Minggu, 21 Juli 2019

Hadits 20



الحديث العشرون : شرط صحّة الصلاة.

[حديث لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حتى يتوضأ]

الحديث العشرون :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ - إِذَا أَحْدَثَ - حتى يتوضأ» متفق عليه.

قال الشيخ السعدي _رحمه الله_ :
"يدل الحديث :
* بمنطوقه: أن من لم يتوضأ إذا أحدث فصلاته غير مقبولة: أي غير صحيحة، ولا مجزئة،
* وبمفهومه: أن من توضأ قبلت صلاته: أي مع بقية ما يجب ويشترط للصلاة ; لأن الشارع يعلق كثيرا من الأحكام على أمور معينة لا تكفي وحدها لترتب الحكم، حتى ينضم إليها بقية الشروط، وحتى تنتفي الموانع.

وهذا الأصل الشرعي متفق عليه بين أهل العلم، لأن العبادة التي تحتوي على أمور كثيرة - كالصلاة مثلا - لا يشترط أن تجمع أحكامها في كلام الشارع في موضع واحد، بل يجمع جميع ما ورد فيها من الأحكام، فيؤخذ مجموع أحكامها من نصوص متعددة.

وهذا من أكبر الأسباب لوضع الفقهاء علوم الفقه والأحكام، وترتيبها وتبويبها، وضم الأجناس والأنواع___بعضِها لبعضٍ للتقريب على غيرهم. فلهم في ذلك اليد البيضاء فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

وهذا الأصل ينبغي أن تعتبره في كل موضع. وهو أن الأحكام لا تتم إلا باجتماع شروطها ولوازمها، وانتفاء موانعها.

والحَدَثُ يشمل جميع نواقض الوضوء، فيدخل فيه الخارج من السبيلين، والنوم الناقض للوضوء، والخارج الفاحش من بقية البدن إذا كان نجسا، وأكل لحم الإبل، ولمس المرأة لشهوة، ولمس الفرج باليد، وفي بعضها خلاف.

فكل من وجد منه شيءٌ من هذه النواقض لم تصِحَّ صلاته، حتى يتوضأَ الوضوء الشرعي، فيغسل الأعضاء التي نص الله عليها في سورة المائدة، مع الترتيب والموالاة، أو يتطهر بالتراب بدلَ الماءِ عند تعذر استعمال الماء: إما لعدمه، وإما لخوفه باستعماله الضرر.

وفي هذا دليل على أنه لو صلى ناسيا أو جاهلا حَدَثَه، فعليه الإعادة لعموم الحديث، وهو متفق عليه. فهو وإن كان مثابا على فعلِه صُوْرَةَ الصلاةِ وما فيها من العبادات،
لكن عليه الإعادة لإبراء ذمته. وهذا بخلاف من تطهر ونسي ما على بدنه أو ثوبه من النجاسة، فإنه لا إعادة عليه على الصحيح ; لأن الطهارة من باب فعل الأمور التي لا تبرأ الذمة إلا بفعلها. وأما اجتناب النجاسة فإنه من باب اجتناب المحظور الذي إذا فعل، والإنسان معذور، فلا إعادة عليه." اهـ كلام الشيخ السعدي _رحمه الله_

فهاهنا عدة أمور لابد من فهمها والتفريق بينها  :
الأول : النسيان لا يسقط المطالبة بالفعل في باب المأمورات.
الثاني : النسيان رافع للإثم والمؤاخذة إذا حصل به تفويت المأمور.
الثالث : النسيان رافع للإثم والمؤاخذة إذا حصل به ارتكاب محظور.
الرابع : النسيان يجعل وجود المحظور كعدمه، أي : لا يجوز لك أن ترتب عليه أي حكم شرعي.

