4 - (الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه، وما جاء في ذم الحرص وحب المال).
1707 - (12) [صحيح لغيره] وعن أنسٍ رضي الله عنه
قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"مَنْ كانتِ الدنيا هِمَّته وسَدَمَه،
ولها شَخَصٌ، وإيَّاها ينوي؛ جَعل الله الفقْرَ بينَ عيْنَيْهِ، وشتَّتَ عليه ضَيْعَتَهُ،
ولَمْ يأْتِه منها إلا ما كتِبَ لَهُ منها، ومَنْ كانتِ الآخرةُ هِمَّتَه وسدَمه، ولها
شخص، وإياها ينوي؛ جعل الله عز وجل الغنى في قلبه، وجمع عليه ضَيعتَه وأَتَتْهُ الدنيا
وهي صاغرة".
رواه البزار والطبراني -واللفظ له-، وابن
حبان في "صحيحه". (2)
ورواه الترمذي أخصر من هذا، ويأتي لفظه في
"الفراغ للعبادة" إنْ شاء الله [24 - الزهد/ 2].
(سَدَمه) بفتح السين والدال المهملتين، أي:
همّه وما يحرص عليه ويلهج به.
وقوله: "شتت عليه ضَيْعَتَهُ"
بفتح الضاد المعجمة؛ أي: فرَّق عليه حاله وصناعته وما هو مهتم به، وشعبه عليه.
__________
(2) لم أره عنده إلا من حديث زيد بن ثابت،
وإنما رواه الطبراني من حديث أنس لكن في "معجمه الأوسط" (5990) و (8882)
بسندين في كل منهما متروك، وفي إسناد البزار إسماعيل ابن مسلم المكي، وهو ضعيف كما
في "المجمع" (10/ 247). وقد مضى في (3 - العلم/ 3)، وسيأتي (24 - التوبة/
2).
تحفة الأحوذي (7/ 140)
(وَهِيَ رَاغِمَةٌ) أَيْ ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ
تَابِعَةٌ لَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً
لَيِّنَةً عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا
(وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ) وَفِي
الْمِشْكَاةِ وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا
(جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ)
أَيْ جِنْسَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ كَالْأَمْرِ المحسوس مَنْصُوبًا بَيْنَ
عَيْنَيْهِ
(وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ
الْمُجْتَمَعَةَ
بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي
(ص: 333)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ
اللَّهُ:
"فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّرْغِيبُ فِي الزُّهْدِ
فِي الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَالرَّغْبَةُ فِي الْآخِرَةِ وَالْإِقْبَالُ
عَلَيْهَا، وَالتَّشْجِيعُ فِي تَرْكِ الدُّنْيَا بِمَعْنَى الْإِنْفَاقِ مِمَّنْ هِيَ
فِي يَدَيْهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا مِمَّنْ لَيْسَتْ عِنْدَهُ،
كَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ :
"مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَ
عَلَى الْآخِرَةِ، رُزِقَ الْفَرَاغَ وَالتَّنَعُّمَ وَجَمْعَ الشَّمْلِ، وَأَتَتْهُ
الدُّنْيَا (أَيِ : الرِّفْقُ فِيهَا وَالْمَهْنَأُ مِنْهَا) فَيَكُونُ لَهُ الْمَهْنَأُ
دُونَ الشُّغُلِ، وَالرِّفْقُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ فَهُوَ غَنِيٌّ وَإِنْ عَدِمَ الْقُوتَ،"
وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الدُّنْيَا وَأَعْرَضَ
عَنِ الْآخِرَةِ شُغِلَ بِمَا لَا يَجْرِي، وَتَعِبَ فِيمَا لَا يُغْنِي عَنْهُ، فَتَزْدَادُ
الدُّنْيَا عَنْهُ بُعْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُصِيبُ مِنْهَا إِلَّا الْمَقْدُورَ، وَالْمَقْدُورُ
لَا يُغْنِيهِ، وَإِنْ كَثُرَ لِغَلَبَةِ الْحِرْصِ عَلَيْهِ وَالتَّأَسُّفِ عَلَى
فَوْتِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ. تَعَبُ الطَّلَبِ، وَالْخَيْبَةُ فِي التَّعَبِ،
فَهُوَ فَقِيرٌ وَإِنْ مَلَكَ الدُّنْيَا.
وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: تَنْبِيهٌ
وَإِرْشَادٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ،
وَأَنَّهُ أَسِيرُ الْقُدْرَةِ سَلِيبُ الْقَبْضَةِ، وَإِنَّ أَفْعَالَهُ تَبَعٌ لِفِعْلِ
اللَّهِ بِهِ، وَإِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ بِاللَّهِ تَعَالَى،
فَيَكُونُ الْعَبْدُ مَأْخُوذًا عَنْ أَوْصَافِهِ
مَصْرُوفًا عَنْ نَظَرِهِ إِلَى أَفْعَالِهِ مُعْتَرِفًا بِعَجْزِهِ، مُقِرًّا بِاضْطِرَارِهِ،
عَالِمًا بِضَرُورَتِهِ وَافْتِقَارِهِ،
كَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: إِنَّمَا تَكُونُ الْآخِرَةُ هَمَّهُ مَنْ
جَعَلَ اللَّهُ الْغَنَاءَ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبِلُ
عَلَى الْآخِرَةِ إِلَّا مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا حِجَابُ
الْآخِرَةِ
فَإِذَا رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْ بَصَرِ الْقَلْبِ
رَأَى [ص:334] الْآخِرَةَ بِعَيْنِ إِيقَانِهِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ شُغِلَ
عَنِ الدُّنْيَا، صَارَتْ مَرْفُوعَةً مِنْهُ مَتْرُوكَةً عَنْهُ،
قَالَ حَارِثَةُ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ
الدُّنْيَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
فَمَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ
الدُّنْيَا بِالزُّهْدِ فِيهَا، وَالرَّغْبَةِ عَنْهَا صَارَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ؛
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حَرِيصٌ، وَالنَّفْسَ رَاغِبَةٌ , إِمَّا تَرْغَبُ إِلَى الدُّنْيَا
أَوْ إِلَى الْآَخِرَةِ، فَإِذَا حُجِبَتْ عَنِ الدُّنْيَا بِالْعُزُوفِ عَنْهَا، وَالِاسْتِغْنَاءِ
مِنْهَا افْتَقَرَتْ إِلَى الْآخِرَةِ، وَرَغِبَتْ فِيهَا.
قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا
أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ :
"قَدْ
زَهِدْتَ فِي الدُّنْيَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَنْفُسَنَا تَوَّاقَةٌ
تَاقَتْ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَمَّا أَصَابَتْهَا تَاقَتْ إِلَى الْآخِرَةِ. فَمَنْ
جَعَلَ اللَّهُ الْغَنَاءَ فِي قَلْبِهِ وَجَعَلَ لَهُ، يَسَّرَهُ بِالِاسْتِغْنَاءِ
عَنِ الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا صَارَتْ هِمَّتُهُ الْآخِرَةَ وَمَا قُدِّرَ لَهُ مِنَ
الدُّنْيَا، وَالرِّفْقِ فِيهَا، يَأْتِيهِ فِي رَاحَةٍ مِنْ بَدَنِهِ وَفَرَاغٍ مِنْ
سِرِّهِ،
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «رَاغِمَةٌ» ،
أَيْ تَأْتِيهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ لَهَا؛ لِأَنَّهَا قَلَّ مَا يُؤْتَى طِلَابُهَا
إِلَّا بِجَهْدٍ وَطَلَبٍ لَهَا حَثِيثٍ، فَإِذَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَكَأَنَّهَا
جَاءَتْ رَاغِمَةً صَاغِرَةً ذَلِيلَةً،
وَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ
إِلَى الدُّنْيَا وَحَجَبَهُ عَنِ الْآخِرَةِ بِمَيْلِهِ إِلَى الدُّنْيَا،
صَارَتِ الدُّنْيَا نَصْبَ عَيْنَيْهِ، وَالدُّنْيَا فَقْرٌ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ حَاجَةِ
الرَّاغِبِ فِيهَا لَا تَقْتَضِي , فَهِيَ الْعِطَاشُ كُلَّمَا ازْدَادَ شَرَابًا ازْدَادَ
عَطَشًا، فَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ صَارَ الْفَقْرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ،
وَفَقُرَ سِرُّهُ وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهُ، وَتَشَتَّتَ هِمَّتُهُ، وَتَعِبَ بَدَنُهُ،
وَشَرِهَتْ نَفْسُهُ، وَازْدَادَتِ الدُّنْيَا عَنْهُ بُعْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ
مِنْهَا إِلَّا الْمَقْدُورُ، وَالْمَقْدُورُ مِنْهَا لَا يُغْنِيهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ:
مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ
وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ
فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَكُلٌّ لَا يَفُوتُهُ مَقْدُورُهُ
مِنَ الدُّنْيَا. نَبَّهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ،
كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ أَهَمَّتْهُ الْآخِرَةُ فَلْيَرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ
فِي وَضْعِ الْغَنَاءِ فِي قَلْبِهِ حَتَّى رَفَضَ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ،
وَمَنْ أَهَمَّتْهُ الدُّنْيَا فَلْيَفْتَقِرْ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ وَإِزَالَةِ
الْفَقْرِ مِنْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَالْحِرْصِ مِنْ قَلْبِهِ: وَالتَّعَبِ مِنْ بَدَنِهِ،
وَالشُّغُلِ مِنْ قَلْبِهِ. فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ عَلَى
الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فِيمَا يَرْضَى بِالْحَمْدِ
لَهُ، وَرُؤْيَةِ الْفَضْلِ مِنْ عِنْدِهِ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي الثَّبَاتِ
عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] وَقَالَ {لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]
[ص:335] وَفِيمَا يَكْرَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ َلهُ
والِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي نَقْلِ مَا يَكْرَهُ، لَا مَا يُحِبُّ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ
عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وَقَالَ تَعَالَى فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِهِ {أَمَّنْ
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] الْآيَةَ
الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: 29) لابن رجب
:
"ومن اشتغل بطاعة الله فقد تكفل الله
برزقه، كما في حديث زيد بن ثابت المرفوع:
((من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره
وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع
الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ")). خرجه الإمام أحمد
وابن ماجة." اهـ
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 70)
قَالَ دَاوُدُ: وَالْبِرُّ هِمَّةُ التَّقِيِّ،
وَلَوْ تَعَلَّقَتْ جَمِيعُ جَوَارِحِهِ بِحُبِّ الدُّنْيَا، لَرَدَّتْهُ يَوْمًا نِيَّتُهُ
إِلَى أَصْلِهِ.
===========================
صحيح الترغيب والترهيب (2/ 314)
1708 - (13) [صحيح لغيره] ورُوِيَ عن ابْنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال:
خطَبنَا رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - في مسجدِ الخَيْفِ فحمدَ الله، وذَكرَة بما هُوَ أهْلُهُ، ثمَّ قال:
"مَن كانَتِ الدنيا هَمَّهُ؛ فرَّقَ
الله شَمْلَهُ، وجعَلَ فقْرَهُ بين عَيْنَيْهِ، ولَمْ يُؤْتِه مِنَ الدنيا إلا ما كتِبَ
لَه".
رواه الطبراني.
تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين
للسمرقندي (ص:237_238)
قال__عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
:
" إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ:
طُولَ الْأَمَلِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى.
فَإِنَّ طُولَ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ
وَاتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ
مُدْبِرَةً وَالآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا
مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ
عَمَلٌ وَلا حِسَابٌ، وَإِنَّ غَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ.
يَعْنِي أَكْثِرُوا مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذَا
الْيَوْمِ، فَإِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ غَدًا عَلَى الْعَمَلِ ". اهـ
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص:
105)
واعلم أن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية
وأن الضيف مرتحل والعارية مردودة "والدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر"2
وهي مبغضة لأولياء الله محببة لأهلها، فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه.
وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل
إلى تركها بالزهد فيها ووعد على ذلك حب الله تعالى وهو رضاه عنه فإن حب الله تعالى
لعباده رضاه عنهم، وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبة الناس له، والمال
حب الدنيا فإنه ليس في أيدي الناس شيء يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا الدنيا."
