليل على أنه من الإثم."
شرح
النووي على مسلم (16/ 111)
قَوْلُهُ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْبِرُّ : حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا
حَاكَ فِي صَدْرِكِ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ
الْبِرُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ وَبِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالْمَبَرَّةِ
وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ. وهذه الامور : هي
مجامع حسن الْخُلُقِ وَمَعْنَى حَاكَ فِي صَدْرِكِ أَيْ تَحَرَّكَ فِيهِ
وَتَرَدَّدَ وَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ الصَّدْرُ وَحَصَلَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ
الشَّكُّ وَخَوْفُ كَوْنِهِ ذَنْبًا
شرح
الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 94)
قوله
صلى الله عليه وسلم: "البر حسن الخلق" يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال
البر كما قال: "الحج عرفة" 1 أما البر فهو الذي يبر فاعله ويلحقه
بالأبرار وهم المطيعون لله عز وجل.
والمراد
بـ"حسن الخلق" : الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة والعدل في
الأحكام والبذل في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى
شرح
الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 95)
وقوله:
"والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" يعني: هو الشيء الذي
يورث نفرة في القلب وهذا أصل يتمسك به لمعرفة الإثم من البر: إن الإثم ما يحوك في
الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس، والمراد بالناس والله أعلم أماثلهم ووجوههم
لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم.
التعيين
في شرح الأربعين (1/ 204)
المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن
عبد الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: 716 هـ) :
اعلَم
أن النفس لها شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته، وما لا تحمد عاقبته، ولكن
الشهوة غالبة عليها بحيث توجب لها الإقدام على ما يضرها كاللص تغلبه الشهوة على
السرقة وهو خائف من الوالي أن يقطعه، والزاني ونحوه كذلك.
إذا
عرفت هذا فقد تضمنت هذه الجملة علامتي الإثم :
إحداهما:
تأثيره في النفس وتردده، وما ذلك إلا لشعورها بسوء عاقبته.
والثانية:
كراهية اطلاع الناس على الشيء يدل على أنه إثم لأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس
على خيرها وبرها. ومن ثم هلك جمع كثير من الناس بالرياء، فإذا____ثم يحتمل أن هذين
العلامتين علامة واحدة مركبة من أمرين، ويحتمل أنهما علامتان مستقلتان، والأول
أظهر لأنه عطف إحداهما على الأخرى بواو الجمع،
وينشأ
لنا من هذا قسمة رباعية، وهي أن الفعل إما أن يحيك في النفس ويكره اطلاع الناس
عليه، أو لا يحيك فيها ولا يكره اطلاعهم عليه، أو يحيك ولا يكره الاطلاع عليه، أو
يكره الاطلاع عليه ولا يحيك فيها، فإن حاك في النفس وكره الاطلاع عليه فهو إثم
كالربا والزنى، وإن لم يحك فيها، ولا كره الاطلاع عليه فليس بإثم كالعبادة والأكل
والشرب ونحوه، وإن حاك فيها ولم يكره الاطلاع عليه، أو كره الاطلاع عليه ولم يحك
في النفس فهذا إن أمكن وجوده مشتبه متردد بين الإثم والبر من باب قوله:
"الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات" أو يكون مكروهًا تنزيها.
والكراهة
المعتبرة ها هنا هي الكراهة الدينية الجازمة، فالدينية احتراز عن العادية، كمن
يكره أن يرى على الأكل حياء أو بخلًا ونحو ذلك، والجازمة احتراز عن غير الجازمة
كمن يكره أن يركب بين المشاة تواضعا أو نحوه، ثم لو رأى كذلك لم يبال لأن كراهته
لذلك غير جازمة.
واعلم
أن الأفعال إما من أعمال الجوارح، أو من أعمال القلوب، وعلى التقديرين فهي إما أن
لا يكره اطلاع الناس عليها كالعبادة والأكل والشرب___والإخلاص والمعرفة والتوكل
ونحوه فهو برٌّ، أو يكره اطلاع الناس عليه فهو إما من أعمال الجوارح كالزنا
والسرقة والغصب ونحوه فهو إثم، أو من أعمال القلوب فهو إمَّا مستقل أو غير مستقل
التعيين
في شرح الأربعين (1/ 207)
هذا
الحديث يقتضي أن الخطرات والهمم الضعيفة بالمعاصي إثم، لكن خصصنا عمومه بها لقوله _عليه
الصلاة والسلام_ : "إن الله تجاوز لأمتي" الحديث جمعا بين الحديثين.
وحينئذ
نقول: في كل عزم على معصية بدنية هذا العزم يحيك في النفس ويكره أن يطلع عليه
الناس، وكلما كان كذلك فهو إثم، فهذا العزم إثم، ومما يشهد لما ذكرناه قوله عليه
الصلاة والسلام: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في
النار" قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل
صاحبه" (1) فَعَلَّل دخولَه النار بحرصه على قتل صاحبه، وهو عزم مجرد ترتب
عليه العقاب فدل على أنه معصية.
التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية (ص: 63)
يستفاد
منه:
1
- ضابط البر والإثم.
2
- الترغيب في حسن الخلق.
3
- أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير، بل يعرف الحق بالنور الذي
في قلبه، وينفر عن الباطل فينكره.
شرح الأربعين النووية للعثيمين (ص: 269_270)
من
فوائد الحديث:
1.
... أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، يتكلم بالكلام اليسير وهو يحمل
معاني كثيرة لقوله (البر حسن الخلق) كلمة جامعة مانعة.
