Senin, 25 Maret 2019

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ



                              الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ
عن أبي صِرْمَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ ضارَّ، ضَارَّ اللَّهُ بِهِ. وَمَنْ شاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ"
رواه الترمذي وابن ماجه

[أخرجه : أحمد (3/453)، وأبو داود (رقم: 3635)، والترمذي (2054)، وابن ماجه (2342), والطبراني في "الكبير" (22/829, 830), ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (35/300), وأبو بشر الدُّوْلاَبِيُّ[1] في "الكنى والأسماء" (1/40), والبيهقي (6/70), وحسّنه شيخنا الألباني -رحمه الله- في "الإرواء" (3/414), و"صحيح الجامع" (رقم: 6248)]

قال المزي في تهذيب الكمال  :
( بخ م د ت س ق ) : أبو صرمة الأنصارى المازنى ، له صحبة .
و اسمه مالك بن قيس ، من بنى مازن ابن النجار ،
شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . اهـ .

و قال المزى :
قال أبو عمر بن عبد البر : لم يختلف فى شهوده بدرا و ما بعدها من المشاهد ،
و كان شاعرا محسنا ، و هو القائل :

روى له البخارى فى " الأدب " ، و الباقون . اهـ .
ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ
 قال الحافظ في تهذيب التهذيب 12 / 134 :
و ذكره محمد بن الربيع الجيزى فيمن قدم مصر من الصحابة .
و أما ابن إسحاق و موسى بن عقبة و الواقدى و أبو معشر فلم يذكروه فى البدريين ، فيحرر قول ابن عبد البر . اهـ .

قال المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي _رحمه الله_ في بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 39_41) :

"هذا الحديث دل على أصلين من أصول الشريعة:
أحدهما : أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر،
وهذا من حكمة الله التي يحمد عليها،

فكما أن من عمل ما يحبه الله أحبه الله، ومن عمل ما يبغضه أبغضه الله،
ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه،

كذلك من ضار مسلما ضره الله، ومن مكر به مكر الله به، ومن شق عليه شق الله عليه، إلى غير ذلك من الأمثلة الداخلة في هذا الأصل.

الأصل الثاني : منع الضرر والمضارة، وأنه «لا ضرر ولا ضرار»
وهذا يشمل أنواع الضرر كله.
والضرر يرجع إلى أحد أمرين:
* إما تفويت مصلحة،
* أو حصول مضرة بوجه من الوجوه،

فالضرر غير المستحق لا يحل إيصاله وعمله مع الناس، بل يجب على الإنسان أن يمنع ضرره وأذاه عنهم من جميع الوجوه.___
فيدخل في ذلك: التدليس، والغش، في المعاملات وكتم العيوب فيها، والمكر والخداع والنجش، وتلقي الركبان، وبيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه.

قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّعَانِ بالخِيَار مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإنْ صَدَقا وَبيَّنَا بُوركَ لَهُمَا في بيعِهمَا، وإنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بركَةُ بَيعِهِما» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

ومثله الإجارات، وجميع المعاملات والخطبة على خطبة أخيه، وخطبة الوظائف التي فيها أهل لها قائم بها. فكل هذا من المضارة المنهي عنها.

وكل معاملة من هذا النوع، فإن الله لا يبارك فيها، لأنه من ضار مسلما ضاره الله، ومن ضاره الله، ترحل عنه الخير، وتوجه إليه الشر وذلك بما كسبت يداه.

ويدخل في ذلك : مضارة الشريك لشريكه، والجار لجاره، بقول أو فعل حتى إنه لا يحل له أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، فضلا عن مباشرة الإضرار به.

ويدخل في ذلك : مضارة الغريم لغريمه، وسعيه في المعاملات التي تضر بغريمه، حتى إنه لا يحل له أن يتصدق ويترك ما وجب عليه من الدين إلا بإذن غريمه، أو يرهن موجوداته أحد غرمائه دون الباقين، أو يقف، أو يعتق ما يضر بغريمه، أو ينفق أكثر من اللازم بغير إذنه.

وكذلك الضرار في الوصايا : كما قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12] بأن يخص أحد ورثته بأكثر مما له، أو ينقص الوارث، أو يوصي لغير وارثه بقصد الإضرار بالورثة.

وكذلك لا يحل إضرار الزوج بزوجته من وجوه كثيرة : إما أن يعضلها ظلما لتفتدي منه، أو يراجعها لقصد الإضرار، أو يميل إلى إحدى زوجتيه ميلا يضر بالأخرى، ويجعلها كالمعلقة.
{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف} [البقرة: 232]
{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]
{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة} [النساء: 129]

ومن ذلك: الحيف في الأحكام والشهادات والقسمة وغيرها على أحد الشخصين لنفع الآخر. فكل هذا داخل في المضارة، وفاعله مستحق للعقوبة،_____وأن يضار الله به.

وأشد من ذلك: الوقيعة في الناس عند الولاة والأمراء، ليغريهم بعقوبته أو أخذ ماله، أو منعه من حق هو له، فإن من عمل هذا العمل فإنه باغ، فليتوقع العقوبة العاجلة والآجلة.