اهـ
الآداب الشرعية والمنح المرعية (3/ 271)
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ
بَهْجَةِ الْمُجَالِسِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ
بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «لَا تُكْثِرْ هَمَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ
وَمَا يُقَدَّرُ يَكُونُ وَمَا تُرْزَقُ يَأْتِيكَ» وَقَالَ غَيْرُهُ قَالَ الْأَطِبَّاءُ
فِي تَدْبِيرِ الْمَشَايِخِ وَلْيَحْذَرُوا الْهَمَّ فَإِنَّهُ يُصَيِّرُ الشَّبَابَ
شُيُوخًا فَمَا ظَنُّك بِالْمَشَايِخِ.
الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: 29)
ومن أشتغل بطاعة الله فقد تكفل الله برزقه،
كما في حديث زيد بن ثابت المرفوع: " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل
فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله
له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ". خرجه الإمام أحمد وابن
ماجة.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 70)
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ:
تَعَلَّمُوا النِّيَّةَ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ الْعَمَلِ. وَعَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ،
قَالَ: إِنَّى لَأُحِبُّ أَنْ تَكُونَ لِي نِيَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي الطَّعَامِ
وَالشَّرَابِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: انْوِ فِي كُلِّ شَيْءٍ تُرِيدُهُ الْخَيْرَ،
حَتَّى خُرُوجِكَ إِلَى الْكُنَاسَةِ. وَعَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ
الْخَيْرَ كُلَّهُ إِنَّمَا يَجْمَعُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ، وَكَفَاكَ بِهَا خَيْرًا
وَإِنْ لَمْ تَنْصَبْ. قَالَ دَاوُدُ: وَالْبِرُّ هِمَّةُ التَّقِيِّ، وَلَوْ تَعَلَّقَتْ
جَمِيعُ جَوَارِحِهِ بِحُبِّ الدُّنْيَا، لَرَدَّتْهُ يَوْمًا نِيَّتُهُ إِلَى أَصْلِهِ.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 202)
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يُحِبُّ
الدُّنْيَا وَيُؤْثِرُهَا عَلَى الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ
الْعَاجِلَةَ - وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة: 20 - 21] [الْقِيَامَةِ: 20 -
21] ، وَقَالَ: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20] [الْفَجْرِ:
20] ، وَقَالَ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] [الْعَادِيَاتِ:
8] ، وَالْمُرَادُ حُبُّ الْمَالِ، فَإِذَا ذُمَّ مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا دَلَّ عَلَى
مَدْحِ مَنْ لَا يُحِبُّهَا، بَلْ يَرْفُضُهَا وَيَتْرُكُهَا.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 203)
وَمِنْ كَلَامِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الصَّحَابِيِّ: حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، وَرُوِيَ
عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا
وَسَرَّتْهُ، خَرَجَ حُبُّ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ.
وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةُ فِي الْقَلْبِ كَكِفَّتَيِ الْمِيزَانِ بِقَدْرِ مَا تَرْجَحُ إِحْدَاهُمَا
تَخِفُّ الْأُخْرَى.
وَقَالَ وَهْبٌ: إِنَّمَا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ
كَرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ: إِنَّ أَرْضَى إِحْدَاهُمَا أَسْخَطَ الْأُخْرَى.
وَبِكُلِّ حَالٍ، فَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا
شِعَارُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ:
مَا أَبْعَدَ هَدْيَكُمْ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
إِنَّهُ كَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْتُمْ أَرْغَبُ النَّاسِ فِيهَا،
خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 204)
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأَصْحَابِهِ:
أَنْتُمْ أَكْثَرُ صَوْمًا وَصَلَاةً وَجِهَادًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ:
كَانُوا أَزْهَدَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبَ مِنْكُمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَئِنْ حَلَفْتُمْ
لِي عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَزْهَدُكُمْ، لَأَحْلِفَنَّ لَكُمْ أَنَّهُ خَيْرُكُمْ.
وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُنَا؟
قَالَ: أَزْهَدُكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَالْكَلَامُ
فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ جَدًّا. وَفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى.
الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 514)
واعلم: أن من أهل الزهد في الدنيا مَنْ يحصل
له بعض فضولها، فيمسكها ليتقرب بها إلى اللَّه تعالى، ومن ثم قال أبو سليمان: (كان
عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه تعالى عنهما خزانتين من خزائن اللَّه تعالى في
أرضه، ينفقان في طاعته، وكانت معاملتهما للَّه بقلوبهما وعلومهما) (3).
ومنهم مَنْ لا يمسكها اختيارًا أو مع مجاهدة
للنفس (4).
وفضل ابن السماك والجنيد الأول، لتحقق يقينه
بمقام السخاء والزهد، وابنُ عطاء الثاني؛ لأن له عملًا ومجاهدةً.
ومنهم مَنْ لا يحصل له شيءٌ من الفضول، وهو
زاهدٌ في تحصيله مع القدرة أو بدونها، والأول أفضل، ولهذا قال كثيرٌ من السلف: (إن
عمر بن عبد العزيز كان أزهد من أويس) (5).
التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 295)
الدُّنْيَا فقر كلهَا وحاجة الرَّاغِب فِيهَا)
لَا تَنْقَضِي فَمن كَانَت الدُّنْيَا نصب عَيْنَيْهِ صَار الْفقر بَين عَيْنَيْهِ
فيض القدير (3/ 261)
إذا رأى منه إقبالا على هذه الدنيا الدنيئة
والشهوة الرديئة أعرض عنه حتى يتمكن حب هذه القاذورات منه ويتعالى في الغلو فيها فيضاد
أقضية الله وتدبيره فيبوء بتدبيره ومن ثم قيل: من كانت الدنيا همه كثر في الدنيا والأخرى
غمه
حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/ 525)
فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كُتِبَ لِلْعَبْدِ
مِنَ الرِّزْقِ يَأْتِيهِ لَا مَحَالَةَ إِلَّا أَنَّهُ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ يَأْتِيهِ
بِلَا تَعَبٍ وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا يَأْتِيهِ بِتَعَبٍ وَشِدَّةٍ، فَطَالِبُ الْآخِرَةِ
قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ جِمْعِ الْمَالِ
: الرَّاحَةُ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ حَصَلَتْ لِطَالِبِ الْآخِرَةِ.
وَطَالِبُ الدُّنْيَا قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةَ؛ لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا فِي التَّعَبِ الشَّدِيدِ فِي طَلَبِهَا،
فَأَيُّ فَائِدَةٍ لَهُ فِي الْمَالِ إِذَا
فَاتَتِ الرَّاحَةُ." اهـ
التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 80)
قال العراقي: من الأدوية النافعة في ذلك
أن يتحقق أن فوات لذات الآخرة أشد وأعظم من فوات لذات الدنيا، فإنها لا آخر لها ولا
كدر فيها، ولذات الدنيا سريعة الزوال وهي مشوبة بالكدرات فما فيها لذة صافية عن كدر،
وفي الإقبال على الأعمال الأخروية والطاعات
الربانية تلذذ بمناجاة الله تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته وطول الأنس به ولو لم يكن
للمطيع جزاء على طاعاته إلا ما يجده من حلاوة الطاعة، وروح الأنس بمناجاته تعالى لكفى،
كيف بما يضاف إليه من النعيم الأخروي لكن
هذه اللذة لا تكون في الابتداء بل بعد مدة حتى يصير له الخير ديدنًا كما كان له السوء
ديدنا." اهـ
==========================
1709 - (14) [صحيح] وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ
_رضي الله عنه_ عنِ النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ :
" {إِذْ (1)
قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} قال: في الدنيا".
رواه ابن حبان في "صحيحه"، وهو
في "الصحيحين" بمعناه في آخر حديث يأتي في آخر "صفة الجنة" إنْ
شاء الله [28/ 18].