2.
... الحث على حسن الخلق وأنك متى أحسنت خلقك فإنك في بر.___
3.
... إن المؤمن الذي قلبه صافٍ سليم يحوك في نفسه الإثم وإن لم يعلم أنه إثم.___
4.
... إن الرجل المؤمن يكره أن يطلع الناس على آثامه لقوله ((وكرهت أن يطلع عليه
الناس)) أما الرجل الفاجر المتمرد فلا يكره أن يطلع الناس على آثامه، بل من الناس
من يفتخر ويفاخر بالمعصية كما يوجد في الفسقة الذين يذهبون إلى بلاد كلها___فجور
وخمور ثم يأتي مفتخرا فيتحدث أنه فجر بكم إمرأة، وأنه شرب كم كأسا من الخمر فتكون
السئية عنده حسنة، ويكون مستهترا بأحكام الله عز وجل، ومثل هذا يستتاب فإن تاب
وإلا قتل. لأن هذا من أعظم السخرية بدين الله عز وجل، يأتي يتبجح بما وصفه الله
بأنه فاحشة كالزنى ويأتي يتبجح بشرب من لعن النبي صلي الله عليه وسلم شاربه فأين
الدين وأين الإيمان.
وإذا
عومل مثل هذا بما يستحق ارتدع كثير من الناس عن مثل هذه الأمور. والله المستعان.
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (8 / 3173)
(حُسْنُ الْخُلُقِ) أَيْ: مَعَ الْخَلْقِ
بِأَمْرِ الْحَقِّ أَوْ مُدَارَاةُ الْخَلْقِ، وَمُرَاعَاةُ الْحَقِّ.
#
قِيلَ: فُسِّرَ الْبِرُّ فِي الْحَدِيثِ بِمَعَانٍ شَتَّى، فَفَسَّرَهُ فِي
مَوْضِعٍ (بِمَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ
الْقَلْبُ)،
#
وَفَسَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ (بِالْإِيمَانِ)، وَفِي مَوْضِعٍ (بِمَا يُقَرِّبُكَ
إِلَى اللَّهِ)،
#
وَهُنَا (بِحُسْنِ الْخُلُقِ)،
وَفُسِّرَ
حُسْنُ الْخُلُقِ بِاحْتِمَالِ الْأَذَى وَقِلَّةِ الْغَضَبِ وَبَسْطِ الْوَجْهِ
وَطِيبِ الْكَلَامِ،
وَكُلُّهَا
مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: الْبِرُّ هُنَا الصِّلَةُ وَالتَّصَدُّقُ وَالطَّاعَةُ،
وَيَجْمَعُهَا حُسْنُ الْخُلُقِ.
وَقَالَ
بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : تَلْخِيصُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ
يُقَالَ: الْبِرُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ
الْمُقَرِّبَاتِ، وَمِنْهُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَهُوَ اسْتِرْضَاؤُهُمَا
بِكُلِّ مَا أَمْكَنَ،
=================================
1734 - (4) [حسن لغيره] وعن وابصة بن معبدٍ رضي
الله عنه قال:
أتيتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - وأنا أريد أنْ لا أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألت عنه، فقال لي:
"ادنُ يا وابصةُ! "، فدنوت منه حتى
مَسَّتْ ركبتي ركبتَه، فقال لي:
"يا وابصةُ! أخبرك ما جئت تسألُ عنه؟
".
قلت: يا رسول الله! أخبرني. قال:
"جئتَ تسألُ عن البر والإثم".
قلت: نعم. فجمع أصابعه الثلاث، فجعل ينكتُ بها
في صدري ويقول:
"يا وابصةُ! استَفْتِ قلبَك، البرُّ ما
اطمأنتْ إليه النفس، واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما حاكَ في القلبِ، وتردَّدَ في
الصدرِ وإن أفتاكَ الناسُ وأَفْتَوْكَ".
رواه أحمد بإسناد حسن
من
فوائد الحديث :
شرح الأربعين النووية للعثيمين (ص: 272_273)
من فوائد الحديث:
1. ... حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حيث
يتقدم للسائل بما في نفسه ليستريح ويطمئن لقوله (جئت تسأل عن البر؟) .
2. ... جواز حذف همزة الإستفهام إذا دل عليها
الدليل، لكن هذا ليس حكما شرعيا إنما هو حكم لغوي.
3. ... أن (نعم) جواب لإثبات ما سئل عنه فقول
وابصة رضي الله عنه (نعم) أي جئت أسأل عن البر؛ ولهذا لو أجاب الإنسان بها من سأله
عن شيء فمعناها إثبات ذلك الشيء.
4. ... جواز الرجوع إلى القلب والنفس لكن بشرط
أن يكون هذا الذي رجع إلى قلبه ونفسه ممن استقام دينه؛ فإن الله عز وجل يؤيد من
علم الله منه صدق النية.
5. ... أن الصوفية وأشباههم استدلوا بهذا
الحديث على أن الذوق دليل شرعي يرجع إليه لأنه قال: (استفت قلبك) فما وافق عليه
القلب فهو بر.
فيقال: هذا لا يمكن لأن الله تعالى أنكر على من
شرعوا دينا لم يأذن به الله، ولا يمكن أن يكون ما أنكره الله حقا أبدا.
