Jumat, 22 November 2019

5 ـ فصل في حقوق الأقارب والرحم



5 ـ فصل في حقوق الأقارب والرحم
وأما حقوق الأقارب والرحم،
ففى الحديث الصحيح، من رواية عائشة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلنى وصله الله، ومن قطعنى قطعه الله". [خ م]


&        شرح النووي على مسلم - (16 / 113)
قال القاضي عياض ولا خلاف ان صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة
قال والاحاديث في الباب تشهد لهذا ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب لووصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لا يسمى واصلا

&        فيض القدير - (4 / 53)
قال القرطبي : الرحم التي توصل عامة وخاصة فالعامة رحم الدين ويجب مواصلتها بالود والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحق الواجب والمندوب، والخاصة تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته وتتقاوت مراتب استحقاقهم في ذلك ويقدم الأقرب فالأقرب

&        فيض القدير - (4 / 53)
وقال ابن أبي جمرة : صلة الرحم بالمال وبالعون على الحوائج ودفع الضرر وطلاقة الوجه والدعاء والمعنى الجامع إيصاله ما أمكن من خير ودفع ما أمكن من شر بقدر الطاقة وهذا كله إذا كان أهل لرحم أهل استقامة فإن كانوا كفارا أو فجارا فمقاطعتهم في الله صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم وإعلامهم بأن إصرارهم سبب مقاطعتهم وحينئذ تكون صلتهم الدعاء لهم بظهر الغيب بالاستقامة

&        تطريز رياض الصالحين - (1 / 226)
في الحديث: تعظيم شأن الرحم، ووعِد من وصلها بوصل الله، ووعيد من قطعها بقطعه.


&        فتح البيان في مقاصد القرآن - (3 / 11)
قال القرطبي: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرّمة انتهى، وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة،

&        شرح المصابيح لابن الملك - (5 / 280)
وفيه تنبيهٌ على منزلتها عند الله حيث جعل الرحم متشبثةَّ بالعرش الذي هو أعظم خلق الله تعالى.

&        التنوير شرح الجامع الصغير - (2 / 357)
والحديث ترغيب في البر وصلة الرحم وترهيب من البغي وقطيعة الرحم

====================================

مختصر منهاج القاصدين (ص: 109)
وفى حديث آخر من أفراد البخارى:
"ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".


&        تطريز رياض الصالحين - (1 / 225)
الناس ثلاثة: واصل، ومكافئ، وقاطع.
فالواصل: من يبدأ بالفضل.
والمكافئ: من يرد مثله.
والقاطع: من لا يتفضل ولا يكافئ، فالكامل من يصل من قطعه.

&        غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب - (1 / 352)
(الْأَوَّلُ) : صِلَةُ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآدَابِ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ . وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ ، وَعَلَيْهِ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّصِيحَةُ . وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَلَيْهِ صِلَةُ رَحِمِهِ .
المنتقى من فتاوى الفوزان - (20 / 4)
والواجب على المسلم أن يصل رحمه وإن قطعت به؛ فإنه كما في الحديث : ( ليس الواصِلَ بالمُكافِئِ، ولكن الواصِلَ الذي إذا قُطِعَت رحِمَهُ وصَلهَا ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 7/73 ) من حديث عبد الله بن عمر . ] ؛ فالواجب مواصلة الرحم وإن أساء إليك وإن أخطأ في حقك؛ فإنك تواصله، ويكون هذا سببًا في تأليفه وفي ندمه على ما حصل منه .
قال تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 34، 35 . ] .
وهذا يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى حمل على النفس، وإلى ابتعاد عن الهوى ونزغات الشيطان، ويحتاج إلى تذكر الوعيد والعقوبة العاجلة والآجلة وسوء العاقبة لمن قطع رحمه؛ فإذا تذكر الإنسان هذه الأمور واستشعرها؛ حمله ذلك على التوبة وعلى صلة الرحم؛ لأن في صلة الرحم أجرًا عظيمًا، وفي قطيعتها إثم كبير وأضرار عاجلة وآجلة، والله الموفق .
فتاوى السبكي - (2 / 517)
الامام أبي الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي :
"ومن المستفيض المشتهر في صفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بصلة الرحم فثبت بما ذكرناه أن صلة الرحم واجبة،
وقال صلى الله عليه وسلم : "ليس الواصل، بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها."
وهذا يدل على وجوب صلة القريب الفاسق، لأن القاطع فاسق وقد أمر بصلته وجعلت هي الصلة وقال صلى الله عليه وسلم لمن قال
"قدِمتْ أمي وهي مشركة أفأصلها قال نعم صلي أمَّكِ". [خ م]
فهذا العبد القريب الفاسق صلته واجبة والصلة بالإحسان وهو أعم من أن يكون بتودد أو إعتاق أو غير ذلك من أنواع البر فأي خصلة من خصال الإحسان أسداها إليه كان بها واصلا مؤديا للواجب الذي عليه ويثاب عليها ثواب من أدى الواجب كما أن المأمور بكفارة اليمين إذا أعتق أو أطعم أو كسا يقال إنه أدى الواجب الذي عليه ويثاب ثواب الواجب وإن كان كل واحد منهما بعينه لم يكن واجبا عليه وإنما وجب عليه القدر المشترك بين الخصال وكما أن المكلف إذا صلى الصلاة في أول وقتها يكون أدى فرض الله ويثاب عليه ثواب الفرض وإن كان الواجب عليه إنما هو الإتيان في أي جزء من أجزاء الوقت شاء فثبت بهذا أنه إذا أعتق قريبه ممتثلا أمر الله ورسوله بصلة الرحم يثاب على ذلك ثواب الواجب