__________
(1) الأصل: "إذا"، وكذا وقع في
"موارد الظمآن" (1750)، وهو خطأ، إذ إنَّها طرف من آية في سورة {مريم}: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ
فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
تفسير السمرقندي = بحر العلوم (2/ 375)
إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ يعني: فرغ من الأمر،
إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَدَخَلَ أهْلُ النَّارِ النار، وهو يوم الندامة.
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، يعني: هم في الدنيا في غفلة عن تلك الندامة والحسرة. وَهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ، يعني: لا يصدقون بالبعث.
زاد المسير في علم التفسير (3/ 132)
قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ أي: خوِّف كفَّار
مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ يعني: يوم القيامة يتحسَّر المسيء إذا لم يُحْسِن، والمقصِّر
إِذ لم يَزْدَدْ من الخير. وموجبات الحسرة يوم القيامة كثيرةٌ، فمن ذلك ما روى أبو
سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال:
(957) «إِذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار
النار، قيل: يا أهل الجنة، فيشرئِبُّون وينظرون، وقيل: يا أهل النار فيشرئبُّون وينظرون
فيُجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟
فيقولون: هذا الموت، فيُذبَح، ثم يقال: يا
أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه
وسلّم: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39) .» قال المفسرون:
فهذه هي الحسرة إِذا ذُبِح الموت، فلو مات
أحد فرحاً مات أهل الجنة، ولو مات أحد حزناً مات أهل النار.
=======================
1710 - (15) [صحيح] وعن كعب بن مالكٍ رضي
الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"ما ذِئْبانِ جائِعانِ أُرسِلا في غنمٍ
بأَفْسدَ لَها مِنْ حرصِ المرءِ على المالِ والشرف لدينِه".
رواه الترمذي، وابن حبان في "صحيحَه"،
وقال الترمذي:
"حديث حسن".
تطريز رياض الصالحين (ص: 326)
فيه: الحذر من الحرص على المال والشرف، فإن
حب الدنيا رأس كل خطيئة، ورزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وقال النبي
- صلى الله عليه وسلم -: «يَا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة فإنك إن أعطيتها
عن غير مسألة أُعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» .
المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 284)
حرصُ المرء على المال والشرف أكثر إفسادًا
لدينه من إفساد الذئبين للغنم.
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/
3243)
إِنَّ إِفْسَادَهُ لِدِينِ الْمَرْءِ أَشَدُّ
مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ إِذَا أُرْسِلَا
فِيهَا، أَمَّا الْمَالُ فَإِفْسَادُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْقُدْرَةِ يُحَرِّكُ
دَاعِيَةَ الشَّهَوَاتِ، وَيَجُرُّ إِلَى التَّنْعِيمِ فِي الْمُبَاحَاتِ، فَيَصِيرُ
التَّنَعُّمُ مَأْلُوفًا، وَرُبَّمَا يَشْتَدُّ أُنْسُهُ بِالْمَالِ، وَيَعْجِزُ عَنْ
كَسْبِ الْحَلَالِ، فَيَقْتَحِمَ فِي الشُّبَهَاتِ مَعَ أَنَّهَا مُلْهِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ
اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا أَحَدٌ، وَأَمَّا الْجَاهُ فَكَفَى
بِهِ إِفْسَادًا أَنَّ الْمَالَ يُبْذَلُ لِلْجَاهِ، وَلَا يُبْذَلُ الْجَاهُ لِلْمَالِ
وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، فَيَخُوضُ فِي الْمُرَاءَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ،
وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَهُوَ أَفْسَدُ وَأَفْسَدُ اه.
التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 395)
الحرص على الشرف والمال أكثر إفساداً للدين
من إفساد الذئب للغنم فهو زجر عن حب المال والحرص عليه وعلى الشرف وإن ذلك متلف للدين
مجموع الفتاوى (11/ 107)
فَاَلَّذِي يُعَاقَبُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ
الْحُبُّ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْمَعَاصِيَ: فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الظُّلْمَ وَالْكَذِبَ
وَالْفَوَاحِشَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْمَالِ وَالرِّئَاسَةِ يُوجِبُ
هَذَا
مجموع الفتاوى (28/ 391)
فَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُ الْأَمَارَةِ دِينًا
وَقُرْبَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ فِيهَا بِطَاعَتِهِ
وَطَاعَةُ رَسُولِهِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ. وَإِنَّمَا يَفْسُدُ فِيهَا حَالُ
أَكْثَرِ النَّاسِ لِابْتِغَاءِ الرِّيَاسَةِ أَوْ الْمَالِ بِهَا.