ومن هذا : «نهى النبي صلى الله عليه وسلم (أن يورد ممرض على مصح» [أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: 5774, ومسلم في "صحيحه" رقم: 2221.]
لما في ذلك من الضرر.

وكذلك نهى الجذمى ونحوهم عن مخالطة الناس، وهذا وغيره داخل في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58] ونهى عن ترويع المسلم، ولو على وجه المزح.

ومن هذا السخرية بالخلق، والاستهزاء بهم، والوقيعة في أعراضهم، والتحريش بينهم.
فكله داخل في المضارة والمشاقة الموجب للعقوبة.
وكما يدل الحديث بمنطوقه: أن من ضار وشاق ضره الله وشق عليه،

فإن مفهومه يدل على: أن من أزال الضرر والمشقة عن المسلم فإن الله يجلب له الخير، ويدفع عنه الضرر والمشاق، جزاء وفاقا، سواء كان متعلقا بنفسه أو بغيره." اهـ

شرح المفردات :

المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 511)
قوله: "من ضار أضر الله به"؛ أي: من أوصل ضررًا إلى مسلم أوصل الله إليه ضررًا.
"ومن شاق شق الله عليه"، (الشق): تفريق الجماعة، وإيصالُ مشقةٍ إلى أحد؛ يعني: مَن فرق جماعة المسلمين فرق الله أمره، ومن أوصل مشقةً إلى أحد أوصل الله إليه مشقة.

نيل الأوطار (5/ 312)
وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الضُّرِّ وَالضِّرَارِ، فَقِيلَ: إنَّ الضُّرَّ: فِعْلُ الْوَاحِدِ، وَالضِّرَارَ: فِعْلُ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَقِيلَ: الضِّرَارُ: أَنْ تَضُرَّهُ بِغَيْرِ أَنْ تَنْتَفِعَ، وَالضُّرُّ: أَنْ تَضُرَّهُ وَتَنْتَفِعَ أَنْتَ بِهِ وَقِيلَ: الضِّرَارُ: الْجَزَاءُ عَلَى الضُّرِّ، وَالضُّرُّ: الِابْتِدَاءُ وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى.

عون المعبود وحاشية ابن القيم (10/ 46)
وَالْمُشَاقَّةُ الْمُنَازَعَةُ أَيْ مَنْ نَازَعَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا (شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ جَزَاءً وِفَاقًا

من فوائد الحديث :

عون المعبود وحاشية ابن القيم (10/ 46)
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الضِّرَارِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَارِ وَغَيْرِهِ


[1] وفي لب اللباب في تحريرالأنساب (ص: 109) لأبي بكر السيوطي :
"الدولابي: صوابه بفتح أوله والناس يضمونه إلى عمل الدولاب ودولاب قرية بالريِّ." اهـ

Jumat, 22 Maret 2019

مختصر منهاج القاصدين



واعلم: أن المخالف لأمر الله تعالى على أقسام:

أحدهما : أن يكون كافراً،
* فإن كان حربياً فهو مستحق للقتل والإرقاق، وليس بعد هذين إهانة،
* وإن كان ذمياً فلا يجوز إيذاؤه : إلا بالإعراض عنه، والتحقير له بالاضطرار له إلى أضيق الطريق، وترك البداءة بالسلام. فإن سلم قيل له: وعليك.
والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته، ومن المكروه الاسترسال إليه والانبساط كما يفعل بالأصدقاء.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه )
والمعنى : لا تتوسعوا لهم إذا قابلوكم حتى يكون لهم السعة ويكون الضيق عليكم ، بل استمروا في اتجاهكم وسيركم ، واجعلوا الضيق إن كان هناك ضيق على هؤلاء ،
ومن المعلوم أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ليس إذا رأى الكافر ذهب يزْحَمه إلى الجدار حتى يرصُّهُ على الجدار ، لم يكن النبي _صلى الله عليه وسلم_ يفعل هذا باليهود في المدينة ولا أصحابه يفعلونه بعد فتوح الأمصار.
فالمعنى :
أنكم كما لا تبدؤونهم بالسلام لا تفسحوا لهم ، فإذا لقوكم فلا تتفرقوا حتى يعبروا ، بل استمروا على ما أنتم عليه ، واجعلوا الضيق عليهم إن كان في الطريق ضيق ،
وليس الحديث تنفير عن الإسلام ، بل فيه إظهار لعزة المسلم ، وأنه لا يذل لأحد إلا لربه _عز وجل_.