الشرط في اصطلاح أهل الأصول : ما يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده الوجود .
فشروط صحة الصلاة : هي ما يتوقف عليها صحة الصلاة ، بحيث إذا اختل شرط من هذه الشروط فالصلاة غير صحيحة ، وهي :
الشرط الأول : دخول الوقت – وهو أهم الشروط - :
فلا تصح الصلاة قبل دخول وقتها بإجماع العلماء ؛ لقوله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) النساء /103
الشرط الثاني : ستر العورة ،
فمن صلى وهو كاشف لعورته ، فإن صلاته لا تصح ؛ لقول الله تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) الأعراف/31 .
قال ابن عبد البر رحمه الله : "وأجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه ، وهو قادر على الاستتار به وصلى عرياناً" انتهى
والعورات بالنسبة للمصلين أقسام :
1.   عورة مخففة : وهي عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين ، فإن عورته الفرجان فقط : القبل والدبر .
2.   عورة متوسطة : وهي عورة من بلغ عشر سنين فما فوق ، ما بين السرة والركبة،
3.   عورة مغلظة : وهي عورة المرأة الحرة البالغة ، فجميع بدنها عورة في الصلاة ، إلا الوجه والكفين ، واختلف العلماء في ظهور القدمين .

الشرط الثالث والرابع : الطهارة ، وهي نوعان : طهارة من الحدث ، وطهارة من النجس
1.   الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر ،
فمن صلى وهو محدث ، فإن صلاته لا تصح بإجماع العلماء ؛
لما روى البخاري (6954) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)
2.   الطهارة من النجاسة ،
فمن صلى وعليه نجاسة عالماً بها ذاكراً لها ، فإن صلاته لا تصح.
ويجب على المصلي أن يجتنب النجاسة في ثلاثة مواضع :
الموضع الأول : البدن ، فلا يكون على بدنه شيء من النجاسة ؛ ويدل عليه ما رواه مسلم (292) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : ( مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ .. ) الحديث .
الموضع الثاني : الثوب ،
ويدل عليه ما رواه البخاري (227) عَنْ أَسْمَاءَ بنت أبي بكر رضي الله عنهما قَالَتْ : ( جَاءَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ ؟ قَالَ : تَحُتُّهُ ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ ، وَتَنْضَحُهُ ، وَتُصَلِّي فِيه
الموضع الثالث : المكان الذي يُصلى فيه،
ويدل عليه ما رواه البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ :
(جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْه

الشرط الخامس : استقبال القبلة ،
فمن صلى فريضة إلى غير القبلة ، وهو قادر على استقبالها، فإن صلاته باطلة بإجماع العلماء ؛ لقوله تعالى : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) البقرة/144 ،
ولقوله صلى الله عليه وسلم – في حديث المسيء صلاته - : ( ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ) رواه البخاري (6667)

الشرط السادس : النية ، فمن صلى بلا نية فصلاته باطلة ؛ لما روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) ، فلا يقبل الله عملاً إلا بنية.

والشروط الستة السابقة ، إنما هي خاصة بالصلاة ،
ويضاف إليها الشروط العامة في كل عبادة ، وهي : الإسلام ، والعقل ، والتمييز.

خلاصة :
فعلى هذا ، تكون شروط صحة الصلاة إجمالاً تسعة  : الإسلام ، والعقل ، والتمييز ، ورفع الحدث ، وإزالة النجاسة ، وستر العورة ، ودخول الوقت ، واستقبال القبلة ، والنية . والله أعلم

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (2/ 110)
* مفردات الحديث:
- لا يقبل الله: بصيغة النفي، وهو أبلغ من النهي؛ لأَنَّه يتضمن النهي، وزيادة نفي حقيقة الشيء.
- أحدث: أي: حصل منه الحدث، وهو الخارج من أحد السبيلين، أو غيره من نواقض الوضوء، وفي الأصل: الحدث: الإيذاء.
- الحدث: وصف حكمي يقوم بالبدن، يمنع وجوده من صحة العبادة المشروط لها الطهارة.
* المعنى الإجمالي:
الشارع الحكيم أرشد من أراد الصلاة ألا يدخل فيها إلاَّ على حال حسنة وهيئة جميلة؛ لأنَّها الصلة الوثيقة بين الرب وعبده، وهي الطريق إلى مناجاته، لذا أمره بالوضوء والطهارة فيها، وأخبره أنَّها مردودة غير مقبولة بغير ذلك.