مجموع الفتاوى (11/ 108)
فَحِرْصُ الرَّجُلِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ
يُوجِبُ فَسَادَ الدِّينِ فَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحُبِّ الَّذِي فِي الْقَلْبِ إذَا
كَانَ الْإِنْسَانُ يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَيَتْرُكُ مَا نَهَى اللَّهُ
عَنْهُ. وَيَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ وَيَنْهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ اللَّهَ
لَا يُعَاقِبُهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَمَلٌ وَجَمْعُ الْمَالِ
إذَا قَامَ بِالْوَاجِبَاتِ فِيهِ وَلَمْ يَكْتَسِبْهُ مِنْ الْحَرَامِ لَا يُعَاقَبُ
عَلَيْهِ؛ لَكِنَّ إخْرَاجَ فُضُولِ الْمَالِ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ
وَأَسْلَمُ وَأَفْرَغُ لِلْقَلْبِ وَأَجْمَعُ لِلْهَمِّ وَأَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ.
الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 203)
فَبَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى
الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي فَسَادِ الدِّينِ لَا يَنْقُصُ عَنْ فَسَادِ الذِّئْبَيْنِ
الْجَائِعَيْنِ لِزَرِيبَةِ الْغَنَمِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ؛ فَإِنَّ الدِّينَ السَّلِيمَ
لَا يَكُونُ فِيهِ هَذَا الْحِرْصُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إذَا ذَاقَ حَلَاوَةَ
عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ
ذَلِكَ حَتَّى يُقَدِّمَهُ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ
لِلَّهِ السُّوءُ وَالْفَحْشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] .
فَإِنَّ الْمُخْلِصَ لِلَّهِ ذَاقَ مِنْ حَلَاوَةِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ
مَا يَمْنَعُهُ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ، وَمِنْ حَلَاوَةِ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ
مَا يَمْنَعُهُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ عِنْدَ الْقَلْبِ لَا أَحْلَى
وَلَا أَلَذُّ وَلَا أَطْيَبُ وَلَا أَلْيَنُ وَلَا أَنْعَمُ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ
الْمُتَضَمِّنِ عُبُودِيَّتَهُ لِلَّهِ، وَمَحَبَّتَهُ لَهُ، وَإِخْلَاصَهُ الدِّينَ
لَهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْجِذَابَ الْقَلْبِ إلَى اللَّهِ فَيَصِيرُ الْقَلْبُ مُنِيبًا
إلَى اللَّهِ خَائِفًا مِنْهُ رَاغِبًا رَاهِبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ خَشِيَ
الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 33] .
====================
1711 - (16) [صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنَّ رسولَ الله -
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"قَلْبُ الشيخِ شابٌّ على حبِّ اثْنَتَيْنِ: حبِّ العيشِ -أو
قال: طولِ الحياةِ-، وحبِّ المالِ".
رواه البخاري ومسلم، والترمذي؛ إلا أنَّه قال:
"طولِ الحياة، وكثرةِ المال".