الحمد لله
1_ لا يحل - أولاً - أن نبدأ الكافر بالسلام

لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام .. " . رواه مسلم ( 2167 ) .
2_ وإذا قال أحدهم " السام عليكم " - أي : الموت عليكم - ، أو لم يظهر لفظ السلام واضحا من كلامه : فإننا نجيبه بقولنا " وعليكم " .
لِما جاء عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السام عليكم فقل : عليك " . رواه البخاري ( 5902 ) ومسلم (2461)
3_ فإذا تحققنا من سلام الكفار علينا باللفظ الشرعي ، فقد اختلف العلماء في وجوب الرد عليهم ، والوجوب هو قول الجمهور ، وهو الصواب .
قال ابن القيم _رحمه الله_ :
واختلفوا في وجوب الرد عليهم فالجمهور على وجوبه وهو الصواب وقالت طائفة لا يجب الرد عليهم كما لا يجب على أهل  البدع وأَوْلى ، والصواب الأول والفرق أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرا لهم وتحذيرا منهم بخلاف أهل الذمة . أ.هـ " زاد المعاد "     ( 2 / 425 ، 426)
4_ ويقول الرادّ من المسلمين الرد الشرعي باللفظ الشرعي ، مثل تحيته أو أحسن لعموم قوله _تعالى_ : {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]
قال ابن القيم _رحمه الله_ :
أحكام أهل الذمة (1/ 425_426)
فَلَوْ تَحَقَّقَ السَّامِعُ أَنَّ الذِّمِّيَّ قَالَ لَهُ: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " لَا شَكَّ فِيهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: " وَعَلَيْكَ؟ " فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ أَنْ يُقَالَ: لَهُ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ وَاللَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]،___
فَنَدَبَ إِلَى الْفَضْلِ، وَأَوْجَبَ الْعَدْلَ وَلَا يُنَافِي هَذَا شَيْئًا مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِوَجْهٍ مَا،
فَإِنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ إِنَّمَا أَمَرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِ الرَّادِّ " وَعَلَيْكُمْ " بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ الْمَذْكُورِ الَّذِي كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي تَحِيَّتِهِمْ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: " «أَلَا تَرَيْنَنِي قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ، لَمَّا قَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ؟ " ثُمَّ قَالَ: " إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ»
وَالِاعْتِبَارُ وَإِنْ كَانَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عُمُومُهُ فِي نَظِيرِ الْمَذْكُورِ لَا فِيمَا يُخَالِفُهُ.
قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8] ،
فَإِذَا زَالَ هَذَا السَّبَبُ وَقَالَ الْكِتَابِيُّ: "سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، فَالْعَدْلُ فِي التَّحِيَّةِ يَقْتَضِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نَظِيرَ سَلَامِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ." اهـ كلام ابن القيم
وحديث عائشة رواه البخاري ( 5901 ) ومسلم (2165)

مختصر منهاج القاصدين (ص: 98)
القسم الثانى : المبتدع،
* فان كان ممن يدعو إلى بدعة، وكانت البدعة بحيث يكفر بها : فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة،
* وإن كان ممن لا يكفر بها. فأمره بينه وبين الله _تعالى_ أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن الأمر فى الإنكار عليه أشد منه على الكافر، لأن شر الكافر غير متعد، لأنه لا يلتفت إلي قوله، بخلاف المبتدع الذي يدعو إلى بدعته لأنه يزعم أن ما يدعو إليه حق، فيكون سبباً لغواية الخلق، فشره متعد، فإظهار بغضه والانقطاع عنه ومعاداته وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد.
فأما المبتدع العامى الذي لا يقدر أن يدعو ولا يخاف الاقتداء به، فأمره أهون، والأولى أن يتلطف به فى النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب، فإن لم ينفع النصح وكان فى الإعراض عنه تقبيح لبدعته فى عينه، تأكد استحباب الإعراض عنه، وأن علم أن ذلك لا يؤثر لجمود طبعه ورسوخ اعتقاده فى قلبه، فالأعراض عنه أولى، لأن البدعة إذا لم يبالغ فى تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها.

الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (1/ 50)
فَالْبِدْعَةُ إِذَنْ عِبَارَةٌ عَنْ: طَرِيقَةٍ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٍ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ.
وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يُدْخِلُ الْعَادَاتِ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ، وَإِنَّمَا___يَخُصُّهَا بِالْعِبَادَاتِ،
وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ أَدْخَلَ الْأَعْمَالَ الْعَادِيَّةَ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ، فَيَقُولُ:
(الْبِدْعَةُ: طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ)." اهـ كلام الشاطبي

الأصل في التعامل مع المبتدع:
الموقف الأصلي العام للسلف من المبتدعة هو هجرهم، وترك مجالستهم ومناظرتهم؛ لأن الأمور الباعثة لهم على الهجر من المصالح الدائمة الغالب وجودها مثل الخوف من انتشار البدعة، أو التأثر بها، أما إن تخلفت هذه المصالح، أو كانت المصلحة في غير ذلك الهجر فإن الحكم هنا دائر مع منفعته، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه كما قال ابن تيمية (الفتاوى:8/206).
قال ابن عبد البر في فوائد حديث كعب بن مالك في الذين خلفوا: "وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته، وقطع الكلام عنه" (التمهيد:4/87)،
وقال البَغْوي: "وفيه -أي حديث كعب بن مالك- دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد" (شرح السنة:1/227)،
وقد مضى الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم.