من فوائد الحديث :

فتح الباري لابن رجب (5/ 433)
"إن من صلى بغير طهارة ناسياً فإن عليه الإعادة بالإجماع؛ لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) ،

فتح الباري لابن حجر (12/ 329)
قَالَ بن بَطَّالٍ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُضَادُّهَا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدَثَ فِي أَثْنَائِهَا مُفْسِدٌ لَهَا فَهُوَ كَالْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ لَوْ طَرَأَ فِي خِلَالِهِ لَأَفْسَدَهُ وَكَذَا فِي آخِره

منحة الباري بشرح صحيح البخاري (10/ 72)
قال الكرماني: وفيه رد على الحنفية حيث صححوا صلاة من أحدث في الجلسة الأخيرة؛ لأن التحلل عندهم يحصل بكل ما ينافي الصلاة، فهم متحيلون في صحة الصلاة مع وجود الحدث، ووجه الردِّ عليهم أن التحلل ركن كالتحريم لحديث: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" [د ت]

عون المعبود وحاشية ابن القيم (1/ 59)
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ اخْتِيَارِيًّا أَوِ اضْطِرَارِيًّا لِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَدَثٍ وَحَدَثٍ وَحَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (1/ 56)
وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق في ذلك بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر، وصلاة الجنازة.

طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 218)
قَدْ تَقَرَّرَ دَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَ فَقْدِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّلَاعُبِ بِتَعَاطِي الْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ بَلْ حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكَفَّرُ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُكَفَّرُ لِأَنَّ الْكُفْرَ بِالِاعْتِقَادِ وَهَذَا الْمُصَلِّي اعْتِقَادُهُ صَحِيحٌ.

طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 213)
فِيهِ فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْقَبُولِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ

طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 214_215)
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَكَوْنِهَا مُسْتَوِيَةً فِي نَفْيِ الْقَبُولِ فَانْتَفَتْ الصِّحَّةُ مَعَهُ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ لَكِنَّا نَنْظُرُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُفِيَ فِيهَا الْقَبُولُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ قَدْ اقْتَرَنَتْ بِهِ مَعْصِيَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ ذَلِكَ الْعَمَلِ إنَّمَا هُوَ لِوُجُودِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ___
لَكِنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ فِيهِ،
وَهَذَا كَصَلَاةِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَآتِي الْعَرَّافِ فَهَؤُلَاءِ إنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ الْعَمَلِ مَعْصِيَةٌ فَعَدَمُ قَبُولِهِ إنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَهَذَا كَصَلَاةِ الْمُحْدِثِ وَالْمَرْأَةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَإِنَّ الْحَدَثَ وَكَشْفَ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا حَيْثُ لَا يَرَاهَا الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ لَيْسَ مَعْصِيَةً فَعَدَمُ قَبُولِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ ضِدَّ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ ضِدُّ الْكَشْفِ وَهُوَ السَّتْرُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَفُقِدَتْ الصِّحَّةُ لِفَقْدِ شَرْطِهَا فَاعْتَبِرْ مَا ذَكَرْته تَجِدْ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ مَاشِيَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ وَلَا اضْطِرَابٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 215)
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ حُكْمَ الْوُضُوءِ حُكْمُ مَا تَوَضَّأَ لَهُ مِنْ نَافِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ وَأَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَإِنْ أَدْخَلْنَاهُمَا فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ فَقَدْ تَنَاوَلَهَا لَفْظُ الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ نَدْخُلْهُمَا فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ فَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ حُكْمَهُمَا كَحُكْمِ الصَّلَاةِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ، وَذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا شُعْبَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا حَتَّى إنَّ الصَّلَاةَ تُسَمَّى سُجُودًا، فَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ» أَيْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.

طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 217_218)
اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَحَلَّ فِيهِ الْكَلَامَ»...___
وَقَدْ دَلَّ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» وَأَنَّهُ «- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَافَ مُتَطَهِّرًا، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الْحَجِّ.

طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 222)
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْدِثِ خَاصَّةً قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَقِيَ عَدَمُ الْقَبُولِ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الْوُضُوءِ وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا فَيَقْتَضِي ذَلِكَ قَبُولَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا، وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْوُضُوءِ لَهَا ثَانِيًا.