&        غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب - (1 / 352)
قَالَ الْحَجَّاوِيُّ : وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ . انْتَهَى .
وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْبَلْبَانِيُّ فِي آدَابِهِ : اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ تَصِلَ بَقِيَّةَ رَحِمِكَ وَهُمْ كُلُّ قَرَابَةٍ لَك مِنْ النَّسَبِ ، فَصِلَتُهُمْ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْك ، وَقَطِيعَتُهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْك تَحْرِيمًا مُؤَكَّدًا ، فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى : وَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَرْحَامَ بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء : 1]
___وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى أَنَّ صِلَتَهَا بِمَكَانٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَمُقَرِّبٌ إلَيْهِ ، وَقَطْعُهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ عِنْدَهُ ، وَمُبْعِدٌ عَنْهُ سُبْحَانَهُ .

&        شرح سنن أبي داود للعباد - (205 / 31)
الواصل على الحقيقة هو الذي إذا قُطعت رحمه وصلها، وهو الذي يجازي على القطع وصلاً، وعلى الإساءة إحساناً، فهذا هو الواصل على الحقيقة.
ولا شك أن المكافئ الذي يقابل الإحسان بالإحسان أحسن من الذي لا تحصل منه تلك المقابلة.

&        شرح سنن أبي داود للعباد - (205 / 31)
فهذا فيه دليل على الحث على صلة الأرحام ابتداء، وأن ذلك هو الأولى والأفضل من أن يكون عن طريق المقابلة والمماثلة، ولا شك أن الإنسان إذا سبق إلى الخير ثم جازى بما سبق إليه لا شك أن ذلك خير، ولكن الأتم والأفضل من ذلك هو الذي تحصل له القطيعة فيقابل على القطيعة وصلاً.

&        مكارم الأخلاق - (1 / 17) للعثيمين –رحمه الله- :
صور من مكارم الأخلاق
ومن مكارم الأخلاق أن تصل من قطعك : من الأقارب ممن تجب صلتهم عليك , إذا قطعوك , فصلهم ولا تقل : من وصلني وصلته ! فإن هذا ليس بصلة , كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ( ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من إذا قطعت رحمها وصلها )

وفى حديث آخر من أفراد مسلم أن رجلاً قال :
يَا رَسُول الله! إنّ لِي قَرابةً أصِلُهُمْ وَيَقْطَعُوني، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ، وَأحْلَمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ،
فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكأنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذلِكَ» . [رواه مسلم]

والمعنى أنك منصور عليهم، وقد انقطع احتجاجهم عليه بحق القرابة، كما ينقطع كلام من سف المل، وهو الرماد الحار.
والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة في صلة الرحم، وفي حقوق الوالدين، وفي تأكد حق الأم.


من فوائد الحديث :

&        تطريز رياض الصالحين - (1 / 224)
في الحديث: أنَّ هذه الخصال هي سبب إعانة هذا الواصل وتأييده وتوفيقه، وتسديده، ونصره عليهم.

&        تطريز رياض الصالحين - (1 / 422)
في هذا الحديث: الحض على الصبر على الإِيذاء خصوصًا من الأَقارب، وأن من كان كذلك أعانه المولى سبحانه وتعالى.