لمعة الاعتقاد (ص: 40_42)
"ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في___كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع، كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة__والكرامية، والكلابية، ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها." اهـ

فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (3/ 39)
س: بم تنصحوننا في كيفية التعامل مع المبتدعة الذين نراهم ونتكلم معهم، ونتعامل معهم كل يوم؟

ج: الواجب هجرهم على بدعتهم، إذا أظهروا البدعة فالواجب___ : هجرهم بعد النصيحة والتوجيه، فإن المسلم ينصح أخاه، ويحذرهم مما حرم الله عليهم من البدع والمعاصي الظاهرة فإن تاب وإلا استحق أن يهجر ولا يعامل لعله يتوب لعله يندم لعله يرجع إلى الصواب، إلا إذا كان الهجر يترتب عليه ما لا تحمد عقباه فإنه يتركه إذا كان تركه أصلح في الدين، وأكثر للخير وأقرب إلى النجاح، فإنه لا يهجره بل يداوم على نصحه وتحذيره، من الباطل ولا يهجره قد يهديه الله بسبب ذلك، فالمؤمن كالطبيب إذا رأى العلاج نافعا فعله، وإذا رآه ليس بنافع تركه، فالهجر من باب العلاج، فإن كان الهجر يؤثر خيرا وينفع هجر، وكان ذلك من باب العلاج، لعله يتوب ولعله يرجع عن الخطأ، إذا رأى من إخوانه أنهم يهجرونه، أما إن كان الهجر يسبب مزيدا من الشر، وكثرة أهل الشر وتعاونهم، فإنه لا يهجر ولكن يديم النصح له، والتوجيه وإظهار الكراهة لما عمل، ويبين له عدم موافقته على باطله، ولكن يستمر في النصيحة والتوجيه.

مختصر منهاج القاصدين (ص: 98)
القسم الثالث : العاصي بفعله لا باعتقاده، فإن كانت بحيث يتأذى بها غيره، كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك، فالأولى الأعراض عنه وترك مخالطته والانقباض عن معاملته،
وكذلك الحكم فيمن يدعو إلى الفساد، كالذى يجمع بين الرجال والنساء ويهيء أسباب الشر لأهل الفساد، فهذا ينبغى إهانته ومقاطعته والإعراض عنه.
فأما الذي يفسق فى نفسه بشرب خمر أو زنا أو سرقة أو ترك واجب، فالأمر فيه أخف، ولكنه فى وقت مباشرته إن صودف، وجب منعه بما يمتنع به، فإن كان النصح يرده وكان أنفع له، نصح وإلا أغلظ له.

جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 292)
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ كَانَ مَسْتُورًا لَا يَعْرِفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ هَفْوَةٌ، أَوْ زَلَّةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَشْفُهَا، وَلَا هَتْكُهَا، وَلَا التَّحَدُّثُ بِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ النُّصُوصُ، وَفِي ذَلِكَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19] [النُّورِ: 19] . وَالْمُرَادُ: إِشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَتِرِ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ، أَوِ اتُّهِمَ بِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ. قَالَ بَعْضُ الْوُزَرَاءِ الصَّالِحِينَ لِبَعْضِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ: اجْتَهِدْ أَنْ تَسْتُرَ الْعُصَاةَ، فَإِنَّ ظُهُورَ مَعَاصِيهِمْ عَيْبٌ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَأَوْلَى الْأُمُورِ سَتْرُ الْعُيُوبِ،...___
وَالثَّانِي: مَنْ كَانَ مُشْتَهِرًا بِالْمَعَاصِي، مُعْلِنًا بِهَا لَا يُبَالِي بِمَا ارْتَكَبَ مِنْهَا، وَلَا بِمَا قِيلَ لَهُ فَهَذَا هُوَ الْفَاجِرُ الْمُعْلِنُ، وَلَيْسَ لَهُ غِيبَةٌ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا بَأْسَ بِالْبَحْثِ عَنْ أَمْرِهِ لِتُقَامَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ. صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارْجُمْهَا» . وَمِثْلُ هَذَا لَا يُشْفَعُ لَهُ إِذَا أُخِذَ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ السُّلْطَانَ، بَلْ يُتْرَكُ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِيَنْكَفَّ شَرُّهُ، وَيَرْتَدِعَ بِهِ أَمْثَالُهُ. قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ أَذًى لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مِنْهُ زَلَّةٌ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْفَعَ لَهُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْإِمَامَ، وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ بِشَرٍّ أَوْ فَسَادٍ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنْ يُتْرَكُ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ.