مصابيح الجامع (10/ 41) لمحمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد، المخزومي القرشي، بدر الدين المعروف بالدماميني، وبابن الدماميني (المتوفى: 827 هـ) :
"قيل: فيه ردٌّ على أبي حنيفة - رضي الله عنه - في قوله: إن المحدِثَ في صلاته يتوضأ، ويبني على ما تقدَّم من صلاته، وهو قول ابن أبي ليلى.
وقال مالك، والشافعي - رضي الله عنهما -: يستأنفُ الوضوءَ والصلاةَ، ولا يبني، محتجَّينِ بهذا الحديث


توضيح الأحكام من بلوغ المرام (2/ 110)
* ما يؤخذ من الحديث:
1 - أنَّ صلاة المحدِث لا تقبل، حتى يتطهر من الحدثين: الأكبر، والأصغر.
2 - أنَّ المراد بعدم القبول هنا: عدم صحة الصلاة، وعدم إجزائها.
3 - أنَّ الحدث ناقض للوضوء، ومبطل للصلاة إن كان فيها.
4 - الحديث يدل على أنَّ الطهارة شرط لصحة الصلاة.

Selasa, 25 Juni 2019

الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه، وما جاء في ذم الحرص وحب المال

4 - (الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه، وما جاء في ذم الحرص وحب المال).


1714 - (19) [صحيح] وعنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
"لَوْ أنَّ لابْنِ آدَم مِلْءَ وادٍ مالاً لأحبَّ أنْ يَكونَ إليهِ مِثْلُهُ، ولا يَمْلأُ عينَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوبُ الله على مَنْ تابَ".
رواه البخاري ومسلم.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3299)
فَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْبُخْلَ الْمُوَرِّثَ لِلْحِرْصِ مَرْكُوزٌ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالَ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْمَقَالِ: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حِرْصَ ابْنِ آدَمَ وَخَوْفَهُ مِنَ الْفَقْرِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى الْبُخْلِ حَتَّى عَلَى نَفْسِهِ أَقْوَى مِنَ الطَّيْرِ الَّذِي يَمُوتُ عَطَشًا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ خَوْفًا مِنْ نَفَادِهِ، وَمِنَ الدُّودَةِ الَّتِي قُوتُهَا التُّرَابُ وَتَمُوتُ جُوعًا خَشْيَةً مِنْ فَرَاغِهِ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي جَنْبِ خَزَائِنِ رَحْمَةِ رَبِّ الْأَرْبَابِ كَقَطْرَةٍ مِنَ السَّحَابِ

الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 46) للمناوي :
ولما كان الإنسان بطبعه ميالًا إلى حب المال، شرِهًا، طمعًا، لا يشبع، وليس له حدي ينتهي إليه إلا ما كان من مادته، والجزء الأكبر فيه؛ قال الله تعالى في الحديث لو كان لابن آدم واد -أي: من ذهب، أوفضة- لأحب أن يكون له ثانٍ، ولوكان له واديان لأحب ... إلخ، ولا يملأ جوفه إلا التراب؛ لأنه منه خلق، وإليه يعود، والله أعلم.

تطريز رياض الصالحين (ص: 33)
في هذا الحديث: دليل على أنَّ الإِنسان لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، إلا من لطف الله به. قال الله تعالى:
{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الآيات [المعارج (19: 25) ] .

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 222_223)
وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ : "__أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ: طُولُ الْأَمَلِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَإِنَّ طُولَ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ.

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 224)
وَرُوِيَ عَنْ شَقِيقِ الْبَلْخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: أَخْرَجْتُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيثٍ أَرْبَعُ مِائَةَ حَدِيثٍ، وَأَخْرَجْتُ مِنْ أَرْبَعُ مِائَةِ حَدِيثٍ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، وَأَخْرَجْتُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ.
أَوَّلُهَا: لَا تَعْقِدْ قَلْبَكَ مَعَ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا الْيَوْمَ لَكَ وَغَدًا لِغَيْرِكَ، فَإِنْ أَطَعْتَهَا أَدْخَلَتْكَ النَّارَ.
وَالثَّانِي: لَا تَعْقِدْ قَلْبَكَ مَعَ الْمَالِ، فَإِنَّ الْمَالَ عَارِيَةٌ، الْيَوْمَ لَكَ وَغَدًا لِغَيْرِكَ.
فَلَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ بِمَا لِغَيْرِكَ، فَإِنَّ الْمَهْنَأَ لِغَيْرِكَ وَالْوِزْرَ عَلَيْكَ.
وَإِنَّك إِذَا عَقَدْتَ قَلْبَكَ بِالْمَالِ مَنَعْتَهُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَدَخَلَ فِيكَ خَشْيَةَ الْفَقْرِ وَأَطَعْتَ الشَّيْطَانَ.
وَالثَّالِثُ: اتْرُكْ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ.
فَإِنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّبُهَةِ وَيَهْرَبُ مِنَ الْحَرَامِ وَيَسْكُنُ عِنْدَ الْحَلَالِ.
وَالرَّابِعُ: لَا تَعْمَلْ شَيْئًا حَتَّى تَحْكُمَ الْإِجَابَةُ.