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب - (1 / 358)
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْإِحْسَانُ وَالْمَوَدَّةُ يَقْلِبَانِ الْعَدَاوَةَ صَدَقَةً بِلَا مُحَالٍ .

&        صيد الخاطر - (ص / 476_477)
عداوة الأقارب صعبة، وربما دامت، كحرب بكرٍ وتغلب ابني____وائل، وعبس وذبيان ابني بغيض، والأوس والخزرج ابني قيل3.
قال الجاحظ: تعدت هذه الحرب أربعين عامًا.
والسبب في هذا أن كل واحد من الأقارب يكره أن يفوقه قريبه، فيقع التحاسد.
فينبغي لمن فضل على أقاربه أن يتواضع لها، ويرفعهم جهده، ويرفق بهم؛ لعله يسلم. قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لي أقارب أصلهم فيقطعوني؟ فقال: "فكأنما تسفهم المل، ولن يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك"

&        شرح رياض الصالحين - (3 / 190)
هذه الأحاديث في بيان فضيلة صلة الرحم، وأن الإنسان الواصل ليس المكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم، ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، فتكون صلته لله لا مكافأة لعباد الله، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحاً عن الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الواصل بالمكافئ)) يعني بالذي إذا وصله أقاربه وصلهم مكافأة لهم، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.

&        شرح رياض الصالحين - (3 / 191)
فكل هذه الأحاديث وما شابهها تدل على أنه يجب على الإنسان أن يصل رحمه وأقاربه بقدر ما يستطيع، وبقدر ما جرى به العرف، ويحذر من قطيعة الرحم.

&        دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - (5 / 107)
ففيه تحريض على الصبر على الإيذاء وأن الانتصار في ذلك يكون من حضرة الحق سبحانه وتعالى لمن كان كذلك

شرح رياض الصالحين - (3 / 614)
فعلى الإنسان أن يصبر ويحتسب على أذية أقاربه وجيرانه وأصحابه وغيرهم، فلا يزال له من الله ظهيرٌ عليهم، وهو الرابح، وهم الخاسرون، وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.
....................................

قال الله _تعالى_ :
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) } [البقرة: 215]

وقال _تعالى_ :
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [البقرة: 83]

قَالَ الله تَعَالَى :
{وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء (36) ] .

وقال _تعالى_ :
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل: 90]

تطريز رياض الصالحين (ص: 221)
[312] وعن أَبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا» ، قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» ، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سبيلِ الله» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الحديث: دليل على أنّ الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، وأن بر الوالدين أفضل من الجهاد.
[313] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِداً إلا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً، فَيَشْتَرِيهُ فَيُعْتِقَهُ» . رواه مسلم.

تطريز رياض الصالحين (ص: 222)
[314] وعنه أيضاً - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

Kamis, 21 November 2019

المعقد الرابع عشر : إكرام أهل العلم وتوقيرهم

توقير العلماء من سمات أهل السنة

فضل الله العلماء ورفع منزلتهم
،
* فقال سبحانه {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة : 11]

* وقال عزوجل {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر : 9]

* وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يرفع بهذا العلم أقواما ويضع به آخرين ) رواه مسلم،

* وقال صلى الله عليه وسلم (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير ) رواه الترمذي.

والعلماء هم ورثة الأنبياء،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به، فقد أخذ بحظ وافر)
رواه أبوداود والترمذي.

العلماء الذين يجب توقيرهم : هم حملة الشريعة الذين عرفوا بحسن القصد وصالح العمل وصحة المعتقد واتباع منهج السلف الصالح ،الذين بذلوا أعمارهم في طلب العلم ونشره، وأوتوا حظا من الورع ،الذين شهدت لهم الأمة الخيار العدول بالإمامة والتبحر في الشريعة وصدر الناس عن رأيهم ،
فهم الأئمة الكبار حقا وهم المعنيون بلإجلال إذا أطلق الكلام ،وكل من لديه علم ممن دونهم وقر بحسب علمه وسيره على جادة العلماء .

قال الأوزاعي : الناس هم العلماء ومن سواهم فليس بشيء .
وقال الثوري : لو أن فقيها على رأس جبل لكان هو الجماعة.


وقد أمر الشرع بتوقيرهم وإجلالهم،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(إن من إجلالِ اللهِ تعالى إكرامَ ذي الشيبةِ المسلمِ، وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبوداود.