ثم إن الخطاب هنا لرجل صحابي حريص على تطبيق
الشريعة فمثل هذا يؤيده الله عز وجل ويهدي قلبه حتى لا يطمئن إلا إلى أمر محبوب
إلى الله عز وجل
6. ... أن لا يغتر الإنسان بإفتاء الناس لا
سيما إذا وجد في نفسه ترددا؛ فإن كثيراً
من الناس يستفتي عالما أو طالب علم فيفتيه ثم
يتردد ويشك؛ فهل لهذا الذي تردد وشك___أن يسأل عالما آخر؟
الجواب: نعم بل يجب عليه أن يسأل عالما آخر إذا
تردد في جواب الأول.
7. ... أن المدار في الشرعية على الأدلة لا على
ما أشتهر بين الناس لأن الناس
قد يشتهر عندهم شيء ويفتون به وليس بحق فالمدار
على الأدلة الشرعية والله الموفق." اهـ
فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين
للنووي وابن رجب رحمهما الله (ص: 94_95) :
8 مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1 بيان عظم شأن حسن الخلق.
2 أنَّ البرَّ والإثمَ من الكلمات الجامعة.
3 أنَّ المسلمَ يُقْدِم في أمور دينه على فعل
ما هو واضح الحلِّ دون ما هو مشتبه.___
4 أنَّ المؤمن الذي يخاف الله لا يفعل ما لا
يطمئن إليه قلبه، ولو أُفتي به، ما لم يكن أمراً واضحاً في الشرع كالرخص.
5 حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة الحلال
والحرام والبر والإثم.
==============================
1735 - (5) [صحيح] وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال:
قلت: يا رسولَ الله! أخْبِرْني ما يَحِلُّ لي
ويحرُمُ عليَّ؟ قال:
"البِرُّ ما سَكَنَتْ إليه النفسُ،
واطْمَأنَّ إليه القلْبُ، والإثْمُ ما لَمْ تَسْكُنْ إليه النفسُ، ولَمْ يَطْمئنَّ
إليه القَلْبُ، وإنْ أَفتاكَ المُفْتونَ".
رواه أحمد بإسناد جيد.
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3174)
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا خَلَى وَطَبْعُهُ
الْأَصْلِيُّ اخْتَارَ الْوَجْهَ الْأَحْسَنَ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ
وَالْأَفْعَالِ، وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ، كَمَا حُقِّقَ فِي حَدِيثِ: "
«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " وَحَاصِلُ الْجَوَابِ عَلَى
طَرِيقِ الِاسْتِيعَابِ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَجْزِمَ
الْعَقْلُ بِاسْتِحْسَانِهِ، أَوْ بِاسْتِقْبَاحِهِ، أَوْ يَتَرَدَّدَ فِيمَا
بَيْنَهُمَا. فَالْأَوَّلُ هُوَ الْبِرُّ وَمَا عَدَاهُ هُوَ الْإِثْمُ، وَهَذَا
تَمْهِيدُ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ تَحْتَهَا مَسَائِلُ جُزْئِيَّةٌ فِيمَا لَمْ يُعْرَفْ
مِنَ الشَّرْعِ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ عَلَى طَرِيقِ الْيَقِينِ فِي
الْعِلْمِيَّاتِ، وَعَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ أَيْضًا فِي الْعَمَلِيَّاتِ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 439)
لِأَنَّهُ تَعَالَى فطر عباده على الْميل إِلَى
الْحق والسكون إِلَيْهِ وركز فِي طبعهم حبه
التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 583)
وقوله. (وإن أفتاك المفتون) فيه أنه جعل القلوب
مدركة للبر والإثم وأنه أقدم من إفتاء المفتين وذلك لأن على قلب المؤمن نوراً ينفذ
فإذا ورد عليه الحق التقى هو ونور القلب فامتزجا واعترفا فاطمأن القلب وهش، وإذا
ورد عليه الباطل نفر القلب منه ولم يمازجه فاضطرب القلب
================================
1736 - (6) [صحيح] وعن أنسٍ رضي الله عنه؛
أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - وجدَ تَمْرةً في الطريقِ، فقال:
"لولا أنِّي أخافُ أنْ تكونَ مِنَ
الصدَقَةِ لأكَلْتُها".
رواه البخاري ومسلم.
تطريز رياض الصالحين (ص: 390_391)
وفي الحديث: أنه ينبغي للإِنسان إذا شك في
إِباحة شيء أن لا يفعله ما لم يُفْضِ إلى التنطع وأن الشيء التافه يجوز التقاطه من
غير تعريف.
ورأى عمر____رضي الله عنه رجلاً ينادي على عنبة
التقطها، فضربه بالدِّرَّة وقال: إنَّ من الورع ما يمقت الله عليه.
وقال البخاري: باب من لم ير الوساوس ونحوها من
الشبهات. وذكر حديث عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
الرجل يجد في الصلاة شيئًا أيقطع الصلاة؟ قال: «لا حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحًا» .
وحديث
عائشة رضي الله عنها: أن قومًا قالوا: يَا رسول
الله إنَّ قومًا يأْتوننا باللحم لا ندري أَذكروا اسم الله عليه أَم لا؟ فقال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَمَّوا الله عليه وكلوه» .
قال بعض العلماء: قد أُتي النبي - صلى الله
عليه وسلم - بجبنة وجبة، فأكل ولبس ولم ينظر لاحتمال مخالطة الخنزير لهم، ولا إِلى
صُوفِها من مذبوح أو ميتة. ولو نظر أَحدٌ للاحتمال المذكور لم يجد حلالاً على وجه
الأرض. وقال بعضهم: لا يتصور الحلال بيقين إلا في ماء المطر النازل من المساء
الملتقي باليد.
أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (2/ 1007)
فيه من العِلم: أن التمرة ونحوها من اللَّقَط ,
لا يُستأسى بها
الحول للتعريف , وإن لواجِدِها أكلَها على
المكان.
وفيه: دلالة على أنه لا يجب في اللُّقطة على
واجدها أن يتصدق
بها , ولو كان سبيلها أن يتصدق بها لم يَقُل
لأكلتُها.
شرح النووي على مسلم (7/ 177)
فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْوَرَعِ كَمَا سَبَقَ
وَفِيهِ أَنَّ التَّمْرَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ مُحَقَّرَاتِ الْأَمْوَالِ لَا يَجِبُ
تَعْرِيفُهَا بَلْ يُبَاحُ أَكْلُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا فِي الْحَالِ
لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ
تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَا لِكَوْنِهَا لُقَطَةً وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ
================================
1737 - (7) [صحيح] وعن الحسن بن علي رضي الله
عنهما قال: حفظت من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"دع ما يُرِيبُكَ إلى ما لا
يُريبُكَ"
رواه الترمذي والنسائي، وابن حبان في
"صحيحه"، وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
من فوائد الحديث :
من
فوائد الحديث :
تطريز
رياض الصالحين (ص: 392)
فيه:
إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه.
شرح
صحيح البخارى لابن بطال (6/ 196)
فكأن
فى فتياه عليه السلام باجتناب الشبهات دلالة على اختيار القول فى الفتوى،
والاحتياط فى النوازل والحوادث المحتملات للتحليل والتحريم التى لا يقف العالم على
حلالها وحرامها؛ لاشتباه أسبابها،
وهذا
معنى قوله عليه السلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) يقول: دع ما تشك فيه ولا
تتيقن إباحته، وخذ ما لا شك فيه ولا التباس.
وقال
ابن المنذر :
"قال
بعضهم : الشبهات تنصرف على وجوه :
فمنها
: شىء يعلمه المرء محرمًا ثم يشك فيه هل حل ذلك أم لا، فما كان من هذا النوع فهو
على أصل تحريمه، لا يحل التقدم عليه إلا بيقين، مثل الصيد حرام على المرء أكله قبل
ذكاته، وإذا شك فى ذكاته لم يزل عن التحريم إلا بيقين الذكاة، والأصل فيه حديث عدى
بن حاتم أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال له: (إذا أرسلت كلبك فخالطه كلب لم تسم
عليه فلا تأكل؛ فإنك لا تدرى أيهما قتله) ، وهذا أصل لكل محرم أنه على تحريمه حتى
يعلم أنه قد صار حلالا بيقين." اهـ
التعيين
في شرح الأربعين (1/ 120) نجم الدين الطوفي :
واعلم
أن الأشياء إما واضح الحِل، أو واضح الحرمة، أو مرتاب فيه، والريبة، قد تقع في
العبادات والمعاملات والمناكحات وسائر أبواب الأحكام، وترك الريبة في ذلك كله إلى
غيرها أمر عميم النفع كثير الفائدة
وتفاصيل
ذلك تكثر، وهذه قاعدته، والله عزَّ وجلَّ أعلم بالصواب.
|
شرح مختصر من جامع العلوم والحكم :
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 280)
وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَرْجِعُ إِلَى
الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَاتِّقَائِهَا، فَإِنَّ الْحَلَالَ الْمَحْضَ
لَا يَحْصُلُ لِمُؤْمِنٍ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ رَيْبٌ - وَالرَّيْبُ: بِمَعْنَى
الْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ - بَلْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَيَطْمَئِنُّ
بِهِ الْقَلْبُ، وَأَمَّا الْمُشْتَبِهَاتُ فَيَحْصُلُ بِهَا لِلْقُلُوبِ
الْقَلَقُ وَالِاضْطِرَابُ الْمُوجِبُ لِلشَّكِّ.
·
وَقَالَ
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ
وَرِعًا، تَرَكَ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ.
·
وَقَالَ
الْفُضَيْلُ: يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ الْوَرَعَ شَدِيدٌ، وَمَا وَرَدَ عَلَيَّ
أَمْرَانِ إِلَّا أَخَذْتُ بِأَشَدِّهِمَا، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا
يَرِيبُكَ.
·
وَقَالَ
حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا شَيْءٌ أَهْوَنُ مِنَ الْوَرَعِ، إِذَا
رَابَكَ شَيْءٌ، فَدَعْهُ. وَهَذَا إِنَّمَا يَسْهُلُ عَلَى مِثْلِ حَسَّانَ
رَحِمَهُ اللَّهُ.