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (23/ 45)
أَشَارَ بِهَذَا الْمثل إِلَى ذمّ الْحِرْص على الدُّنْيَا والشره والازدياد وَهَذِه آفَة يجب الاتقاء مِنْهَا

شرح النووي على مسلم (7/ 139_140)
فِيهِ ذَمُّ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَحُبِّ الْمُكَاثِرَةِ بِهَا وَالرَّغْبَةِ فِيهَا وَمَعْنَى لَا يَمْلَأُ جَوْفَهُ إِلَّا التُّرَابُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوتَ وَيَمْتَلِئَ جَوْفُهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ،
وَهَذَا الْحَدِيثُ___خَرَجَ عَلَى حُكْمِ غَالِبِ بَنِي آدَمَ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا." اهـ

__________
(1) الأصل: "مثل واد من ذهب"، والتصحيح من البخاري (6437) ومسلم (3/ 100)، ولم يتنبه له المعلقون الثلاثة كعادتهم في مثل هذا!
====================================

1715 - (20) [صحيح] وعنِ عبَّاسِ بْنِ سهلِ بنِ سَعْدٍ قال:
سمعتُ ابنَ الزُبيرِ على مِنْبرِ مَكَّةَ في خطْبَتِه يقولُ:
يا أيُّها الناسُ! إنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ يقولُ:
"لَوْ أنَّ ابْنَ آدم أُعْطِي وادياً [مَلآن] (1) مِنْ ذَهَبٍ أحبَّ إليهِ ثانياً، ولَوْ أُعْطِيَ ثانياً أحبَّ إليه ثالثاً، ولا يَسُدُّ جوفَ ابْنِ آدَم إلا الترابُ، ويتوبُ الله على مَنْ تابَ".
رواه البخاري.

التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 169)
والحديث إعلام بما جبل عليه نوع ابن آدم من حب المال والتعريض بأنه ذنب ينبغي التوبة منه والإرشاد إلى أنه لا يزول الطمع والحرص بكثرة المال بل بإقناع النفس

زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 285)
هَذَا وَإِنَّهُ أَعْظَمُ حَائِلٍ بَيْنَ الْخَلِيقَةِ وَبَيْنَ فَوْزِهَا الْأَكْبَرِ يَوْمَ مَعَادِهَا، وَأَعْظَمُ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ، وَبِهِ قُطِعَتِ الْأَرْحَامُ، وَأُرِيقَتِ الدِّمَاءُ، وَاسْتُحِلَّتِ الْمَحَارِمُ، وَمُنِعَتِ الْحُقُوقُ، وَتَظَالَمَ الْعِبَادُ، وَهُوَ الْمُرَغِّبُ فِي الدُّنْيَا وَعَاجِلِهَا، وَالْمُزَهِّدُ فِي____الْآخِرَةِ وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِيهَا، فَكَمْ أُمِيتَ بِهِ مِنْ حَقٍّ، وَأُحْيِيَ بِهِ مِنْ بَاطِلٍ، وَنُصِرَ بِهِ ظَالِمٌ، وَقُهِرَ بِهِ مَظْلُومٌ

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 162)
فأخبر سبحانه انه أنزل المال ليستعان به على إقامة حقه بالصلاة واقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل الانعام فاذا زاد المال عن ذلك أو خرج عن هذين المقصودين فان الغرض والحكمة التى أنزل لها كان التراب أولى به
__________
(1) زيادة من (البخاري - الرقاق).