وقال طاووس: إن من السنة توقير العالم .

وتوقير العلماء يكون : (1) بالدعاء لهم، (2) والثناء عليهم، (3) والسؤال عنهم، (4) وتفقد أحوالهم، (5) وزيارتهم، (6) والأخذ عنهم، (7) ونشر علمهم وفتاواهم، (8) وستر عيوبهم، (9) والذب عنهم، (10) ونصيحتهم، (11) ومؤازرتهم على البر والتقوى، (12) وتعظيم منزلتهم عند العامة والخاصة .

وتوقير العلماء من سمات السلف الصالح ،فقد كان الصحابة يوقرون أكابرهم وفقهائهم ،وتلفى ذلك عنهم التابعون وأتباعهم وشاع هذا الخلق الكريم في زمان الأئمة المتبوعين مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وأبوثور وإسحاق وغيرهم .

كان مجاهد من سودان مكة مولى لإبن عباس وكان ابن عمر يأخذ له الركاب ويسوي عليه ثيابه إذا ركب الدابة ،

وصلى زيد ابن ثابت على جنازه ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال له زيد خل عنك ياابن عم رسول الله فقال ابن عباس هكذا يفعل بالعلماء والكبراء ،

سير أعلام النبلاء ط الحديث (7/ 65)
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَذُكِرَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ طَهْمَانَ، وَكَانَ مُتَّكِئاً مِنْ عِلَّةٍ، فَجَلَسَ، وَقَالَ: لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُوْنَ فَيُتَّكأ

وإذا نشأ الصغار على توقير العلماء تأثروا بسمتهم واقتدوا بأثرهم وعظمت الشريعة في نفوسهم وصار عندهم ولاء عظيم للإسلام وأهله.

فال الثوري: إن من نعمة الله على الفتى أن يوفقه لصاحب سنة .

والعلماء هم الذين يحملون الشريعة وينطقون بالكتاب والسنة ويحمون بيضة الإسلام ويذودون عن حياضه ويبصرون الخلق بدينهم يعلمون الجاهل ويذكرون الناسي ويكشفون الفتنة ويرفعون الظلمة ويهتكون ستر أهل الضلالة ،

ولولاهم بعد الله لاندرس الإسلام وذهبت شرائعه .

روي في الأثر (إنما مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا رآها الناس اقتدوا بها وإذا عميت عليهم تحيروا ) رواه أحمد.

قال الحسن : لولا العلماء لصار الناس كالبهائم .
وبتوقير العلماء تحفظ الشريعة وتنشر أحكامها ويكثر سواد أهل السنة ونجتمع الأمة وتأتلف كلمة المسلمين وتذهب شوكة أهل الفجور ويأتمر العامة بكلمة العلماء ويفيء المسلمون لدينهم عند نزول الفتن والأمور المدلهمة .

والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام :
1- قسم جفوا العلماء وطعنوا فيهم وتركوا ما يجب عليهم من التوقير ، فهولاء فيهم شبه بالخوارج سفهاء الأحلام الذين يركبون الدين بالحماس والغيرة على غير وفق الشرع .

2- قسم وقروهم وغلوا فيهم حتى رفعوهم فوق منزلتهم فجعلوهم في منزلة الأنبياء المعصومين الذين يتعبد بقولهم وربما عبدوهم من دون الله ،فهولاء طائفة من أهل البدع كالرافضة والصوفية ومن نحى نحوهم .

3- قسم توسطوا فيهم فوقروهم وعظموهم ولم يغلوا فيهم واقتدوا بهم بما معهم من الحق واعتذروا عن خطأهم ، فهولاء هم أعل السنة المتبعين للسلف الصالح .
ولا يلزم من تو قير العالم متابعته في الخطأ البين والقول الشاذ بل يترك قوله ويناصح ولا تنتهك حرمته لحصول الهفوة منه فما من عالم إلا وله زلة ،وأهل العقل والإنصاف يسترون العيوب ويحفظون للعالم حرمته ومنزلته ويسرون في نصيحته ، وأهل الظلم والجهل يفرحون بزلة العالم ويطيرون بها ويهتكون ستره ويسعون لإسقاطه . ومن تابع العلم في زلته وتعصب له فقد أساء له وصار من أهل الرأي المذموم .