·
قَالَ ابْنُ
الْمُبَارَكِ: كَتَبَ غُلَامٌ لِحَسَّانَ بْنِ أَبِي سِنَانٍ إِلَيْهِ مِنَ
الْأَهْوَازِ: إِنَّ قَصَبَ السُّكَّرِ أَصَابَتْهُ آفَةٌ، فَاشْتَرِ السُّكَّرَ
فِيمَا قِبَلَكَ، فَاشْتَرَاهُ مِنْ رَجُلٍ، فَلَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ إِلَّا
قَلِيلٌ فَإِذَا فِيمَا اشْتَرَاهُ رِبْحُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، قَالَ: فَأَتَى
صَاحِبَ السُّكَّرِ، فَقَالَ: يَا هَذَا إِنَّ غُلَامِي كَانَ قَدْ كَتَبَ
إِلَيَّ، فَلَمْ أُعْلِمْكَ، فَأَقَلَّنِي فِيمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ، فَقَالَ
لَهُ الْآخَرُ: قَدْ أَعْلَمْتَنِي الْآنَ، وَقَدْ طَيَّبْتُهُ لَكَ، قَالَ: فَرَجَعَ
فَلَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا هَذَا إِنِّي لَمْ آتِ
هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَأُحِبُّ أَنَّ تَسْتَرِدَّ هَذَا
الْبَيْعَ، قَالَ: فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى رَدَّهُ عَلَيْهِ.________
·
وَكَانَ
يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ إِذَا طَلَبَ الْمَتَاعَ وَنَفَقَ، وَأَرْسَلَ
يَشْتَرِيهِ يَقُولُ لِمَنْ يَشْتَرِي لَهُ: أَعْلِمْ مَنْ تَشْتَرِي مِنْهُ
أَنَّ الْمَتَاعَ قَدْ طُلِبَ.
·
وَقَالَ
هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: تَرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا
فِيمَا لَا تَرَوْنَ بِهِ الْيَوْمَ بَأْسًا.
·
وَكَانَ
الْحَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ قَدْ بَعَثَ طَعَامًا إِلَى الْبَصْرَةِ مَعَ رَجُلٍ
وَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ يَوْمَ يَدْخُلُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، فَأَتَاهُ
كِتَابُهُ: إِنِّي قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ، فَوَجَدْتُ الطَّعَامَ مُبَغَّضًا
فَحَبَسْتُهُ، فَزَادَ الطَّعَامُ، فَازْدَدْتُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا، فَكَتَبَ
إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: إِنَّكَ قَدْ خُنْتَنَا، وَعَمِلْتَ بِخِلَافِ مَا
أَمَرْنَاكَ بِهِ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي، فَتَصَدَّقْ بِجَمِيعِ ثَمَنِ
الطَّعَامِ عَلَى فُقَرَاءِ الْبَصْرَةِ، فَلَيْتَنِي أَسْلَمُ إِذَا فَعَلْتَ
ذَلِكَ.
·
وَتَنَزَّهَ
يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَمْسِائَةِ أَلْفٍ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ، فَلَمْ
يَأْخُذْهُ، وَكَانَ أَبُوهُ يَلِي الْأَعْمَالَ لِلسَّلَاطِينِ، وَكَانَ
يَزِيدُ يَعْمَلُ الْخُوصَ، وَيَتَقَوَّتُ مِنْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ رَحِمَهُ
اللَّهُ.
·
وَكَانَ
الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ قَدِ احْتَكَرَ طَعَامًا كَثِيرًا، فَرَأَى
سَحَابًا فِي الْخَرِيفِ فَكَرِهَهُ، فَقَالَ: أَلَا أُرَانِي قَدْ كَرِهْتُ مَا
يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَآلَى أَنْ لَا يَرْبَحَ فِيهِ شَيْئًا، فَأَخْبَرَ
بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: جَزَاكَ اللَّهُ
خَيْرًا.[3]
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 282_283)
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ
الْخُرُوجَ مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ
الشُّبْهَةِ، وَلَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا
وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ مِنْ
مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ مَا ثَبَتَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُخْصَةٌ لَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ، فَاتِّبَاعُ تِلْكَ
الرُّخْصَةِ أَوْلَى مِنِ اجْتِنَابِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الرُّخْصَةُ
بَلَغَتْ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ، فَامْتَنَعَ مِنْهَا لِذَلِكَ، وَهَذَا كَمَنْ
تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَنْصَرِفُ
حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ شَكُّهُ
فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا لِصِحَّةِ
النَّهْيِ___عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُوجِبُ ذَلِكَ.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 283)
وَهَاهُنَا أَمْرٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ
وَهُوَ أَنَّ التَّدْقِيقَ فِي التَّوَقُّفِ عَنِ الشُّبُهَاتِ إِنَّمَا
يَصْلُحُ لِمَنِ اسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُ كُلُّهَا، وَتَشَابَهَتْ أَعْمَالُهُ
فِي التَّقْوَى وَالْوَرَعِ، فَأَمَّا مَنْ يَقَعُ فِي انْتِهَاكِ
الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَرَّعَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ
دَقَائِقِ الشُّبَهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يُنْكَرُ
عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ مِنْ
أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَسْأَلُونَنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا
الْحُسَيْنَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
«هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا»
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 285)
وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "
«إِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» " يُشِيرُ
إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ كَمَا
قَالَ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ: " «وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»
" وَإِنَّمَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الصِّدْقَ، وَعَلَامَةُ
الصِّدْقِ أَنَّهُ تَطْمَئِنُّ بِهِ الْقُلُوبُ، وَعَلَّامَةُ الْكَذِبِ أَنَّهُ
تَحْصُلَ بِهِ الرِّيبَةُ، فَلَا تَسْكُنُ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ، بَلْ تَنْفِرُ
مِنْهُ.