Kamis, 21 Maret 2019

بَابُ: صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا



تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 70)
58 - وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ: «اذْكُرُوا مِنَ النَّارِ مَا شِئْتُمْ؛ فَلَا تَذْكُرُونَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا وَهِيَ أَشَدُّ مِنْهُ»

وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي , قَالَ: أَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا مُوسَى بْنُ نَصْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ قَالَ :
"لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 43] وَضَعَ سَلْمَانُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَخَرَجَ هَارِبًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ حَتَّى جِيءَ بِهِ

المجالسة وجواهر العلم (3/ 212)
المؤلف : أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي (المتوفى : 333هـ) :
853 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ قَالَ:
"اذْكُرُوا مِنْ عَظَمَةِ اللهِ مَا شِئْتُمْ، وَلَا تَذْكُرُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَاذْكُرُوا مِنَ النَّارِ مَا شِئْتُمْ، وَلَا تَذْكُرُونَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا وَهِيَ أَشَدُّ مِنْهُ، وَاذْكُرُوا مِنَ الْجَنَّةِ مَا شِئْتُمْ، وَلَا تَذْكُرُونَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ.

وانظر : مختصر تاريخ دمشق (23/ 81) لابن منظور الإفريقي، سير أعلام النبلاء ط الرسالة (4/ 406) في ترجمة أَبي جَعْفَرٍ البَاقِرُ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 70)
59 - وَرَوَى يَزِيدُ الرُّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ :
جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_  فِي سَاعَةٍ مَا كَانَ يَأْتِيهِ فِيهَا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ،
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ :
«مَا لِي أَرَاكَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؟»
فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ جِئْتُكَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِمَنَافِخِ النَّارِ أَنْ تُنْفَخَ فِيهَا، وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ جَهَنَّمَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ وَأَنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَكْبَرُ أَنْ تَقَرَّ عَيْنُهُ حَتَّى يَأْمَنَهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ : «يَا جِبْرِيلُ صِفْ لِي جَهَنَّمَ»
قَالَ : نَعَمْ. إِنَّ اللَّهَ _تَعَالَى_ لَمَّا خَلَقَ جَهَنَّمَ أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ فَاحْمَرَّتْ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ فَابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ فَاسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لَا يَنْطَفِئُ لَهَبُهَا، وَلَا جَمْرُهَا،
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ مِثْلَ خُرْمِ إِبْرَةٍ فُتِحَ مِنْهَا لَاحْتَرَقَ أَهْلُ الدُّنْيَا عَنْ آخِرِهِمْ مِنْ حَرِّهَا،
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ ثَوْبًا مِنْ أَثْوَابِ أَهْلِ النَّارِ عُلِّقَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَمَاتَ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ نَتَنِهَا وَحَرِّهَا عَنْ آخِرِهِمْ، لِمَا يَجِدُونَ مِنْ حَرِّهَا،
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَوْ أَنَّ ذِرَاعًا مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ : لَذَابَ حَتَّى يَبْلُغَ الْأَرْضَ السَّابِعَةَ.
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَوْ أَنَّ رَجُلًا بِالْمَغْرِبِ يُعَذَّبُ، لَاحْتَرَقَ الَّذِي بِالْمَشْرِقِ مِنْ شِدَّةِ عَذَابِهَا، حَرُّهَا شَدِيدٌ___وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحُلِيُّهَا حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا الْحَمِيمُ وَالصَّدِيدُ، وَثِيَابُهَا مُقَطَّعَاتٌ.
النِّيرَانُ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ.
لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَقَالَ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ :
«أَهِيَ كَأَبْوَابِنَا هَذِهِ؟» قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهَا مَفْتُوحَةٌ، بَعْضُهَا أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ.
مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ سَنَةً، كُلُّ بَابٍ مِنْهَا أَشَدُّ حَرًّا مِنَ الَّذِي يَلِيهِ سَبْعِينَ ضِعْفًا، يُسَاقُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَيْهَا فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَى بَابِهَا اسْتَقْبَلَتْهُمُ الزَّبَانِيَةُ بَالْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ،
فَتُسْلَكُ السِّلْسِلَةُ فِي فَمِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ، وَتُغَلُّ يَدُهُ الْيُسْرَى إِلَى عُنُقِهِ وَتَدْخُلُ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي فُؤَادِهِ وَتُنْزَعُ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ،
وَتُشَدُّ بِالسَّلَاسِلِ وَيُقْرَنُ كُلُّ آدَمِيٍّ مَعَ شَيْطَانٍ فِي سِلْسِلَةٍ، وَيُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ وَتَضْرِبُهُ الْمَلَائِكَةُ، بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا.
فَقَالَ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ :
«مَنْ سُكَّانُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ؟»
فَقَالَ :
"أَمَّا الْبَابُ الْأَسْفَلُ : فَفِيهِ الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ وَآلِ فِرْعَوْنَ، وَاسْمُهَا الْهَاوِيَةُ،
وَالْبَابُ الثَّانِي : فِيهِ الْمُشْرِكُونَ، وَاسْمُهُ : الْجَحِيمُ،
وَالْبَابُ الثَّالِثُ : فِيهِ الصَّابِئُونَ، وَاسْمُهُ سَقَرٌ،
وَالْبَابُ الرَّابِعُ : فِيهِ إِبْلِيسُ، وَمَنْ تَبِعَهُ، وَالْمَجُوسُ. وَاسْمُهُ : لَظَى،
وَالْبَابُ الْخَامِسُ : فِيهِ الْيَهُودُ. وَاسْمُهُ : الْحُطَمَةُ،
وَالْبَابُ السَّادِسُ : فِيهِ النَّصَارَى. وَاسْمُهُ : السَّعِيرُ، ثُمَّ أَمْسَكَ جِبْرِيلُ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_.
فَقَالَ لَهُ _عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ_ :
«أَلَا تُخْبِرُنِي مَنْ سُكَّانُ الْبَابِ السَّابِعِ؟»
فَقَالَ :
"فِيهِ أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِكَ : الَّذِينَ مَاتُوا، وَلَمْ يَتُوبُوا"،
فَخَرَّ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ،