وقد طعن بعض الناس هداهم الله في العلماء. شبها وجهالات ألقاها الشيطان عليهم وزينها لهم ، ناشئة عن الحسد أو سوء القصد أو قلة الفهم ، وقد اختلفت عباراتهم وهي تدور على معاني :
1- تارة يصفون العلماء " بأنهم علماء للسلطان يقبلون العطاء"
وهذه شبهة فاسدة لأن العلماء في هذا الأمر كالسلف يختلفون وليس مسلكهم واحد منهم من كان يدخل على السلطان ويقبل العطاء ومنهم من كان لا يرضى بذلك وهم الأكثر ، ومن دخل وأخذ فعل ما يعتقد جوازه وقام بالنصح وهو مباح على الصحيح وإنما الخلاف في الأفضل ، وقد كان الزهري مع جلالة قدره في العلم والعمل يقبل العطاء الكثير ولم يقدح ذلك في منزلته بل الناس عالة عليه في الحديث . وإنما يكون هذا مذموما إذا ترتب على الأخذ المداهنة والسكوت عن بيان الحق وتزيين الباطل .وعليه يحمل ماورد من ذم الشارع .

2- وتارة يصفون العلماء " بأنهم أهل دنيا مشغولون بالتجارة وجمع المال "
وهذه جهالة لأن النصوص صريحة أيضا في جواز ذلك ، وقد كان جماعة من فقهاء الصحابة ومن بعدهم يتجرون بالمال . وإنما المذموم أن يترتب على ذلك الوقوع فيما حرم الله وتسهيل الشبهات والإنشغال عن التعليم وأبواب الخير ومداهنة أرباب الأموال. قال عبد الرحمن ابن أبزى: نعم العون على الدين اليسار.
3- وتارة يصفون العلماء " بأنهم لا يفقهون الواقع ولا يعيشون قضايا العصر "

وهذا من الإفتراء لأن العلماء لا يتكلمون في الأحوال إلا إذا أحاطوا بها وتصوروها بما يطابق الواقع ، وكلامهم مبني على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية فهم راسخون لا يتزعزعون ولا تتغير مواقفهم ثابتون على تحقيق أصول الدين وشرائع الإسلام ومن تأمل في كلام العلماء في النوازل قديما وحديثا وجد أنه يدور في هذا الفلك ، وقد تبين للعقلاء أن كلام العلماء في الفتن والنوازل أقرب إلى الحق ومطابقة الواقع من غيرهم ممن يدعي معرفة الأحوال وليس أهلا لذلك .

4- وتارة يصفون العلماء " بأنهم ساكتون عن بيان الحق متذرعين بالحكمة "
وهذا القول من الجهل بمكان لأن العلماء يحيطون بقواعد الشرع ويدركون المصالح والمفاسد ويوازنون بينها فيتكلمون إذا رأوا المصلحة في ذلك ويسكتون كذلك فكلامهم وسكوتهم حكمة ، فليس الكلام بصراحة دائما وإثارة الأمور وإلتزام الحديث في كل حدث عالمي دليلا على موافقة الشرع في الأمر والنهي ، وإنما موافقة الشرع في تحقيق المصلحة ودرء المفسدة وهذه هي الحكمة ، وهذا المعنى محفوظ في الكتاب والسنة وآثار السلف وتصرفات الأئمة .

وبالجملة فإن العلماء يتفاوتون في باب الورع والزهد وقول الحق و نشر العلم وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء ، وليس من الإنصاف مطالبة العالم بالكمال في كل شيء ، وكلما كان العالم أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة وأصون لنفسه كان أعظم في الإمامة وأرجى لقبول قوله عند الناس واقتدائهم به ، وكل ميسر لما خلق له .

ولا خير في أمة لا توقر علمائها فالعلماء هم مرجع الأمة وبإسقاطهم ينتصر المنافقون وأعداء الإسلام وبإقصائهم يعلو شأن أهل البدعة ويستطير شرهم ، وإذا رأيت الرجل يغمز العلماء فلا ترج فيه خيرا واعلم أنه على شفا هلكة وسبيل بدعة . قال بعض السلف : من تكلم في الأمراء ذهبت دنياه ومن تكلم في العلماء ذهب دينه . وفال أبو حزم : صار الناس في زماننا يعيب الرجل من هو فوقه في العلم ليرى الناس أنه ليس به حاجه إليه ، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه فذهب العلم وهلك الناس.