وَمِنْ هُنَا كَانَ الْعُقَلَاءُ فِي عَهْدِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعُوا كَلَامَهُ وَمَا
يَدْعُو إِلَيْهِ، عَرَفُوا أَنَّهُ صَادِقٌ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ،
وَإِذَا سَمِعُوا كَلَامَ مُسَيْلِمَةَ، عَرَفُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَأَنَّهُ
جَاءَ بِالْبَاطِل
|
شرح
المصابيح لابن الملك (3/ 390)
إن
نفسَ المؤمن تطمئنُّ للصدق وترتاب للكذب، فارتيابُكَ فيه أَمَارةُ بطلانه،
وطُمَأْنِينتُك فيه علامة حَقِّيته.
الفتح
المبين بشرح الأربعين (ص: 297)
ثم
هذا الحديث قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الدين، وأصلٌ في الورع الذي عليه مدار اليقين،
ومنجٍ من ظُلَم الشكوك والأوهام المانعة لنور اليقين.
ومن
ثم تنزَّه يزيد بن زريع عن خمس مئة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذها، وكان أبوه يلي
الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوَّت منه إلى أن مات.
وقال
الفضيل: (يزعم الناس أن الورع شديد، وما ورد عليَّ أمران إلا أخذت بأشدهما، فدع ما
يريبك إلى ما لا يريبك) (2).
وقال
حسان بن أبي سنان: (ما شيءٌ أهون من الورع، إذا رابك شيءٌ. . فدعه) (3) وهذا إنما
يَسهُل على مثله رضي اللَّه تعالى عنه.
واحتكر
المِسْوَر بن مخرمة طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا في الخريف فكرهه، ثم قال: أراني
كرهت ما ينفع المسلمين، فآلى ألَّا يربحَ فيه شيئًا، فأخبر بذلك عمر رضي اللَّه
تعالى عنه، فقال له: (جزاك اللَّه خيرًا) (4)؛ وفيه: أن المحتكر ينبغي له أن
يتنزَّه عن ربح ما احتكره احتكارًا منهيًا عنه.
وسُئلتْ
عاشة رضي اللَّه تعالى عنها عن أكل الصيد للمحرم، فقالت: (إنما هي أيامٌ قلائل،
فما رابك. . فدعه) (5) يعني: ما اشتبه عليك هل هو حلالٌ أو حرامٌ_____فاتركه؛
فإن
العلماء اختلفوا في إباحة الصيد للمحرم إذا لم يصده هو، ومن ثَمَّ كان الخروج من
الخلاف أفضل؛ لأنه أبعد عن الشبهة.
|
(2) أخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق"
(48/ 432) نحوه.
(3) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الورع"
(47).
(4) أخرجه الإمام أحمد في "الزهد"
(1140).
(5) انظر "جامع العلوم والحكم" (1/
282).
|
مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1899)
وَالْمَقْصُودُ
أَنْ يَبْنِيَ الْمُكَلَّفُ أَمْرَهُ عَلَى الْيَقِينِ الْبَحْتِ وَالتَّحْقِيقِ
الصِّرْفِ، وَيَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ
مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1899)
وَقَدْ
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: جَاءَ هَذَا الْقَوْلُ مُمَهِّدًا
لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا وَجَدْتَ نَفْسَكَ
تَرْتَابُ فِي الشَّيْءِ فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَطْمَئِنُّ
إِلَى الصِّدْقِ وَتَرْتَابُ مِنَ الْكَذِبِ، فَارْتِيَابُكَ فِي الشَّيْءِ
مُنْبِئٌ عَنْ كَوْنِهِ بَاطِلًا أَوْ مَظَنَّةً لِلْبَاطِلِ فَاحْذَرْهُ، وَاطْمِئْنَانُكَ
إِلَى الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَاسْتَمْسِكْ بِهِ، وَالصِّدْقُ
وَالْكَذِبُ يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَقَالِ وَالْفِعَالَ وَمَا يَحِقُّ أَوْ
يَبْطُلُ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مَخْصُوصٌ بِذَوِي النُّفُوسِ
الشَّرِيفَةِ الْقُدْسِيَّةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ أَوْضَارِ الذُّنُوبِ وَأَوْسَاخِ
الْآثَامِ. اهـ
التيسير
بشرح الجامع الصغير (1/ 510)
فَمَا
اطْمَأَن إِلَيْهِ الْقلب فَهُوَ بالحلال أشبه وَمَا نفر عَنهُ فَهُوَ بالحرام
أشبه
فيض
القدير (3/ 425)
فما
اطمأن إليه القلب فهو بالحلال أشبه وما نفر عنه فهو بالحرام أشبه قال الحكيم: هذا
عند المحققين الموصوفين بطهارة القلوب ونور اليقين فأولئك هم أهل هذه الرتبة أما
العوام والعلماء الذين غذوا بالحرام فلا التفات إلى ما تطمئن إليه قلوبهم المحجبة
بحجب الظلمات
فيض
القدير (3/ 529)
والحاصل
أن الصدق إذا مازج قلب الكامل امتزج نوره بنور الأيمان فاطمأن وانطفأ سراج الكذب
فإن الكذب ظلمة والطلمة لا تمازج النور
فيض
القدير (3/ 529)
وفي
هذه الأحاديث عموم يقتضي أن الريبة تقع في العبادات والمعاملات وسائر أبواب
الأحكام وإن ترك الريبة في ذلك كله ورع قالوا: وهذه الأحاديث قاعدة من قواعد الدين
وأصل في الورع الذي عليه مدار اليقين وراحة من ظلم الشكوك والأوهام المانعة لنور
اليقين <تنبيه> قال العسكري: لو تأملت الحذاق هذا الحديث لتيقنوا أنه قد
استوعب كل ما قيل في تجنب الشبهات
التحفة
الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية (ص: 29)
يستفاد
منه:
1
- أن على المسلم بناء أموره على اليقين. وأن يكون في دينه على بصيرة.