========================================
1716 - (21) [حسن صحيح] وعن بُرَيدَةَ رضي الله عنه قال:
سمعتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ في الصلاةٍ:
"لو أن لابنِ آدمَ وادياً من ذهبٍ لابتغى إليه ثانياً، ولو أَعطيَ ثانياً لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوبُ الله على من تابَ".
رواه البزار بإسناد جيد. (2)

الاستذكار (2/ 185)
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نُسِخَ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي مُصْحَفِنَا الْيَوْمَ
وَمَنْ قَالَ بِهَذَا يَقُولُ إِنَّ النَّسْخَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فِي الْقُرْآنِ
·      أَحَدُهَا :
نَسْخُ الْخَطِّ وَالتِّلَاوَةِ وَالرَّسْمِ مُبَيَّنًا وَلَا يُعْرَفُ وَلَا يُقْرَأُ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا رُوِيَتْ مِنْهُ أَشْيَاءُ عَلَى سَبِيلِ الرِّوَايَةِ لَا يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى___
وَذَلِكَ نَحْوُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ
وَقَوْلُهُ : لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَا يملأ جوف بن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ
وَمِنْهَا أَيْضًا : قَوْلُهُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا
وَهَذَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا وَذَكَرَهُ
وَمِنْهَا : قَوْلُ عَائِشَةَ كَانَ فِيمَا أَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ ثُمَّ نُسِخَتْ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ أبي بن كعب وبن عَبَّاسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ وَاتَّسَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى هُنَاكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ__
·      وَالْوَجْهُ الثَّانِي :
أَنْ يُنْسَخَ خَطُّهُ وَيَبْقَى حُكْمُهُ،
نَحْوَ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَدْ قَرَأْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا
·      وَالْوَجْهُ الثَّالِثُّ :
أَنْ يُنْسَخَ حُكْمُهُ وَيَبْقَى خَطُّهُ يُتْلَى فِي الْمُصْحَفِ،
وَهَذَا كَثِيرٌ نَحْوَ قَوْلِهِ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزوجا وصية لأزوجهم متعا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [الْبَقَرَةِ : 240]
نَسَخَتْهَا (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [الْبَقَرَةِ : 234]
وَهُوَ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ."

كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 66)
اعْلَم أَن آثر الْأَشْيَاء عِنْد الْإِنْسَان نَفسه، فَأحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ بَقَاؤُهَا، ولشدة حبه الْبَقَاء لَا يَنْقَطِع أمله من الْحَيَاة وَلَو عاين الْمَوْت،
فَلَمَّا كَانَ المَال سَببا للحياة أحب سَبَب الْبَقَاء والاستكثار مِنْهُ لحبه الْبَقَاء. وَقَوله: " وَلنْ يمْلَأ فَاه إِلَّا التُّرَاب " الْإِشَارَة بِالْمَعْنَى إِلَى حرصه، وبالصورة إِلَى دَفنه فِي الْقَبْر.
__________
(2) قلت: وهو كما قال، وبيانه في "الصحيحة" (2991)، وفيه الرد على بعض المتعالمين من المعاصرين الذين ينكرون كل الأحاديث الصحيحة في منسوخ التلاوة، وبعضها متواتر!

====================
====================

5 - (الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك).

1717 - (1) [حسن] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"إنَّ الله طيَّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّباً، وإنَّ الله أمَر المؤمنينَ بما أَمرَ به المرسَلينَ؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. ثمَّ ذَكر الرجلَ يُطيلُ السفَر أشْعَثَ أغْبرَ يَمُدُّ يديْه إلى السماءِ: يا ربِّ يا ربِّ! ومَطْعَمُه حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، ومَلْبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ، فأَنَّى يُسْتَجابُ لذلِكَ!؟ ".
رواه مسلم والترمذي. (1)