Senin, 18 November 2019

الحديث الثامن والعشرون : الدين يسر


الحديث الثامن والعشرون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ. وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لفظ «والقصد القصد تبلغوا» .

قال المؤلف _رحمه الله_ في بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 67_71) :
"ما أعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعةِ، والأصولِ الجامعةِ،
فقد أسس صلى الله عليه وسلم في أوله هذا الأصل الكبير، فقال: «إن الدين يسر» أي ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتروكه،
* فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصل مقتديَها إلى أجلِّ غايةٍ وأفضلِ مطلوبٍ،
* وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال،
بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله،
وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادرا عليها لا تشق عليه، ولا تكلفه،
* عقائده صحيحة بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وفرائضه أسهل شيء.

أما الصلوات الخمس: فإنها تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات في أوقات____مناسبة لها. وتمم اللطيف الخبير سهولتها بإيجاب الجماعة والاجتماع لها،
فإن الاجتماع في العبادات من المنشطات والمسهلات لها، ورتب عليها من خير الدين وصلاح الإيمان، وثواب الله العاجل والآجل ما يوجب للمؤمن أن يستحليها، ويحمد الله على فرضه لها على العباد، إذ لا غنى لهم عنها.

وأما الزكاة: فإنها لا تجب على فقير ليس عنده نصاب زكوي. وإنما تجب على الأغنياء تتميما لدينهم وإسلامهم، وتنميةً لأموالهم وأخلاقهم،[1] ودفعًا للآفات عنهم وعن أموالهم، وتطهيرًا لهم من السيئات، ومواساةً لمحاويجهم، وقياما لمصالحهم الكلية. وهي مع ذلك جزء يسير جدا بالنسبة إلى ما أعطاهم الله من المال والرزق.

وأما الصيام : فإن المفروض شهر واحد من كل عام، يجتمع فيه المسلمون كلهم، فيتركون فيه شهواتهم الأصلية - من طعام وشراب ونكاح - في النهار، ويعوضهم الله عن ذلك من فضله وإحسانه تتميمَ دينهم وإيمانهم، وزيادةَ كمالهم، وأجرِه العظيمِ، وبرِه العميمِ، وغيرِ ذلك مما رتبه على الصيام من الخير الكثير، ويكون سببا لحصول التقوى التي ترجع إلى فعل الخيرات كلها، وترك المنكرات.

وأما الحج : فإن الله لم يَفْرِضْهُ إلا على المستطيع، وفي العمر مرةً واحدةً،
وفيه من المنافع الكثيرة الدينية والدنيوية ما لا يمكن تعداده وقد فصلنا مصالح الحج ومنافعه في محل آخر. قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28]
أي: دينية ودنيوية.

ثم بعد ذلك بقية شرائع الإسلام التي هي في غاية السهولة الراجعة لأداء____حق الله وحق عباده،

فهي في نفسها ميسَّرةٌ.
قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]

ومع ذلك إذا عرض للعبد عارضٌ : مرض أو سفر أو غيرهما، رتب على ذلك من التخفيفات، وسقوط بعض الواجبات، أو صفاتها وهيئتها ما هو معروف.

ثم إذا نظر العبد إلى الأعمال الموظفة على العباد في اليوم والليلة المتنوعة من فرض ونفل، وصلاة وصيام وصدقة وغيرها، وأراد أن يقتدي فيها بأكمل الخلق وإمامهم محمد _صلى الله عليه وسلم_ : رأى ذلك غير شاقٍّ عليه، ولا مانع له عن مصالح دنياه،
بل يتمكن معه من أداء الحقوق كلها: حق الله وحق النفس، وحق الأهل والأصحاب، وحق كل من له حق على الإنسان برفق وسهولة،

وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي _صلى الله عليه وسلم_، ولا بما علمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخرُ أمرِه العجزُ والانقطاع،

ولهذا قال: «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى. ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم بالقصد، وحث عليه. فقال: «والقصد القصد تبلغوا» .[خ]

ثم وصى صلى الله عليه وسلم بالتسديد والمقاربة، وتقوية النفوس بالبشارة بالخير، وعدم اليأس. فالتسديد: أن يقول الإنسان القول السديد، ويعمل العمل السديد، ويسلك الطريق الرشيد، وهو الإصابة في أقواله وأفعاله من كل وجه.