2
- النهي عن الوقوع في الشبهات، والحديث أصل عظيم في الورع وقد روى الترمذي من حديث
عطية السعدي مرفوعا ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا
مما به البأس)).
شرح
الأربعين النووية للعثيمين (ص: 154)
وهذا
الحديث من جوامع الكلم وما أجوده وأنفعه للعبد إذا سار عليه، فالعبد يرد عليه شكوك
في أشياء كثيرة، فنقول: دع الشك إلى ما لاشكّ فيه حتى تستريح وتسلم، فكل شيء يلحقك
به شكّ وقلق وريب اتركه إلى أمر لا يلحقك به ريب، وهذا مالم يصل إلى حد الوسواس،
فإن وصل إلى حد الوسواس فلا تلتفت له.
وهذا
يكون في العبادات، ويكون في المعاملات، ويكون في النكاح، ويكون في كل أبواب العلم.
شرح الأربعين النووية للعثيمين (ص: 156_158)
من
فوائد هذا الحديث:
.
1أن الدين الإسلامي لا يريد من أبنائه أن يكونوا في شكّ ولا قلق، لقوله: دَعْ مَا
يرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَيَرِيْبُكْ.
.
2أنك إذا أردت الطمأنينة والاستراحة فاترك المشكوك فيه واطرحه جانباً، لاسيّما بعد
الفراغ من العبادةحتى لايلحقك القلق، ومثاله: رجل طاف بالبيت وانتهى وذهب إلى مقام
إبراهيم ليصلي، فشك هل طاف سبعاً أو ستًّا فماذا يصنع؟
الجواب:
لايصنع شيئاً، لأن الشك طرأ بعد الفراغ من العبادة، إلا إذا تيقن أنه طاف ستًّا
فيكمل إذا لم يطل الفصل.________
.
3أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، لأن
هاتين____الجملتين: "دع مايريبك إلى مالايريبك" لو بنى عليهما الإنسان
مجلداً ضخماً لم يستوعب ما يدلان عليه من المعاني، وصلى الله على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم." اهـ من كلام الشيخ العثيمين
فتح
القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله (ص: 56)
1
هذا الحديث فيه الأمرُ بترك ما يرتاب المرءُ فيه ولا تطمئنّ إليه نفسه، ويحدث
قلقاً واضطراباً في النفس، وأن يصير إلى ما يرتاح إليه قلبُه وتطمئنّ إليه نفسه.
وهذا
الحديث شبيه بما تقدَّم في حديث النعمان بن بشير: "فمن اتَّقى الشبهات فقد
استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام"، وهما يدلاَّن
على أنَّ المتَّقي ينبغي له ألاَّ يأكل المال الذي فيه شبهة، كما يحرم عليه أكل
الحرام.
2
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/280) : "ومعنى هذا الحديث يرجع إلى
الوقوف عند الشبهات واتِّقائها؛ فإنَّ الحلالَ المحضَ لا يحصلُ للمؤمن في قلبه منه
ريب، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس، ويطمئنّ به القلب، وأمَّا
المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشكِّ".
وقال
أيضاً (1/283) : "وها هنا أمرٌ ينبغي التفطُّن له، وهو أنَّ التدقيق في التوقف
عن الشبهات إنَّما يصلح لِمَن استقامت أحواله كلُّها، وتشابهت أعماله في التقوى
والورع، فأمَّا مَن يقع في انتهاك المحرَّمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورَّع عن شيء
من دقائق الشُّبَه، فإنَّه لا____يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابن عمر
لِمَن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: "يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا
الحسين، وسمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: (هما ريحانتاي من الدنيا)
".
3
مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1
ترك ما يكون فيه ريبة، والأخذ بما لا ريبة فيه.
2
أنَّ تركَ ما يُرتاب فيه فيه راحة للنفس وسلامتها من القلق.
ذخيرة
العقبى في شرح المجتبى (40/ 348)
(المسألة
الثالثة): فِي فوائده:
(منها):
ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ عَلَى ترك الشبهات. (ومنها): أن
الْحَدِيث فيه إثبات صحبة الحسن -رضي الله عنه-، وأنه سمع منْ رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- (ومنها): أن منْ شك فِي شيء منْ الأقوال والأعمال أنه منهيّ عنه أم لا،
أو سنة أو بدعة، ترك ذلك، وعدَل إلى ما لا يشك فيه منهما، والمقصود أن يبني
المكلّف أمره عَلَى اليقين البحت، والتحقيق الصرف، ويكون عَلَى بصيرة فِي دينه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إغاثة
اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 163_164)
قال
شيخنا: "والاحتياط حسن، ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة. فإذا أفضى إلى
ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط"، وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله صلى
الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِه
وَعِرْضِهِ" وقوله: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ"
وقوله: "الإِثمُ مَا حَاكَ فى الصَّدْرِ".
فهذا
كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس.
فإن
الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل، والحلال بالحرام، على وجه لا يكون فيه دليل
على أحد الجانبين، أو تتعارض الأمارتان عنده، فلا يترجح فى ظنه احداها، فيشتبه
عليه هذا بهذا، فأرشده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ترك المشتبه والعدول
إلى الواضح الجلى.