فَوَضَعَ جِبْرِيلُ رَأْسَهُ عَلَى حِجْرِهِ حَتَّى أَفَاقَ،
قَالَ : «يَا جِبْرِيلُ، عَظُمَتْ مُصِيبَتِي وَاشْتَدَّ حُزْنِي، أَوَ يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي النَّارَ»
قَالَ : "نَعَمْ، أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِكَ."
ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَبَكَى جِبْرِيلُ.
وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلَهُ وَاحْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ.
فَكَانَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ يُصَلِّي وَيَدْخُلُ وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا وَيَأْخُذُ فِي الصَّلَاةِ وَيَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى،
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ حَتَّى وَقَفَ بِالْبَابِ
وَقَالَ :
"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، هَلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ سَبِيلٍ؟"
فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَتَنَحَّى بَاكِيًا، فَأَقْبَلَ عُمَرُ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_، فَوَقَفَ بِالْبَابِ،
وَقَالَ : "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، هَلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ سَبِيلٍ؟"
فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَتَنَحَّى وَهُوَ يَبْكِي،
فَأَقْبَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَتَّى وَقَفَ بِالْبَابِ وَقَالَ :
"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، هَلْ إِلَى مَوْلَايَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ سَبِيلٍ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَأَقْبَلَ يَبْكِي مَرَّةً وَيَقَعُ مَرَّةً، وَيَقُومُ أُخْرَى حَتَّى أَتَى بِبَيْتِ فَاطِمَةَ وَوَقَفَ بِالْبَابِ،
ثُمَّ قَالَ : "السَّلَامُ عَلَيْكِ، يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_".
وَكَانَ عَلِيٌّ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ غَائِبًا،
فَقَالَ : "يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَدِ احْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ، فَلَيْسَ يَخْرُجُ إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا وَلَا يَأْذَنُ لِأَحَدٍ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ"،
فَاشْتَمَلَتْ فَاطِمَةُ بِعَبَاءَةٍ قُطْوَانِيَّةٍ، وَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، ثُمَّ سَلَّمَتْ، وَقَالَتْ : "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا فَاطِمَةُ."
وَرَسُولُ اللَّهِ سَاجِدٌ يَبْكِي، فَرَفَعَ رَأْسَهُ،
وَقَالَ :
«مَا بَالُ قُرَّةِ عَيْنِي فَاطِمَةَ حُجِبَتْ عَنِّي افْتَحُوا لَهَا الْبَابَ»
فَفُتِحَ لَهَا الْبَابُ، فَدَخَلَتْ فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، بَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا،
لَمَّا رَأَتْ مِنْ حَالِهِ مُصْفَرًّا مُتَغَيِّرًا، قَدْ ذَابَ لَحْمُ وَجْهِهِ مِنَ الْبُكَاءِ وَالْحُزْنِ : فَقَالَتْ : "يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الَّذِي نَزَلَ عَلَيْكَ؟"
فَقَالَ :
«يَا فَاطِمَةُ جَاءَنِي جِبْرِيلُ وَوَصَفَ لِي أَبْوَابَ جَهَنَّمَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِي أَعْلَى بَابِهَا أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي وَأَحْزَنَنِي» .
قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَدْخُلُونَهَا؟ قَالَ: «بَلَى تَسُوقُهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى النَّارِ وَلَا تَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ وَلَا تَزْرَقُّ أَعْيُنُهُمْ وَلَا يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَلَا يُقْرَنُونَ مَعَ الشَّيَاطِينِ وَلَا يُوضَعُ عَلَيْهِمُ السَّلَاسِلُ وَالْأَغْلَالُ» .
قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَقُودُهُمُ الْمَلَائِكَةُ؟
فَقَالَ : " أَمَّا الرِّجَالُ فَبِاللِّحَى وَأَمَّا النِّسَاءُ فَبِالذَّوَائِبِ وَالنَّوَاصِي، فَكَمْ مِنْ شَيْبَةٍ مِنْ أُمَّتِي يُقْبَضُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَيُقَادُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ يُنَادِي وَاشَيْبَتَاهُ وَاضَعْفَاهُ،
وَكَمْ مِنْ شَابٍّ قَدْ قُبِضَ عَلَى لِحْيَتِهِ يُسَاقُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ يُنَادِي وَاشَبَابَاهُ.
وَاحُسْنَ صُورَتَاهُ،
وَكَمْ مِنَ امْرَأَةٍ مِنْ أُمَّتِي قَدْ قُبِضَ عَلَى نَاصِيَتِهَا تُقَادُ إِلَى النَّارِ وَهِيَ تُنَادِي وَافَضِيحَتَاهُ وَاهَتْكَ سِتْرَاهُ، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِمْ إِلَى مَالِكٍ،
فإذا نظر إليهم مالك قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَمَا وَرَدَ عَلَيَّ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ أَعْجَبُ شَأْنًا مِنْ هَؤُلَاءِ! لَمْ تَسْوَدَّ وُجُوهُهُمْ وَلَمْ تَزْرَقَّ أَعْيُنُهُمْ وَلَمْ يُخْتَمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَلَمْ يُقْرَنُوا مَعَ الشَّيَاطِينِ وَلَمْ تُوضَعُ السَّلَاسِلُ وَالْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ؟
فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ :
"هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَأْتِيَكَ بِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ."
فَيَقُولُ لَهُمْ مَالِكٌ : "يَا مَعْشَرَ الْأَشْقِيَاءِ مَنْ أَنْتُمْ؟ ".
وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ :
أَنَّهُمْ لَمَّا قَادَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يُنَادُونَ وَا مُحَمَّدَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْا مَالِكًا نَسُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ هَيْبَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ : "مَنْ أَنْتُمْ؟"
فَيَقُولُونَ :
"نَحْنُ مِمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ، وَنَحْنُ مِمَّنْ يَصُومُ رَمَضَانَ"،
فَيَقُولُ مَالِكٌ : "مَا نَزَل الْقُرْآنُ إِلَّا عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_.
فَإِذَا سَمِعُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ : صَاحُوا، وَقَالُوا :
"نَحْنُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_"،
فَيَقُولُ لَهُمْ مَالِكٌ : "أَمَا كَانَ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ زَاجِرٌ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى؟!"
فَإِذَا وَقَفَ بِهِمْ شَفِيرَ جَهَنَّمَ، وَنَظَرُوا إِلَى النَّارِ وَإِلَى الزَّبَانِيَةِ،