فإن لم يدرك السداد من كل وجه فليتق الله ما استطاع، وليقارب الغرض، فمن لم يدرك الصواب كله فليكتف بالمقاربة، ومن عجز عن العمل كله فليعمل منه ما يستطيعه.____

ويؤخذ من هذا : أصلٌ نافعٌ دل عليه أيضا قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم»

والمسائل المبنية على هذا الأصل لا تنحصر. وفي حديث آخر «يسروا، ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» .

ثم ختم الحديث بوصية خفيفة على النفوس، وهي في غاية النفع. فقال :
«واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة»

وهذه الأوقات الثلاثة كما أنها السببُ الوحيدُ لقطع المسافات القريبة والبعيدة في الأسفار الحسية، مع راحة المسافر، وراحة راحلته، ووصوله براحة وسهولة، فهي السبب الوحيدُ لقطع السفر الأخروي، وسلوك الصراطِ المستقيمِ، والسير إلى الله سيرا جميلا.

فمتى أخذ العامل نفسه، وشغلها بالخير والأعمال الصالحة المناسبة لوقته - أول نهاره وآخر نهاره وشيئا من ليله، وخصوصا آخر الليل - حصل له من الخير ومن الباقيات الصالحات أكملَ حظٍّ، وأوفرَ نصيبٍ. ونال السعادة والفوز والفلاح، وتم له النجاح في راحة وطمأنينة، مع حصول مقاصده الدنيوية، وأغراضه النفسية.

وهذا من أكبر الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية، إذ نصبه لعباده، وأوضحه على ألسنة رسله، وجعله ميسرا سهلا، وأعان عليه من كل وجه، ولطف بالعاملين، وحفظهم من القواطع والعوائق.

فعلمت بهذا: أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد.
القاعدة الأولى: التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم.
القاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير وقت حصولها.
القاعدة الثالثة: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم.___
القاعدة الرابعة: تنشيط أهل الأعمال، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال.
القاعدة الخامسة: الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء.
فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها.

تطريز رياض الصالحين (ص: 116)
وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ - عز وجل - بِالأَعْمَالِ في وَقْتِ نَشَاطِكُمْ وَفَرَاغِ قُلُوبِكُمْ بِحَيثُ تَسْتَلِذُّونَ العِبَادَةَ ولا تَسْأَمُونَ وتبلُغُونَ مَقْصُودَكُمْ، كَمَا أنَّ المُسَافِرَ الحَاذِقَ يَسيرُ في هذِهِ الأوْقَاتِ ويستريح هُوَ وَدَابَّتُهُ في غَيرِهَا فَيَصِلُ المَقْصُودَ بِغَيْرِ تَعَب، واللهُ أعلم.
معنى الحديث : لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه، فتوسطوا من غير إفراط، ولا تفريط، وقاربوا إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل، فاعملوا ما يقرب منه، وأبشروا بالثواب على العمل الدائم وإنْ قل، واستعينوا على تحصيل العبادات بفراغكم ونشاطكم، قال الله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح (7، 8) ] ." اهـ

فوائد الحديث
q  عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (2 / 138)
#ومن فوائده الحض على الرفق في العمل لقوله عليه الصلاة والسلام اكلفوا من العمل ما تطيقون # وقال الخطابي: هذا أمر بالاقتصاد وترك الحمل على النفس لأن الله تعالى إنما أوجب عليهم وظائف من الطاعات في وقت دون وقت تيسيرا ورحمة  # ومنها التنبيه على أوقات النشاط لأن الغدو والرواح والإدلاج أفضل أوقات المسافر وأوقات نشاطه بل على الحقيقة الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم

q  فتح الباري- تعليق ابن باز - (1 / 94)
قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدى إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة،

q  فتح الباري- تعليق ابن باز - (1 / 94)
وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن
فتح الباري- تعليق ابن باز - (1 / 95)
يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر

شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (1 / 97)
فشبه الإنسان فى الدنيا بالمسافر ، وكذلك هو على الحقيقة ؛ لأن الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة ، فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم ، والله الموفق .

q  فيض القدير - (1 / 497)
قال القاضي : أخبرهم بعد الأمر بذلك أنهم لا يقدرون على إيفاء حقه والبلوغ إلى غايته لئلا يغفلوا عنه فكأنه يقول لا تتكلفوا على ما تأتون به ولا تيأسوا من رحمة الله ربكم فيما تذرون عجزا وقصورا لا تقصيرا

q  بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار - (1 / 111)
وهذا من أكبر الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية ، إذ نصبه لعباده ، وأوضحه على ألسنة رسله ، وجعله ميسرا سهلا ، وأعان عليه من كل وجه ، ولطف بالعاملين ، وحفظهم من القواطع والعوائق .