التعيين في شرح الأربعين (1/ 114) للطوفي :
واعلم أن الطيب يطلق بمعان:
أحدهما: المُستَلَذُّ طبعا نحو هذا طعام طيب {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3].
والثاني: بمعنى الحلال، ويقابله الخبيث نحو قوله {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: 100].
التعيين في شرح الأربعين (1/ 115)
والثالث: الطيب بمعنى الطاهر ومنه قوله عزَّ وجلَّ {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} {وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] أي: الطاهرون من العيوب للطاهرات، والله عزَّ وجلَّ طيب بهذا المعنى، أي: هو طاهر منزه عن جميع النقائص، فلا يقبل من الأعمال إلا طاهرًا من المفسدات كالرياء، والعجب ونحوه، ولا من الأموال إلا طاهرا (أ) من الحرام، وفي الحديث: "من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه" (1) وفيه "من صلى في ثوب قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة " (2).
البحث الثاني: قوله: "وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" إلى آخره، فيه دليل على أن الرسل وأممهم سواء في عبادة الله عزَّ وجلَّ، والدخول تحت خطابه إلا ما قام عليه الدليل من اختصاصهم على الأمم ببعض الأحكام لأن الجميع عبيد الله، ومأمورون بعبادة الله عزَّ وجلَّ.
والظاهر أن المراد بالطيبات في الآيتين الحلال بدليل ما سِيْقَ (ب) قبله وما بعده من ذم المطعم الحرام.

__________
(1) وقال الترمذي (2989): "حسن غريب". انظر "غاية المرام" (27/ 17).

شرح الحديث :

تطريز رياض الصالحين (ص: 1050)
هذا الحديث: قاعدة من قواعد الإسلام وأصول الأحكام.
وفيه: إشارة إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته.
قيل: إن اللدعاء جناحين: أكل الحلال، وصدق المقال.

شرح النووي على مسلم (7/ 100)
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِي الْأَحْكَامِ وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْهَا أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي جُزْءٍ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْحَلَالِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْإِنْفَاقِ مِنْ غَيْرِهِ وَفِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوبَ وَالْمَأْكُولَ وَالْمَلْبُوسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَلَالًا خَالِصًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ الدُّعَاءَ كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِنَاءِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ

الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 129)
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الطيب هو الذي يطيبه الشرع؛ لأكله بالإباحة والحل، وإن كان ليس طيبا في الطعم، فإذا أنفق العبد نفقة طيبة، كانت هي التي تزكو وتثمر، وإذا أنفق نفقة لم يطبها الشرع؛ فإنها إن كانت من عصب فهي على ملك صاحبها، فتصدق الغاصب بها لم يؤجر عليه؛ بل يكون آثما بالتصرف فيها.
* وأما ذكر: (الأشعث الأغبر) فالمراد به من يحج أو يغزو أو يسافر فيما دون ذلك، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، فإنه لا يجبره شعثه وغباره من إثم مطعمه ومشربه، فيرفع يديه فيقول: يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك، أي: كيف يستجاب له، ومتى يستجاب له، والقوة التي مد بها يديه نشأت عن مخالفة وعصيان.

كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 572)
هَذَا إِخْبَار عَن كَمَال صِفَاته الَّتِي لَا يدخلهَا نقص وَلَا عيب، كَمَا أَن الله جميل.
وَقَوله: ((لَا يقبل إِلَّا طيبا)) يَعْنِي بِهِ الْحَلَال.
والأشعث: الَّذِي قد تغير شعر رَأسه وَتَلَبَّدَ لبعد عَهده بالدهن والإمتشاط.
وَقد بَين الحَدِيث أَن أكل الْحَرَام يمْنَع من إِجَابَة الدُّعَاء، وَنبهَ على أَن جَمِيع الْمعاصِي تمنع.

فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله (ص: 55)
مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1 أنَّ من أسماء الله الطيِّب، ومعناه المنَزَّه عن النقائص، وأنَّ من صفاته الطيب؛ لأنَّ أسماء الله كلَّها مشتقَّة، وتدلُّ على صفات مشتقَّة منها.
2 أنَّ على المسلم أن يأتي بالطيب من الأعمال والمكاسب.
3 أنَّ الصدقة لا تُقبل إلاَّ من مال حلال، وقد ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" رواه مسلم (224) .
4 تفضُّل الله على عباده بالنِّعم، وأمْرهم بأن يأكلوا من الطيبات.
5 أنَّ أكل الحرام من أسباب عدم قبول الدعاء.
6 أنَّ من أسباب قبول الدعاء السفر، وكون الداعي أشعث أغبر.
7 أنَّ من أسباب قبوله أيضاً رفع اليدين بالدعاء.
8 أنَّ من أسبابه أيضاً التوسل بالأسماء.
9 أنَّ من أسبابه الإلحاح على الله فيه.