قَالُوا يَا مَالِكُ : "ائْذَنْ لَنَا فَنَبْكِي عَلَى أَنْفُسِنَا"،
فَيَأْذَنُ لَهُمْ فَيَبْكُونَ الدُّمُوعَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ دُمُوعٌ فَيَبْكُونَ الدَّمَ، فَيَقُولُ مَالِكٌ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْبُكَاءَ لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْبُكَاءُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ مَا مَسَّتْكُمُ النَّارُ الْيَوْمَ.
فَيَقُولُ مَالِكٌ لِلزَّبَانِيَةِ أَلْقُوهُمْ.
أَلْقُوهُمْ فِي النَّارِ.
فَإِذَا أُلْقُوا فِي النَّارِ، نَادَوْا بِأَجْمَعِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَتَرْجِعُ النَّارُ عَنْهُمْ فَيَقُولُ مَالِكٌ يَا نَارُ خُذِيهِمْ، فَتَقُولُ كَيْفَ آخُذُهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَيَقُولُ مَالِكٌ لِلنَّارِ: خُذِيهِمْ، فَتَقُولُ كَيْفَ آخُذُهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
فَيَقُولُ مَالِكٌ : نَعَمْ بِذَلِكَ أَمَرَ رَبُّ الْعَرْشِ.
فَتَأْخُذُهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حَلْقِهِ.
فَإِذَا أَهْوَتِ النَّارُ إِلَى وَجْهِهِ، قَالَ مَالِكٌ لَا تَحْرِقِي وَجُوهَهُمْ فَطَالَمَا سَجَدُوا لِلرَّحْمَنِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا تَحْرِقِي قُلُوبَهُمْ فَطَالَمَا عَطِشُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ"،
فَيَبْقُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِيهَا وَيَقُولُونَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ، فَإِذَا أَنْفَذَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمَهُ قَالَ يَا جِبْرِيلُ: مَا فَعَلَ الْعَاصُونَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَانْظُرْ مَا حَالُهُمْ.
فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى مَالِكٍ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ نَارٍ فِي وَسَطِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا نَظَرَ مَالِكٌ إِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَامَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَيَقُولُ يَا جِبْرِيلُ: مَا أَدْخَلَكَ هَذَا الْمَوْضِعَ؟ ! فَيَقُولُ مَا فَعَلْتَ بِالْعِصَابَةِ الْعَاصِيَةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ فَيَقُولُ مَالِكٌ: مَا أَسْوَأَ حَالَهُمْ وَأَضْيَقَ مَكَانَهُمْ، قَدْ أُحْرِقَتْ أَجْسَامُهُمْ وَأُكِلَتْ لُحُومُهُمْ، وَبَقِيَتْ وَجُوهُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ يَتَلأْلأُ فِيهَا الْإِيمَانُ،___
فَيَقُولُ جِبْرِيلُ ارْفَعِ الطَّبَقَ عَنْهُمْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ، فَيَأْمُرُ مَالِكٌ الْخَزَنَةَ فَيَرْفَعُونَ الطَّبَقَ عَنْهُمْ، فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى جِبْرِيلَ وَإِلَى حُسْنِ خُلُقِهِ عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، فَيَقُولُونَ مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الَّذِي لَمْ نَرَ أَحَدًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ؟ فَيَقُولُ مَالِكٌ: هَذَا جِبْرِيلُ الْكَرِيمُ عَلَى رَبِّهِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ.
فَإِذَا سَمِعُوا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَقَالُوا :
"يَا جِبْرِيلُ، أَقْرِئْ مُحَمَّدًا _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنَّا السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ مَعَاصِينَا فَرَّقَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَأَخْبِرْهُ بِسُوءِ حَالِنَا"،
فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى، كَيْفَ رَأَيْتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ؟ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا أَسْوَأَ حَالَهُمْ وَأَضْيَقَ مَكَانَهُمْ، فَيَقُولُ هَلْ سَأَلُوكَ شَيْئًا؟
فَيَقُولُ يَا رَبِّ نَعَمْ سَأَلُونِي أَنْ أُقْرِئَ نَبِيَّهُمْ مِنْهُمُ السَّلَامَ، وَأُخْبِرْهُ بِسُوءِ حَالِهِمْ،
فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى انْطَلِقْ وَأَخْبِرْهُ فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ لَهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ بَابٍ، لِكُلِّ بَابٍ مِصْرَاعَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ قَدْ جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ الْعِصَابَةِ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ مِنْ أُمَّتِكَ فِي النَّارِ، وَهُمْ يُقْرِؤُونَكَ السَّلَامَ وَيَقُولُونَ مَا أَسْوَأَ حَالَنَا وَأَضْيَقَ مَكَانَنَا فَيَأْتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ فَيَخِرُّ سَاجِدًا وَيُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ثَنَاءً لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِثْلَهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ الْأَشْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِي، قَدْ أَنْفَذْتَ فِيهِمْ حُكْمَكَ وَانْتَقَمْتَ مِنْهُمْ، فَشَفِّعْنِي فِيهِمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ شَفَّعْتُكَ فِيهِمْ، فَائْتِ النَّارَ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَنْطَلِقُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا نَظَرَ مَالِكٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَيَقُولُ يَا مَالِكُ مَا حَالُ أُمَّتِي الْأَشْقِيَاءِ؟ فَيَقُولُ مَا أَسْوَأَ حَالَهُمْ وَأَضْيَقَ مَكَانَهُمْ؛ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَحِ الْبَابَ وَارْفَعِ الطَّبَقَ فَإِذَا نَظَرَ أَهْلُ النَّارِ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدٌ أَحْرَقَتِ النَّارُ جُلُودَنَا، وَأَحْرَقَتْ أَكْبَادَنَا،____فَيُخْرِجُهُمْ جَمِيعًا وَقَدْ صَارُوا فَحْمًا قَدْ أَكَلَتْهُمُ النَّارُ، فَيَنْطَلِقُ إِلَى نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ يُسَمَّى نَهْرُ الْحَيَوَانِ، فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ شَبَابًا جُرُدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ، وَكَأَنَّ وَجُوهَهُمْ مِثْلُ الْقَمَرِ، مَكْتُوبٌ عَلَى جِبَاهِهِمْ، الْجَهَنَّمِيُّونَ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ مِنَ النَّارِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
فَإِذَا رَأَى أَهْلُ النَّارِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا، قَالُوا يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِينَ، وَكُنَّا نَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] .