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار - (1 / 111)
فعلمت بهذا : أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد .
القاعدة الأولى : التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم .
بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار - (1 / 112)
القاعدة الثانية : المشقة تجلب التيسير وقت حصولها .
القاعدة الثالثة : إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم .
القاعدة الرابعة : تنشيط أهل الأعمال ، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال .
القاعدة الخامسة : الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله ، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء .
فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها .

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (11 / 346)
فإذا كسل أو فتر فليقعد ظاهر السياق يدل على أن المعنى أنه إذا عيى عن القيام وهو يصلي فليقعد فيستفاد منه جواز القعود في أثناء الصلاة بعد افتتاحها قائما وقال بعضهم ويحتمل أن يكون أمر بالقعود عن الصلاة يعني ترك ما عزم عليه من التنفل قلت هذا احتمال بعيد غير ناشيء عن دليل وظاهر الكلام ينافيه

q  عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (11 / 346)
ذكر ما يستفاد منه : # فيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق والأمر بالإقبال عليها بنشاطه # وفيه أنه إذا فتر في الصلاة يقعد حتى يذهب عنه الفتور# وفيه إزالة المنكر باليد لمن يتمكن منه  # وفيه جواز تنفل النساء في المسجد، فإن زينب كانت تصلي فيه فلم ينكر عليها # وفيه كراهة التعلق بالحبل في الصلاة # وفيه دليل على أن الصلاة جميع الليل مكروهة وهو مذهب الجمهور وروي عن جماعة من السلف أنه لا بأس به وهو رواية عن مالك رحمه الله تعالى إذا لم ينم عن الصبح

q  فتح الباري- تعليق ابن باز - (3 / 37)
# وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها، والأمر بالإقبال عليها بنشاط.# وفيه إزالة المنكر باليد واللسان.وجواز تنفل النساء في المسجد.واستدل به على كراهة التعلق في الحبل في الصلاة،
شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (3 / 145)
 وقال حذيفة فى التعلق فى الصلاة : إنما يفعل ذلك اليهود ،

شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (3 / 144_145)
إنما يكره التشديد فى العبادة خشية الفتور وخوف الملل ، ألا ترى قوله : ( خير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل ) وقد قال تعالى : ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) [ البقرة : 286 ] وقال تعالى : ( وما جعل_عليكم فى الدين من حرج ) [ الحج : 78 ] فكره ( صلى الله عليه وسلم ) الإفراط فى العبادة ، لئلا ينقطع عنها المرء فيكون كأنه رجوع فيما بذله من نفسه لله ، تعالى ، وتطوع به ،

q  مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (4 / 359)
والحاصل أن سالك طريق الآخرة ينبغي أن يجتهد في العبادة من الصلاة وغيرها بقدر الطاقة ويختار سبيل الاقتصاد في الطاعة ويحترز عن السلوك على وجه السآمة والملالة فإن الله لا ينبغي أن يناجي عن ملالة وكسالة وإذا فتر وضعف قعد عن القيام واشتغل بنوع من المباحات من الكلام والمنام على قصد حصول النشاط في العبادة فإنه يعد طاعة وإن كان من أمور العادة ولذا قيل نوم العالم عبادة

q  تلبيس إبليس - (1 / 173)
وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل وفيهم من يسهره كله ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض ثم يقع قبيل الفجرفتفوته الفريضة أو يقم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته ولقد رأيت شيخا من المتعبدين يقال له حسين القزويني يمشي كثيرا من النهار في جامع المنصور فسألت عن سبب مشيه فقيل لي لئلا ينام فقلت هذا جهل بمقتضى الشرع والعقل

q  قواعد الأحكام في مصالح الأنام - (2 / 210) لابن رجب :
ومن تكلف من العبادة ما لا يطيقه، فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله، ومن قصر عما يطيقه، فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنطع في الدين وقد هلك المتنطعون، وأنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام الليل، وصيام النهار، واجتناب النساء


[1] مسند أحمد - عالم الكتب (2/ 471)
عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((إِنَّ اللَّهَ _عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ_ ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ ، أَوْ فَلُوَّهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ))

وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}، وَ {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}.