ومعلوم
أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة، أم معصية وبدعة؟ هذا أحسن
أحواله،
والواضح
الجلى هو اتباع طريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وما سنه للأمة قولا
وعملا. فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح. فكيف ولا شبهة
بحمد الله هناك؟ إذ قد بينت بالسنة أنه تنطع وغلو، فالمصير إليه ترك للسنة، وأخذ
بالبدعة، وترك لما يحبه الله تعالى ويرضاه، وأخذ بما يكرهه ويبغضه، ولا يتقرب به
إليه البتة، فإنه لا يتقرب إليه إلا بما شرع، لا بما يهواه العبد ويفعله من
تلقاء___
نفسه.
فهذا هو الذى يحيك فى الصدر ويتردد فى القلب، وهو حوازّ القلوب.
وأما
التمرة التى ترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أكلها، وقال:
"أَخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ".
فذلك
من باب اتقاء الشبهات، وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام، فإن التمرة كانت قد
وجدها فى بيته، وكان يؤتى بتمر الصدقة، يقسمه على من تحل له الصدقة، ويدخل بيته
تمر يقتات منه أهله، فكان فى بيته النوعان، فلما وجد تلك التمرة لم يدر عليه
الصلاة والسلام، من أى النوعين هى؟ فأمسك عن أكلها. فهذا الحديث أصل فى الورع
واتقاء الشبهات، فما لأهل الوسواس وما له؟"
تطريز رياض الصالحين (ص: 55)
معنى هذا الحديث: يرجع إلى الوقوف عند الشبهات،
ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه.
وفيه إشارة إلى الرجوع إلى القلوب الطاهرة
والنفوس الصافية عند الاشتباه، فإن نفس المؤمن جبلت على الطمأنينة إلى الصدق،
والنفر من الكذب.
================================
1738 - (8) [صحيح موقوف] وعن عائشة رضي الله
عنها قالت:
كان لأبي بكرٍ الصديقِ رضي الله عنه غلامٌ
يُخْرِجُ له الخَراجَ، وكانَ أبو بكْرٍ يأكُلُ من خرَاجِه، فجاءَ يوماً بشَيءٍ،
فأكلَ منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: أتدْري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قال:
كنتُ تَكهَّنْتُ لإنْسانٍ في الجاهِليَّة؛ وما أُحِسنُ الكهانَة إلا أنِّي
خدعْتُه، فلقيني فأعْطاني لذلك هذا الذي أكلْتَ منه! فأدَّخَل أبو بكرٍ يدَه، فقاء
كلَّ شيْءٍ في بطْنِهِ.
رواه البخاري.
(الخرَاج): شيء يفرضه المالك على عبده يؤدِّيه
إليه كل يوم مما يكتسبه، وباقي كسبه يأخذه لنفسه.
================================
1739 - (9) [صحيح] وعن أبي أمامَة رضي الله عنه
قال:
سأل رجلٌ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: ما الإِثْمُ؟ قال:
"إذا حاكَ في نفْسِكَ شيءٌ فدَعْهُ".
قال: فما الإيمانُ؟ قال:
"إذا ساءَتْكَ سيِّئتُكَ، وسَرَّتكَ
حَسَنتُك؛ فأنتَ مُؤمِنٌ".
رواه أحمد بإسناد صحيح.
================================
1740 - (10) [صحيح لغيره] وعن حُذَيْفَةَ بنِ
اليَمان رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"فضلُ العِلْمِ خيرٌ مِنْ فَضْلِ
العِبادَةِ، وخيرُ دينِكم الوَرَعُ".
رواه الطبراني في "الأوسط" والبزار
بإسناد حسن. [مضى 3 - العلم/ 1].
================================
1741 - (11) [صحيح لغيره] ورُوِيَ عن واثِلَة
عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -:
"كُنْ وَرِعاً تكنْ أعبدَ الناس، وكنْ
قَنِعاً تكنْ أشْكَرَ الناسِ، وأحِبَّ لِلناس ما تحِت لنفسِكَ تكنْ مُؤْمِناً،
وأحْسِنْ مُجاوَرَةَ مَنْ جاوَرَك تكُنْ مُسْلِماً، وأقِلَّ الضحِك؛ فإنَّ كثْرةَ
الضَحِكِ تميتُ القلْبَ".
رواه ابن ماجه والبيهقي في "الزهد
الكبير"، وهو عند الترمذي بنحوه من حديث الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه.
[1] وفي مسند أحمد مخرجا (29/ 533) :
"فَقَالَ
[رسول الله _صلى الله عليه وسلم_] : «يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي؟»
قُلْتُ: لَا، بَلْ أَخْبِرْنِي، فَقَالَ: «جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ
وَالْإِثْمِ» فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ
فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: «يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ
نَفْسَكَ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ،
وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ
أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»
قال
الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 323) (رقم : 1734) : [حسن لغيره]
[3] قال الشيخ محمد بن علي بن آدم _رحمه الله_ في ذخيرة العقبى في شرح
المجتبى (40/ 350) :
"قَالَ الجامع
عفا الله تعالى عنه: وبالجملة فما نُقل عن السلف -رضي الله عنهم- فِي هَذَا الباب
كثير، فينبغي للمسلم أن يحتاط فِي أمر دينه، ويحرص كلّ الحرص عَلَى البراءة مما
يَشِين دينه، وعرضه، اللَّهم ارزقنا التقوى، واجعلنا منْ عبادك المتّقين، واختم
لنا بخاتمة السعادة عند انقضاء الأجل، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب."
Tidak ada komentar:
Posting Komentar