الحديث 59 :
المعجم الأوسط (3/ 89/ رقم : 2583 )، صفة النار لابن أبي الدنيا (ص: 103) (رقم : 157)
قال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (2/ 432) (رقم : 2125) : "موضوع"

وفيه : سلام بن سليم أو ابن سلم أو ابن سليمان ، التميمى السعدى أبو سليمان ، و يقال أبو أيوب ، المدائنى ، و هو سلام الطويل
الطبقة :  7  : من كبار أتباع التابعين
الوفاة :  177 هـ
روى له :  ق  ( ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر :  متروك
رتبته عند الذهبي :  قال البخارى : تركوه

تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (3/ 1374)
قال العراقي: رواه بطوله ابن أبي الدنيا في أخبار الخلفاء هكذا معضلاً بغير إسناد اهـ.
قلت: وكذلك البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر.
==================================

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 75)
 - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: " يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحٌ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْتَ؟ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَعْرِفُونَهُ، وَيُقَالُ يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْتَ، فَيَنْظُرُونَهُ فَيَعْرِفُونَهُ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم: 39] الْآيَةُ ".
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يُغْبَطَنَّ فَاجِرٌ بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّ وَرَاءَهُ طَالِبًا حَثِيثًا، وَهِيَ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