طرح التثريب في شرح التقريب (4/ 82)
وَحُبُّ الدُّنْيَا هُوَ كَثْرَةُ الْمَالِ وَطُولُ الْأَمَلِ هُوَ
طُولُ الْحَيَاةِ الْمَذْكُورَانِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَكَذَا حُبُّ
الْعَيْشِ الْمَذْكُورِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُوَ طُولُ الْحَيَاةِ،
شرح النووي على مسلم (7/ 138)
وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ لِلْمَالِ
مُحْتَكِمٌ فِي ذَلِكَ كَاحْتِكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ هَذَا
صَوَابُهُ وَقِيلَ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَا يُرْتَضَى
تحفة الأحوذي (6/ 520)
قَوْلُهُ (قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ) أَيْ قَوِيٌّ نَشْطَانٌ (طُولِ
الْحَيَاةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا بَدَلٌ مِنَ اثْنَتَيْنِ
وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ
التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 199)
يعْنى قلب الشَّيْخ كَامِل الْحبّ لِلْمَالِ محتكم كاحتكام قُوَّة
الشَّبَاب فِي شبابه
فيض القدير (4/ 524)
ذكره النووي وقال غيره: حكمة
تخصيص هذين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها فأحب لذلك طول
العمر وأحب المال لأنه أعظم في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبا طول العمر فلما
أحس بقرب نفاذ ذلك اشتد حبه له ورغبته في دوامه. قيل دخل رجل على أبي رجاء العطاردي
فقال: كيف تجدك؟ قال حب جلدي على عظمي وهذا أمل جديد بين عيني فما خرجنا من عنده
حتى مات وقال أبو عثمان النهدي: بلغت نحوا من مئة وثلاثين سنة وما من شيء إلا وقد
عرفت النقص فيه إلا أملي فإنه كما هو
الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (12/ 166)
والتعبير بالشاب إشارة إلى كثرة الحرص وبعد الأمل الذي هو في الشباب
أكثر وبهم أليق لكثرة الرجاء عادة في طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم في
الدنيا قال القرطبي: في هذا الحديث كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك
ليس بمحمود وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن
آدم نفسه فهو راغب في بقائها فاحب لذلك طول العمر وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب
في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبًا طول العمر فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتد حبه
له ورغبته في دوامه اهـ فتح الملهم.
التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/ 642)
والحرص على الدنيا وحب المكاثرة فيها مذموم.
إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 582)
قال القاضى: والعبارة [ها] هنا بالشباب عن كثرة الحرص، وبعد الأمل
الذى هو فى الشباب أكثر، وبهم أليق للرجاء فى طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم
فى الدنيا.
كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 332)
وَقُلْنَا: إِن أحب الْأَشْيَاء إِلَى الْإِنْسَان نَفسه، فَمَا
تزَال محبته لَهَا تقوى، خُصُوصا إِذا أَيقَن بِقرب الرحيل، ثمَّ إِنَّه يحب مَا
هُوَ سَبَب قوامها وَهُوَ المَال، لموْضِع محبته إِيَّاهَا.
طرح التثريب في شرح التقريب (4/ 82)
فِيهِ ذَمُّ طُولِ الْأَمَلِ وَالْحِرْصِ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ
وَذَلِكَ يَقْتَضِي فَضْلَ الصَّدَقَةِ لِلْغَنِيِّ وَالتَّعَفُّفِ لِلْفَقِيرِ
وَهُمَا الْمُبَوَّبُ عَلَيْهِمَا.
==========================
1712 - (17) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنَّ رسولَ
الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ يقولُ:
"اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ مِنْ عِلْمٍ لا ينفَعْ، ومِنْ قَلْبٍ
لا يخشَعْ، ومِنْ نفْسٍ لا تشْبَعْ، ومِنْ دُعاءٍ لا يُسمَعْ".
رواه ابن ماجه والنسائي.
ورواه مسلم والترمذي وغيرهما من حديث زيد بن أرقم وتقدم في
"العلم" [3/ 9 - باب/ الحديث الأول].
==========================
1713 - (18) [صحيح] وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله -
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"لوْ كانَ لابْنِ آدمَ واديانِ مِنْ مالٍ لابْتَغى إليْهِما
ثالِثاً، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابنِ آدَمَ إلا الترابُ، ويتوبُ الله على مَنْ
تابَ".
رواه البخاري ومسلم.
==========================
1714 - (19) [صحيح] وعنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما قال: سمعتُ
رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
"لَوْ أنَّ لابْنِ آدَم مِلْءَ وادٍ مالاً (1) لأحبَّ أنْ
يَكونَ إليهِ مِثْلُهُ، ولا يَمْلأُ
__________
(1) الأصل: "مثل واد من ذهب"، والتصحيح من البخاري (6437)
ومسلم (3/ 100)، ولم يتنبه له المعلقون الثلاثة كعادتهم في مثل هذا!
Tidak ada komentar:
Posting Komentar